سعد الدين الشاذلي.. كيف خطط مهندس العبور لتحطيم خط بارليف؟
استعرضت قناة الوثائقية خلال تقرير وثائقي، مسيرة الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر 1973، مسلطة الضوء على دوره في التخطيط للمعركة، وإسهاماته في بناء وتطوير القوات الخاصة والمظلات، إلى جانب محطات بارزة من حياته العسكرية والدبلوماسية والفكرية.
وتناول التقرير ملامح شخصية الشاذلي، الذي عُرف بالدقة والانضباط والقدرة على التخطيط، موضحا كيف انعكست نشأته وتكوينه العسكري وخبراته الميدانية على أسلوبه في إدارة العمليات، وصولا إلى دوره المحوري في إعداد وتنفيذ خطة العبور التي مهدت الطريق أمام القوات المسلحة المصرية لاجتياز قناة السويس وتحطيم خط بارليف.
النشأة والبدايات العسكرية
وُلد سعد الدين محمد الحسيني الشاذلي في الأول من أبريل عام 1922، بقرية شبراتنا بمحافظة الغربية، ونشأ في بيئة ريفية غرست فيه قيم الانضباط والالتزام. وانتقل إلى القاهرة لاستكمال تعليمه، ثم التحق بالكلية الحربية في فبراير 1939، وهو في سن صغيرة، وتخرج في يوليو 1940 برتبة ملازم في سلاح المشاة.
وأشار التقرير إلى أن الشاذلي أظهر منذ سنواته الأولى ميلا واضحا إلى التنظيم والتخطيط الدقيق، وهي سمات لازمته طوال مسيرته العسكرية.
كما شارك في حرب فلسطين عام 1948، التي شكلت إحدى المحطات المؤثرة في تكوينه العسكري، وأسهمت في ترسيخ قناعاته بشأن طبيعة المواجهة مع القوات الإسرائيلية وأهمية الاستعداد الجيد للمعارك.
مؤسس سلاح المظلات وتطوير القوات الخاصة
وعقب ثورة يوليو 1952، سافر الشاذلي إلى الولايات المتحدة عام 1953 للتدريب على مهام المظلات، ثم عاد إلى مصر وأسهم في تأسيس وتطوير قوات المظلات، كما عمل على تعزيز التعاون بينها وبين قوات الصاعقة والأسلحة الأخرى.
وتطرق التقرير إلى مشاركته في العدوان الثلاثي عام 1956، وما اكتسبه من خبرات خلال تلك المرحلة، قبل أن يواصل دراسته العسكرية في الاتحاد السوفيتي عام 1958، ويطلع خلال عمله ملحقا عسكريا في لندن على أساليب التسليح والتكتيكات الغربية، بما ساعده على الجمع بين الخبرات العسكرية الشرقية والغربية.




كما تولى قيادة الكتيبة المصرية المشاركة في أولى مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الكونغو عام 1960، وشارك لاحقا في حرب اليمن، حيث تعرف على تحديات حروب العصابات وصعوبات العمليات في البيئات المختلفة.
خبرات ميدانية خلال حرب الاستنزاف
وأوضح التقرير أن الشاذلي تولى بعد عودته من اليمن رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة، مع اهتمام واضح بالتخطيط والتدريب وإعداد القوات للقتال. وبعد حرب يونيو 1967، برزت قدراته في إدارة التحركات العسكرية، بعدما تمكن من الانسحاب بقواته من سيناء إلى غرب قناة السويس بخسائر محدودة، في عملية وصفها التقرير بأنها نموذج للانضباط وحسن تقدير الموقف.
وخلال حرب الاستنزاف، تولى قيادة القوات الخاصة، ثم المنطقة العسكرية للبحر الأحمر، وأسهم في إعداد وتنفيذ عمليات عسكرية ضد القوات الإسرائيلية.
كما أشار التقرير إلى دوره في تعزيز الدفاع عن المواقع المصرية، والتعامل مع محاولات إسرائيل احتلال جزيرة شدوان، في مرحلة شهدت جهودا متواصلة لإعادة بناء القوات المسلحة ورفع كفاءتها القتالية.
«المآذن العالية» وخطة العبور
وفي مايو 1971، اختار الرئيس الراحل محمد أنور السادات الفريق سعد الدين الشاذلي رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة، ليبدأ مرحلة حاسمة في الإعداد لحرب أكتوبر.
واستعرض التقرير دوره في إعداد الخطة الهجومية المعروفة باسم «المآذن العالية»، التي أصبحت أساسا للعملية التي عُرفت لاحقا باسم «بدر».
وركز "الشاذلي"، وفقا لما عرضه التقرير، على وضع خطة واقعية تتناسب مع قدرات القوات المصرية وإمكاناتها، مع دراسة التحديات التي يمكن أن تواجه عملية العبور، بدءا من اجتياز قناة السويس، وفتح الثغرات في الساتر الترابي، وصولا إلى إقامة رؤوس الكباري على الضفة الشرقية.
كما تناول التقرير التوجيهات التفصيلية التي أعدت لتحديد مهام الجنود والضباط، وتنظيم المعدات والأحمال والأسلحة، وآليات اقتحام خط بارليف.
وأبرز أهمية التدريب الدقيق والتوجيه المعنوي في إعداد المقاتلين، مشيرا إلى أن التخطيط شمل تفاصيل العمليات وتوقيتاتها، بما أتاح للقوات تنفيذ مهامها بدرجة كبيرة من التنظيم.

حرب أكتوبر.. التخطيط الدقيق وتحقيق العبور
وفي السادس من أكتوبر 1973، تابع الفريق سعد الدين الشاذلي سير العمليات من مركز القيادة رقم 10، حيث أدار المعركة وتابع تنفيذ الخطة لحظة بلحظة. وأوضح التقرير أن القوات المصرية نجحت في عبور قناة السويس، واقتحام خط بارليف، وإقامة رؤوس جسور على الضفة الشرقية، في إنجاز عسكري أعاد الثقة إلى القوات المسلحة المصرية.
ونقل التقرير عن عدد من المتحدثين إشادتهم بقدرة الشاذلي على إدارة المعركة بعقلية تخطيطية دقيقة، وبفهمه لطبيعة العدو ونقاط قوته وضعفه، والعمل على الحد من قدرته على استخدام التفوق الجوي والمناورة ضد القوات المصرية.
كما تطرق إلى الخلاف في وجهات النظر العسكرية بشأن تطوير الهجوم شرقا في 14 أكتوبر، موضحا أن الشاذلي أبدى تحفظات تتعلق بالحفاظ على توازن القوات وعدم التقدم خارج مظلة الدفاع الجوي. وقدم التقرير هذا الخلاف باعتباره اختلافا في التقدير العسكري بين قيادات تسعى إلى تحقيق الهدف الوطني، مع اختلاف رؤيتها للوسائل الأنسب لتنفيذه.
من العمل الدبلوماسي إلى الفكر الاستراتيجي
وبعد حرب أكتوبر، غادر الشاذلي موقعه العسكري في ديسمبر 1973، وانتقل إلى العمل الدبلوماسي، حيث تولى مهام سفير مصر في الخارج، من بينها سفارة مصر في البرتغال خلال الفترة من 1975 إلى 1978. وأشار التقرير إلى اهتمامه بتعزيز الحضور الثقافي المصري، فضلا عن إجادته اللغات وحرصه على القراءة ومتابعة الشؤون السياسية والفكرية.
كما سلط الضوء على إسهاماته في الكتابة والتفكير الاستراتيجي، إذ نقل خبراته العسكرية إلى مؤلفات تناولت الحروب والتخطيط وأساليب إدارة المعارك، ليصبح أحد الأسماء البارزة في مجال الفكر العسكري العربي.
ورحل الفريق سعد الدين الشاذلي في 10 فبراير 2011، بعد مسيرة امتدت لعقود من العمل العسكري والدبلوماسي والفكري. واختتم التقرير بالتأكيد على مكانته بين أبرز قادة حرب أكتوبر، ودوره في تاريخ العسكرية المصرية، باعتباره أحد القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بالتخطيط للعبور وتحقيق النصر.





