حين اتخذت الحكومة قرارًا بالعمل من المنزل يوم الأحد لبعض قطاعات الدولة، كان القرار، في رأيي، يتجاوز مجرد ترشيد استهلاك الكهرباء.
ولكنه كان هدنة صغيرة في مدينة تئن من الزحام؛ توفيرًا في استهلاك الكهرباء والغاز والمياه، وتقليلًا لتشغيل المباني الحكومية والتكييفات والمصاعد، وخفضًا لاستهلاك الوقود، وانبعاثات السيارات، والضغط على الطرق والمواصلات عامو كانت أو خاصة.
ومع بداية موسم دراسي جديد، وما يصاحبه من اختناق مروري معروف، كان يوم واحد يعمل فيه الموظف من منزله يمكن أن يمثل فارقًا، ولو بسيط
ثم لماذا أُلغي القرار؟
هل أصبحت لدينا فجأة وفرة في الكهرباء والغاز والطاقة تسمح لنا بالعودة إلى كل أنماط الاستهلاك السابقة؟
هل عادت شوارعنا تستوعب المزيد من السيارات والمواصلات؟
هل أصبحت المباني الحكومية في حاجة فعلية إلى أن تعمل بكامل طاقتها طوال أيام الأسبوع؟
والسؤال الأهم: هل كل موظف يحتاج فعلًا إلى أن يكون موجودًا في مقر عمله كل أيام الأسبوع
نحن جميعًا نعرف أن هناك مصالح وشركات ومؤسسات حكومية يعمل بها عدد من الموظفين يفوق في أحيان كثيرة الاحتياج الحقيقي للعمل. وليس المقصود هنا الانتقاص من الموظف أو من حقه في العمل، وإنما التساؤل عن منظومة إدارية تسمح بوجود أعداد كبيرة من العاملين دون أن يكون لكل واحد منهم عمل فعلي يتناسب مع عدد ساعات وجوده.
إنها صورة من صور البطالة المقنعة التي لا تعاني منها مؤسسة واحدة، وإنما عرفناها طويلًا في قطاعات مختلفة من الجهاز الإداري.
موظف يحضر، يوقع، يجلس أمام جهاز الكمبيوتر، يحتسي المشروبات ويلعب ألعاب علي الكمبيوتر ويثيرو المناقشات واحيانا النميمه بين الزملاء وقد لا يُنجز خلال اليوم مهمة واحده حقيقية، ثم ينصرف في نهاية ساعات العمل، مستهلكًا كهرباء ومياهًا وتكييفًا ووسيلة مواصلات ووقتًا وطاقة.
فماذا خسرنا لو أن هذا الموظف أنجز عمله من منزله يومًا واحدًا؟
وماذا كنا سنوفر؟
ازدحامًا أقل.
وقودًا أقل.
تلوثًا أقل.
استهلاكًا أقل للكهرباء والطاقة.
تشغيلًا أقل للمباني والمرافق.
وضغطًا أقل على وسائل المواصلات.
وهدنه للمواطن والطالب والموظف معًا.
أليس هذا هو جوهر الإدارة الحديثة؟
أن تسأل قبل اتخاذ القرار: ما الذي نحتاجه فعلًا؟ وما الذي يمكن الاستغناء عنه دون أن تتعطل مصالح الناس؟
أنا لا أدعو إلى تعطيل مصالح المواطنين، ولا إلى تحويل العمل الحكومي إلى إجازة مفتوحة. على العكس، أنا أتساءل عن إمكانية إدارة أكثر ذكاءً ومرونة، تفرق بين الوظائف التي يتطلب وجود أصحابها في أماكن العمل، وتلك التي يمكن إنجازها بكفاءة من المنزل.
فإذا كان العمل يمكن أن يُنجز دون حضور الموظف إلى مكتبه، فلماذا نستهلك كل هذه الموارد لكي نثبت فقط أنه «حضر»؟
هل يكفي أن تفتح المصلحة أبوابها، ويجلس الموظفون في مكاتبهم، وتعمل أجهزة الكمبيوتر والتكييفات، ثم يعود الجميع إلى منازلهم وسط طرق مزدحمة، لكي نقول إن الإدارة تعمل بكفاءة؟
أم أن الكفاءة الحقيقية هي أن نعرف أين نضع الموظف، ومتى يحتاج العمل إلى وجوده، ومتى يمكن إنجاز المهمة بطريقة أكثر توفيرًا وأقل تكلفة؟
والأمر لا يتعلق بيوم الأحد وحده.
نحن نسمع عن قرارات لتنظيم مواعيد إغلاق المحال التجارية، وتنظيم عمل المقاهي، وترشيد استخدام الطاقة، وغيرها من الإجراءات التي يفترض أن يكون هدفها في النهاية تنظيم الحياة اليومية وتقليل الهدر.
ولكنها لاتعمل ابداااا للدرجه التي لاتصدق بها وجود عجز لدينا
ان تصرفات الحكومه تقول اننا بلد غني لديه فااءض عظيم من كل شئ ،،،
لذلك نتراجع عن بعض هذه الإجراءات قبل أن نختبر نتائجها بصورة حقيقية؟
ولماذا لا نمنح القرار التنظيمي المحترم فرصة ليؤدي وظيفته، ثم نقيس أثره بالأرقام؟
كم وفرنا من الكهرباء؟
كم قل استهلاك الوقود؟
كم سيارة لم تنزل إلى الشارع؟
كم انخفض الضغط على المواصلات؟
وكم وفر الموظفون من الوقت؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها الإدارة الحديثة، بدلًا من الاكتفاء بفكرة أن وجود الموظف في مكتبه يعني بالضرورة وجود إنتاج.
أنا لا أطالب بالمزيد من الإجازات، ولا أطالب بأن يعمل الناس أقل لمجرد العمل أقل.
أنا أطالب بشيء أبسط: أن نعيد تعريف العمل نفسه.
فالعمل ليس كرسيًا ومكتبًا وتكييفًا ودفتر حضور وانصراف.
العمل هو نتيجة.
وإذا كان الموظف يستطيع إنجاز النتيجة نفسها من منزله، فلماذا نستهلك الطريق والطاقة والوقت لكي يصل إلى مكتبه فقط؟
في ظروف اقتصادية ضاغطه كهذه، نحن بحاجة إلى أن نبحث عن كل جنيه يمكن توفيره، وكل كيلووات يمكن ترشيده، وكل لتر وقود يمكن الاستغناء عنه، وكل سيارة يمكن ألا تنزل إلى الطريق، وكل ساعة يمكن أن يستعيدها المواطن من عمره.
لذلك أتمنى أن يجيبنا أحد المسؤولين عن سؤالي البسيط جدًا:
لماذا أُلغي العمل من المنزل يوم الأحد؟
وإذا كانت هناك ضرورة حقيقية للإلغاء، فليقولوا لنا ما هي.
أما أن يكون كل شيء «تمام» فقط لأن الموظف حضر إلى عمله، وفتح جهاز الكمبيوتر، وجلس في التكييف، ثم عاد في زحام المساء إلى منزله، فهذه ليست بالضرورة إدارة ناجحة.
تحتاج الي اعاده نظر وتفكير في قرارات أكثر عقلانية، تقيس النتائج، وتراجع نفسها، ولا تخشى الاعتراف بأن القرار الجيد يمكن أن يُستكمل، أو يُعدل، أو حتى يُعاد إليه إذا أثبتت التجربة أنه أكثر توفيرًا وكفاءة.
فالبلاد التي تبحث عن التوفير لا توفر الكهرباء فقط…
إنها توفر كل شيء يمكن الاستغناء عنه دون أن يتوقف العمل.