رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وصل الشارع المصري إلى درجة مؤسفة من الفوضى، حتى أصبح الانتقال من مكان إلى آخر رحلةً لا تخلو من القلق والتردد.. وأصبح السير في شوارعنا محفوف دائما بالمخاطر وكأن العودة سالمًا أصبحت أحيانًا درب من الخيال. 

فإذا كانت الكاميرات قد انتشرت في كل مكان، وإذا كان رجال الأمن موجودين في الشوارع والميادين، فلماذا ما زالت الفوضى بهذا الحجم؟ ومن المسؤول عن ضبط هذا المشهد الذي أصبح جزءًا من حياتنا اليومية؟

ولعل أكثر ما يلفت النظر في شوارعنا هو العدد الهائل من الدراجات النارية، وبخاصة تلك التي يستخدمها عمال توصيل الطلبات. شباب يقودون دراجاتهم بسرعات جنونيه كبيرة، وأحيانًا يسيرون عكس الاتجاه، أو يتجاوزون الإشارات، أو يتحركون بين السيارات وكأنهم في سباق مع الزمن.

والأمر الأكثر إيلامًا أن بعض هؤلاء الشباب لايؤمنون بمقاييس الامن والسلامه وكأن حياته أصبحت أقل قيمة من طلب يجب أن يصل في موعده.

لا ألوم هؤلاء الشباب وحدهم فالغالبية منهم تنهكهم الحياه فلا وعي احيانا ولا تعليم ،،، بل اي وظيفه توفر له قوت يومه .
فكيف يمكن لشاب أن يحقق دخله اليومي إذا كان مطلوبًا منه إنجاز عدد محدد من الرحلات حتى يحصل على ما يكفيه من المال؟ أليس ضغط الوقت والدخل هو أحد الأسباب التي تدفعه إلى السرعة والمخاطرة وتجاوز قواعد المرور؟
ولماذا لا تتحمل شركات التوصيل جانبًا أكبر من المسؤولية تجاه هؤلاء الذين يعملون لديها؟

لماذا لا تقوم بتدريبهم على أصول القيادة الآمنة، وتعليمهم احترام إشارات المرور وقواعد الطريق، وتوفير وسائل الحماية اللازمة لهم، وتأمينهم ضد مخاطر العمل؟

السير عكس الاتجاه ليس مخالفة عابرة، بل جريمة قد تنتهي بكارثة.

وعدم ارتداء الخوذة ليس مجرد إهمال في المظهر، بل قد يكون الفاصل بين الحياة والموت.

والدراجة النارية، حين يقودها شخص تحت ضغط الوقت وبسرعة مفرطة، لا تصبح خطرًا على راكبها وحده، وإنما تتحول إلى قنبلة متحركة قد تهدد كل من حولها.

أما عمال التوصيل الذين يستخدمون الدراجات الهوائية، فهؤلاء لهم حكاية أخرى من المشقة. شاب يتحرك تحت شمس قاسية وفي طقس شديد الحرارة، ويبذل جهدًا بدنيًا كبيرًا حتى يصل بطلب في موعده. فلماذا لا تتجه الشركات إلى توفير دراجات كهربائية أو وسائل نقل خفيفة وآمنة تساعدهم على أداء عملهم بكفاءة، دون أن يدفعوا أجسادهم ثمنًا للسرعة؟

إن شركات التوصيل مطالبة اليوم بأن تنظر إلى عمالها بعين المسؤولية قبل أن تنظر إليهم باعتبارهم مجرد أرقام في منظومة تشغيل.

هؤلاء في الغالب شباب صغير، يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مكانًا في الحياة، ويكافحون من أجل دخل يساعدهم على تحمل أعبائها. وربما لا يمتلكون الخبرة الكافية لتقدير حجم الخطر الذي يضعون أنفسهم والآخرين فيه كل يوم.

فلا تتركوهم فريسة للسرعة والضغط والحاجة.
استثمروا فيهم.
علموهم.
دربوهم.
وفروا لهم وسائل الأمان.
ضعوا أنظمة ذكية لمتابعة سرعتهم ومساراتهم، لا بهدف العقاب والمراقبة فقط، وإنما بهدف حمايتهم وحماية الآخرين. واجعلوا الالتزام بقواعد المرور جزءًا أساسيًا من تقييم العامل، بدلًا من أن يكون عدد الرحلات والسرعة هما المعيار الوحيد للنجاح.

إننا لا نحتاج إلى مزيد من العقاب بقدر ما نحتاج إلى منظومة تمنع الخطأ قبل وقوعه.

فخدمة التوصيل أصبحت واحدة من أهم الخدمات في حياتنا اليومية، ولا يستطيع أحد أن ينكر ما قدمته من سهولة وراحة للناس. لكن تطور هذه الخدمة لا ينبغي أن يكون على حساب حياة من يقدمونها.

نريد خدمة توصيل عصرية ومحترمة، ولكننا نريد قبل ذلك شارعًا يحترم الإنسان.

نريد أن يعود عامل التوصيل إلى بيته في نهاية يومه سالمًا، وأن يعود كل أب وأم وطفل يسيرون في الشارع إلى بيوتهم سالمين أيضًا.

فالتحضر ليس في أن يصل طلبك خلال دقائق…..التحضر  الحقيقي أن يصل الطلب، ويعود من حَملهُ إلى بيته سالماً

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء