جولة الرئيس الآسيوية| 38 شركة و70 مليون راكب تدعم الطموح التصديري لمصر
تراهن مصر على توسيع شراكاتها الاقتصادية مع دول شرق آسيا لتعزيز التصنيع المحلي وزيادة الصادرات، في مسعى لتقليل الاعتماد على الواردات وتنويع مصادر النقد الأجنبي، مستفيدة من التعاون مع كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا في قطاعات السيارات والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية وتكنولوجيا المعلومات.
وتأتي الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الـ20 التي أُعلن عنها خلال الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي في إطار توجه يستهدف توسيع قاعدة الإنتاج، وجذب استثمارات أجنبية جديدة، والاستفادة من الخبرات الصناعية والتكنولوجية للدول الشريكة.
ولا يتوقف نجاح هذا التوجه على عدد الاتفاقيات الموقعة، بل يرتبط بقدرة الدولة على تحويلها إلى مشروعات منفذة، ودمج الشركات المحلية في سلاسل الإمداد، وزيادة المكون المحلي، وتوجيه جانب من الإنتاج إلى الأسواق الخارجية.
نقل التكنولوجيا وتأهيل الكوادر.. أساس بناء قاعدة صناعية أكثر تنافسية
يمثل نقل التكنولوجيا وتأهيل العمالة الفنية والهندسية أحد المسارات المهمة لتعظيم العائد من التعاون مع الاقتصادات الآسيوية، خاصة كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، التي تمتلك خبرات متنوعة في مجالات التصنيع والتكنولوجيا والطاقة والصناعات التحويلية.
وتشير التحليلات المتعلقة بالشراكات الاقتصادية مع هذه الدول إلى أهمية دمج الموردين المحليين في سلاسل الإنتاج، وتطوير مهارات المهندسين والفنيين المصريين من خلال العمل المباشر داخل المصانع، بما يساعد على نقل الخبرات التشغيلية والإدارية وتطوير معايير الجودة والإنتاجية.
وتتجاوز أهمية هذا النموذج مجرد إقامة مصانع جديدة؛ إذ يمكن أن يسهم في بناء قدرات محلية مستدامة، وتوسيع قاعدة الموردين المصريين، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المكونات، شريطة أن تتضمن المشروعات برامج واضحة للتدريب ونقل المعرفة وتطوير الشركات المحلية.
وفي هذا السياق، تكتسب اللقاءات التي عقدها الرئيس مع ممثلي الشركات الآسيوية أهمية خاصة. ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «الشروق»، شملت لقاءات المحطة الكورية الجنوبية ممثلي 38 شركة كورية كبرى، في إطار بحث فرص التعاون والاستثمار في السوق المصرية.
ويتمثل التحدي في ترجمة هذه اللقاءات إلى قرارات استثمارية محددة، تتضمن حجم رؤوس الأموال المستهدفة، والجداول الزمنية للتنفيذ، والقطاعات المستفيدة، وفرص التشغيل والتصدير التي يمكن أن توفرها المشروعات الجديدة.
البنية اللوجستية والطيران.. دعم حركة المستثمرين والأعمال
لا يعتمد جذب الاستثمارات الصناعية على توافر الأراضي والمرافق فقط، بل يرتبط أيضًا بكفاءة شبكات النقل والخدمات اللوجستية، وسهولة انتقال المستثمرين والخبراء، وقدرة الموانئ والمطارات على خدمة حركة الأعمال والتجارة الدولية.
وفي هذا الإطار، أظهرت البيانات الواردة في التقرير بشأن مطار القاهرة الدولي استقباله 6 ملايين و9 آلاف راكب على متن أكثر من 42 ألف رحلة جوية بنهاية سبتمبر 2026، وهو ما يعكس حجم الحركة التي يتعامل معها المطار ودوره في ربط مصر بالأسواق الخارجية.
كما يتضمن التوجه المعلن لوزارة الطيران المدني التخطيط لإنشاء مبنى الركاب رقم 4 بمطار القاهرة الدولي، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمطار إلى 70 مليون راكب سنويًا.
ومن شأن التوسع في الطاقة الاستيعابية للمطارات، إلى جانب تطوير الخدمات المرتبطة بحركة السفر والأعمال، أن يدعم قدرة مصر على استضافة الوفود الاستثمارية وخدمة الشركات الدولية العاملة في السوق المحلية.
ومع ذلك، فإن الأثر المباشر لهذه التوسعات على الاستثمارات الصناعية والصادرات يتوقف على تكاملها مع منظومة النقل والشحن والخدمات اللوجستية، ومدى انعكاس التطوير على تكلفة الأعمال وسرعة انتقال البضائع والأفراد.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. من عبور التجارة إلى التصنيع والتصدير
تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية جذب الاستثمارات الصناعية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وما توفره من فرص لربط الأنشطة الإنتاجية بالخدمات اللوجستية والتجارة الخارجية.
ووفقًا للبيانات الواردة في التقرير، سجلت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس إيرادات بلغت نحو 15.9 مليار جنيه خلال العام المالي الأخير، بزيادة 51% على المستهدف في الموازنة.
وتشير هذه النتائج المالية إلى أهمية المنطقة في منظومة الأنشطة الاقتصادية، إلا أن تقييم أثرها الصناعي والتصديري يتطلب النظر أيضًا إلى حجم الاستثمارات المنفذة، والطاقة الإنتاجية للمصانع، وقيمة الصادرات، وفرص العمل التي توفرها المشروعات العاملة داخلها.
وتبرز أهمية المنطقة في ضوء فرص التعاون مع كوريا الجنوبية في مجال السيارات الكهربائية ومكوناتها والبطاريات، وهي قطاعات يمكن أن تتيح فرصًا للتصنيع المحلي والتصدير إلى الأسواق الإفريقية والإقليمية، إذا تحولت الخطط والتفاهمات المعلنة إلى مشروعات إنتاجية فعلية.
كما يمكن أن تستفيد الشركات الآسيوية من تكامل الأنشطة الصناعية مع الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية، بما يدعم وصول المنتجات إلى الأسواق المستهدفة ويعزز فرص إدماج المصانع المصرية في سلاسل القيمة العالمية.
السيارات الكهربائية والطاقة والغذاء والتكنولوجيا.. قطاعات مرشحة لزيادة الصادرات
تتوزع مجالات التعاون الواردة في التقرير بين قطاعات تمتلك فرصًا لزيادة القيمة المضافة للصناعة المصرية، وتوسيع قاعدة المنتجات القابلة للتصدير.
في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات، يبرز التعاون مع كوريا الجنوبية بوصفه فرصة لدراسة إقامة أنشطة تصنيع للمكونات داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يخدم السوق المحلية ويفتح المجال أمام التصدير إلى إفريقيا.
وفي قطاع الطاقة المتجددة، يتيح التعاون مع ماليزيا فرصًا لاستقطاب استثمارات وخبرات في الطاقة النظيفة، وتطوير مشروعات مرتبطة بتوليد الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية، بما يدعم تنويع مصادر الطاقة وتلبية احتياجات الأنشطة الصناعية.
أما التعاون مع إندونيسيا في الصناعات الغذائية ومنتجات الحلال، فيمكن أن يدعم تطوير الخدمات اللوجستية وعمليات اعتماد المنتجات المصرية وفق المعايير المعمول بها في الأسواق المستهدفة، بما يساعد المصدرين المصريين على النفاذ إلى أسواق جديدة في شرق آسيا.
وفي مجال تكنولوجيا المعلومات، يمكن للتعاون مع كوريا الجنوبية أن يدعم التحول الرقمي، وتدريب الكوادر المصرية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التكنولوجية ومراكز البيانات.
وتختلف طبيعة العائد المتوقع من قطاع إلى آخر؛ فبعض المشروعات قد يسهم في إحلال الواردات، بينما تتيح قطاعات أخرى فرصًا لزيادة الصادرات أو نقل التكنولوجيا أو تطوير المهارات. ويتطلب قياس هذه العوائد تحديد المستهدفات التنفيذية لكل مشروع ومتابعة النتائج الفعلية.
كيف تتحول الاتفاقيات إلى زيادة مستدامة في الصادرات؟
يتطلب تحويل الشراكات الآسيوية إلى محرك للنمو الإنتاجي العمل على عدة مسارات مترابطة، في مقدمتها جذب الاستثمارات التي تستهدف التصنيع داخل مصر، وتوسيع مشاركة الموردين المحليين، ورفع جودة المنتجات وقدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ويبرز كذلك دور تعميق التصنيع المحلي في تقليل الاعتماد على استيراد المكونات والمنتجات النهائية، بما قد يخفف الضغط على النقد الأجنبي. ويتوقف حجم هذا الأثر على نسبة المكون المحلي في المنتجات الجديدة، وطبيعة المدخلات المستوردة التي ستظل المصانع بحاجة إليها.
ومن ناحية أخرى، يمكن لتنويع الصادرات باتجاه المنتجات الهندسية والتكنولوجية والصناعات التحويلية أن يوسع مصادر الإيرادات الخارجية، إلى جانب القطاعات الخدمية مثل السياحة وقناة السويس، التي تتأثر بدرجات متفاوتة بالتطورات الجيوسياسية.
ويحتاج تحقيق هذه الأهداف إلى بيئة استثمارية مستقرة، وإجراءات واضحة لتأسيس المشروعات وتشغيلها، وتوافر العمالة المدربة، إلى جانب تطوير الخدمات اللوجستية وتيسير النفاذ إلى الأسواق المستهدفة.
الأرقام وحدها لا تكفي.. التنفيذ هو معيار النجاح
توفر الاتفاقيات الآسيوية الـ20، إلى جانب تطوير البنية التحتية للمطارات والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إطارًا لتعزيز التعاون الاستثماري والصناعي بين مصر وشركائها في شرق آسيا.
لكن الحكم على نجاح هذا التوجه يتطلب متابعة مؤشرات أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الحقيقي، تشمل حجم الاستثمارات التي دخلت مرحلة التنفيذ، وعدد المصانع التي بدأت الإنتاج، وقيمة الصادرات الناتجة عنها، ونسبة المكون المحلي، وعدد فرص العمل التي أُتيحت، وحجم التكنولوجيا التي انتقلت إلى الشركات والكوادر المصرية.
كما تبرز أهمية قياس أثر المشروعات الجديدة على الميزان التجاري، من خلال مقارنة قيمة الواردات التي جرى إحلال منتجات محلية محلها، بقيمة المدخلات التي لا تزال مستوردة، إلى جانب قياس الزيادة الفعلية في الصادرات.
وفي المحصلة، فإن الرهان المصري على الشراكات الآسيوية لا يتعلق فقط بجذب رؤوس الأموال، بل ببناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة. ويظل تحويل الاتفاقيات إلى استثمارات منفذة وصادرات متنامية هو المعيار الأساسي لقياس مدى نجاح الانتقال من الاعتماد على الأنشطة الخدمية إلى اقتصاد يمنح التصنيع والقيمة المضافة دورًا أكبر في النمو.





