رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مع اقتراب موسم المهرجانات المصرية، وفي مقدمتها مهرجانا الجونة والقاهرة السينمائيان، وهما من أبرز المحافل السينمائية في مصر، فلماذا تحتفي مهرجاناتنا، في الغالب، بنجوم الصف الأول وحدهم؟ ولماذا لا يحظى نجوم الصف التاني والثالث وكل من يعمل في المجال السينيمائي الذين يملأون شاشاتنا إبداعًا وحضورًا وتأثيرًا بمساحة حقيقية من الاحتفاء داخل مهرجانات بلدهم؟ وإذا لم يجد هؤلاء الفنانون التكريم والتقدير في وطنهم، فأين يجدونه؟

أتذكر زمنًا كانت فيه الدولة تنظر إلى الفن باعتباره قيمة تستحق الاحتفاء، وكان الفنانون يُكرَّمون جنبًا إلى جنب مع العلماء والأدباء، باعتبارهم جميعًا أصحاب أدوار مؤثرة في تشكيل الوعي والوجدان.

كان الثامن من أكتوبر موعدًا لعيد الفن، يومًا تتسع فيه المساحة للمحبة والفرح والامتنان. كان المشهد يضم فنانين طالت أعمارهم وقصرت أعمالهم، ونجومًا كبارًا، وآخرين ربما لم تنصفهم الأضواء، لكنهم كانوا جميعًا يشعرون أن هذا اليوم عرسهم، وأن لهم مكانة وقدرًا وقيمة، وأن ما قدموه لم يذهب هباءاً، كانت هناك، آنذاك، حالة من المودة والاحترام تجمع أهل الفن، وشعور بأن الانتماء إلى هذه المهنة، بما تحمله من مشقة وتضحيات، يستحق التقدير في حد ذاته.

أما اليوم، فالأغرب أننا نكاد لا نرى في مهرجاناتنا أصحاب الأدوار الثانية والثالثة، أولئك الذين يشاركون في صناعة العمل، ويملأون الشاشة حضورًا، ويمنحون الحكاية عمقها، ويساعدون النجوم الكبار على أن يلمعوا في أدوارهم.

هؤلاء الذين ربما لا تحمل أسماؤهم عناوين الأفلام، لكن وجوههم تسكن ذاكرتنا، ونبرات أصواتهم ترافق مشاهد لا ننساها، وشخصياتهم تمنح العمل صدقه الإنساني. كم من ممثل لم يتصدر الأفيش، لكنه ترك في نفوسنا أثرًا أعمق من أثر بطل الحكاية نفسه!

لقد هزمتهم المهنة أحيانًا، واستنزفت من أعمارهم وجهدهم الكثير، ومرّ بعضهم بسنوات طويلة من العمل دون أن ينال ما يستحقه من تقدير. أفلا ينبغي أن ننتصر لهم نحن، ولو بدعوة بسيطه  إلى المهرجان الذي يُفترض أنه يحتفي بالفن وأهله؟

لماذا تمتلئ قوائم المدعوين أحيانًا بأسماء لا تربطها بالفن علاقة حقيقية، بينما يغيب عنها فنانون أفنوا سنوات من أعمارهم في خدمة الشاشة والمسرح والسينما؟ وكأن الرسالة التي تصل إليهم، من حيث لا يُقال شيء، هي أنتم أصحاب أدوار صغيرة، ومقاعدكم ليست هنا، ولا يليق بكم أن تجلسوا وسط النجوم.

لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أحد هي أن النجم لا يصنع عملًا بمفرده. فخلف كل بطل طابور طويل من الفنانين الذين يمنحون الشخصية روحها، والمشهد صدقه، والحكاية قدرتها على الحياة والبقاء. إن العمل الفني ليس صورة يتصدرها وجه واحد، بل نسيج من المواهب، لكل منها خيطها الذي لا تكتمل اللوحة من دونه.

وهنا، لا بد أن نسأل: ما قيمة مهرجان يحتفي بالأعمال الفنية، ثم يغفل عن بعض الذين شاركوا في صناعته؟ وكيف نحتفي بالحكاية وننسى أصحاب الحكايات الصغيرة التي صنعت، في مجموعها، حكاية الفن المصري الكبير؟

هذه دعوة إلى رؤساء المهرجانات والقائمين عليها: تذكّروا فنانينا الذين يثابرون ويعملون في صمت، ويمنحون الفن سنوات العمر، ويتحملون مشقاته وتقلباته، دون أن ينتظروا دائمًا مكافأة أو تصفيقًا.

إنهم ليسوا هامشًا في صناعتنا الفنية، بل جزء أصيل من أساسها. هم من قوة مصر الناعمة، ومن ذاكرتها التي تتشكل على الشاشة عامًا بعد عام، ومن رصيدها الإبداعي الذي تعتز به أمام العالم. ومن حقهم أن يجدوا في مهرجانات بلدهم مساحة تليق بما قدموه، لا باعتبارهم ضيوفًا من باب المجاملة، بل أصحاب حق في الاحتفاء والتقدير.

فكيف نُذويهم ونهمّشهم في مهرجان تُعرض فيه أعمال شاركوا في صناعتها، ووضعوا فيها شيئًا من أرواحهم وتجاربهم، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من الحكاية؟

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف معنى «النجم». فليس كل من وقف في مقدمة الصورة هو وحده من يستحق أن نحتفي به، وليس كل من غاب عن الأضواء قد غابت قيمته أو تراجع أثره. أحيانًا يكون النجم الحقيقي هو ذلك الذي وقف خلف الصورة، ومنحها الحياة، وترك في قلوبنا أثرًا لا يمحوه الزمن، ثم غادر في هدوء، دون أن ينتظر تصفيقًا أو يبحث عن مكان على السجادة الحمراء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء