من سول إلى كوالالمبور.. حكاية الأغاني المصرية في جولة السيسي
لم تكن الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي مجرد سلسلة من اللقاءات السياسية والاقتصادية، بل حملت مشاهد لافتة تجاوزت حدود البروتوكول الرسمي، بعدما حضرت الأغنية المصرية في لحظات الترحيب بالرئيس، لتمنح الزيارة بعدا ثقافيا وإنسانيا، وتعيد تسليط الضوء على قدرة الفن المصري على الوصول إلى جماهير مختلفة حول العالم.
وخلال الجولة التي امتدت من 6 إلى 11 أكتوبر 2026، وشملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، برزت الموسيقى المصرية بوصفها إحدى أدوات التواصل الثقافي، في مشهد عكس كيف يمكن للأغنية أن تصنع مساحة مشتركة بين الشعوب، حتى مع اختلاف اللغات والثقافات.
"فيها حاجة حلوة".. أغنية مصرية بأصوات كورية
في العاصمة الكورية الجنوبية سول، خطف كورال من الأطفال الأنظار خلال استقبال الرئيس السيسي، بعدما قدم أغنية "فيها حاجة حلوة" باللغة العربية، في لفتة فنية حملت طابعا مصريا داخل مراسم رسمية جمعت الرئيس المصري ونظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ.
ولم يكن اختيار الأغنية مجرد تفصيل عابر في مراسم الاستقبال، إذ تحمل الأغنية ارتباطا وجدانيا بصورة مصر وجمالها، ما منح المشهد دلالة ثقافية تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، ويعكس اهتماما بتقديم رسالة ترحيب بلغة فنية مألوفة لدى المصريين.
وأثار المشهد تفاعلا واسعا بين متابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما شاهدوا أطفالا كوريين يؤدون كلمات أغنية مصرية، في صورة تعكس قدرة الموسيقى على تجاوز الحواجز اللغوية، وتمنح اللقاءات الرسمية جانبا إنسانيا أكثر قربا من الجمهور.
"تملي معاك".. عمرو دياب حاضر في المشهد الماليزي
وفي ماليزيا، حضرت الأغنية المصرية مجددا، لكن هذه المرة من خلال اختيار رئيس الوزراء أنور إبراهيم أغنية "تملي معاك" للنجم عمرو دياب، لترافق صورا نشرها عبر حسابه الرسمي على "إنستجرام" خلال استقبال الرئيس السيسي في كوالالمبور.
وأعاد هذا الاختيار الأغنية الشهيرة إلى دائرة الاهتمام، بعدما تحولت إلى عنصر بارز في التفاعل مع الزيارة، مستفيدة من انتشارها الواسع وشهرتها التي تجاوزت العالم العربي منذ صدورها عام 2000.
وتكشف هذه اللفتة عن جانب مختلف من توظيف الفن في التواصل الدبلوماسي؛ فبدلا من الاكتفاء بالرسائل الرسمية والصور البروتوكولية، يمكن لاختيار أغنية معروفة أن يضيف لمسة شخصية إلى المشهد، ويمنحه مساحة أوسع للتداول والتفاعل على المنصات الرقمية.
القوة الناعمة.. نفوذ يتجاوز السياسة والاقتصاد
تعرف القوة الناعمة بأنها قدرة الدول على التأثير في الآخرين من خلال الثقافة والفنون والقيم والصورة الذهنية، بدلا من الاعتماد على أدوات الضغط السياسي أو القوة الاقتصادية والعسكرية.
وفي هذا السياق، تمثل الأغنية المصرية أحد المكونات المهمة للحضور الثقافي المصري، إلى جانب السينما والدراما واللغة العربية والتراث الحضاري، فالأعمال الفنية التي تحظى بالانتشار خارج حدود الدولة تستطيع بناء روابط وجدانية مع جماهير أخرى، وتقديم صورة عن المجتمع وثقافته بطريقة تختلف عن الخطاب السياسي المباشر.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل المنافسة الدولية على توسيع الحضور الثقافي والإعلامي، إذ لم تعد الدبلوماسية مقتصرة على الاتفاقيات والقمم، بل أصبحت الصورة والمحتوى الفني والتفاعل الرقمي عناصر مؤثرة في تشكيل الانطباعات العامة عن الدول والشعوب.
من مراسم الاستقبال إلى التفاعل الشعبي
أبرزت المشاهد المصاحبة للجولة الآسيوية أهمية الجمع بين الدبلوماسية الرسمية والبعد الثقافي، إذ شهدت الزيارة إلى كوريا الجنوبية مراسم استقبال رسمية تضمنت أداء كورال للأطفال، فيما أضفى استخدام أغنية "تملي معاك" في المنشور الماليزي طابعا مختلفا على صور الاستقبال.
وفي إندونيسيا، رافقت زيارة الرئيس السيسي أيضا مظاهر ترحيب ثقافية، من بينها تقديم رقصة "لينجانج نجارون" خلال استقباله في جاكرتا، وفقا لما أعلنته الجهات الإندونيسية الرسمية.
وتوضح هذه المشاهد أن الثقافة يمكن أن تمنح الزيارات الرسمية طابعا أكثر قربا من الناس، وتفتح المجال أمام تفاعل يتجاوز البيانات واللقاءات المغلقة، خاصة عندما تنتقل الصور ومقاطع الفيديو إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لتصبح جزءا من النقاش العام حول العلاقات بين الدول.
الفن المصري.. رصيد ثقافي قابل للتجدد
لا تتوقف دلالة هذه المشاهد عند الأغنيتين اللتين رافقتا استقبال الرئيس السيسي، بل تمتد إلى التساؤل بشأن كيفية استثمار الرصيد الفني المصري في تعزيز الحضور الدولي للبلاد.
فانتشار الأغاني المصرية، واستمرار تداول أعمال فنية قديمة نسبيا بين أجيال مختلفة، يمنح مصر فرصة لتقديم ثقافتها إلى جماهير جديدة، لا سيما إذا اقترن ذلك بمبادرات للتبادل الفني، ومشاركة الفنانين في الفعاليات الدولية، وتوسيع توزيع المحتوى المصري بلغات متعددة.
لكن تحويل هذه اللحظات اللافتة إلى تأثير ثقافي مستدام يتطلب أكثر من مشاهد الترحيب العابرة؛ فهو يحتاج إلى استراتيجية ثقافية متواصلة، تدعم الإنتاج الفني، وتعزز الترجمة والتوزيع الدولي، وتربط الانتشار الجماهيري ببرامج تعاون ثقافي طويلة الأمد.
وفي المحصلة، كشفت الجولة الآسيوية عن وجه آخر للدبلوماسية، كانت فيه الموسيقى لغة إضافية للتواصل بين الشعوب، فمن "فيها حاجة حلوة" بأصوات الأطفال الكوريين إلى "تملي معاك" في المنشور الماليزي، حضرت الأغنية المصرية خارج حدودها الجغرافية، لتؤكد أن الفن قد يفتح أبوابا للتقارب لا تستطيع الكلمات الرسمية وحدها فتحها.





