فاز بنوبل.. ثم ذهب ليُعد سندوتشات المدرسة لأطفاله! قصة عالم هزّ أسرارالدماغ
لم يكن صباح الخامس من أكتوبر 2026 عاديًا في منزل عالم الأعصاب والطبيب النفسي الأمريكي كارل ديزيروث، ففي الوقت الذي كان فيه العالم يستعد للاحتفاء به بعد إعلان فوزه بجائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب، كان العالم الشهير أمام مهمة أسرية أكثر بساطة: إعداد سندوتشات أطفاله للذهاب إلى المدرسة.
ديزيروث، أستاذ الهندسة الحيوية والطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة ستانفورد، تقاسم جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب لعام 2026 مع العالمين الألمانيين بيتر هِجمان وجورج ناجل، تقديرًا لاكتشافاتهم التي قادت إلى تطوير تقنية «علم البصريات الوراثي» أو Optogenetics، وهي واحدة من أكثر التقنيات تأثيرًا في دراسة عمل الدماغ والخلايا العصبية.
فقد القدرة على النطق

لكن قصة ديزيروث في صباح نوبل لم تكن مجرد قصة عالم تلقى اتصالًا تاريخيًا من ستوكهولم، وإنما كانت أيضًا صورة إنسانية لرجل ظل يعيش تفاصيل حياته اليومية وسط لحظة استثنائية.
ووفقًا لجامعة ستانفورد، تلقى ديزيروث اتصال لجنة نوبل في الساعة 12:27 بعد منتصف الليل بتوقيت المحيط الهادئ، لكنه لم يرد على الاتصال الأول، قبل أن تتلقى زوجته، الطبيبة والعالمة ميشيل مونجي- ديزيروث، الاتصال التالي وتسألها الجهة المتصلة: «هل يمكننا التحدث مع كارل؟».
إعداد الساندوتشات
وقال ديزيروث إنه فوجئ بشدة عندما علم بفوزه، وإنه فقد القدرة على تكوين الكلمات لمدة نحو 30 ثانية من شدة المفاجأة والتأثر. وبعد المكالمات الأولى والتغطية الإعلامية، استمر صباحه في إطار الحياة العائلية المعتادة، إذ كان عليه إعداد وجبات أطفاله قبل ذهابهم إلى المدرسة. وتوثق تقارير عن صباحه الأول بعد الفوز أنه أعد ستة سندوتشات لأطفاله الثلاثة الأصغر الموجودين في المنزل.
وتكشف هذه التفاصيل الصغيرة جانبًا مختلفًا من شخصية العالم الذي أصبح بين ليلة وضحاها واحدًا من أشهر علماء الأعصاب في العالم؛ فبينما كان اسمه يتصدر الأخبار باعتباره أحد الفائزين بأرفع جائزة علمية، كان لا يزال أبًا لديه أطفال ينتظرون وجباتهم المدرسية.
من بوسطن إلى ستانفورد
وُلد كارل ديزيروث في مدينة بوسطن الأمريكية في 18 نوفمبر 1971. ونشأ في أسرة علمية؛ فوالده كان طبيبًا وأستاذًا، بينما كانت والدته متخصصة في الكيمياء وتعمل مدرسة للكيمياء. وعلى الرغم من المسار العلمي الذي اتخذه لاحقًا، فإن الكتابة والأدب كانا من اهتماماته المبكرة، وقال في حديث سابق إن «حبه الأول كان الكتابة».
التحق ديزيروث بجامعة هارفارد، وحصل عام 1992 على درجة البكالوريوس في العلوم البيوكيميائية بتقدير Summa Cum Laude، قبل أن ينتقل إلى جامعة ستانفورد لدراسة الطب والعلوم العصبية.
وحصل على درجة الدكتوراه في علم الأعصاب عام 1998، ثم درجة الطب عام 2000 من كلية الطب بجامعة ستانفورد، قبل أن يكمل تدريبه الطبي وتخصصه في الطب النفسي. وفي عام 2006 حصل على اعتماد المجلس الأمريكي للطب النفسي وعلم الأعصاب.
ولم يكتف ديزيروث بالعمل الأكاديمي والبحثي، بل ظل طبيبًا نفسيًا ممارسًا في ستانفورد، مع اهتمام خاص بالاضطرابات الوجدانية واضطرابات طيف التوحد.
كيف أصبح الضوء قادرًا على التحكم في خلايا المخ؟
الإنجاز الذي قاده إلى نوبل يرتبط بتقنية تبدو للوهلة الأولى أشبه بالخيال العلمي، لكنها أصبحت أداة أساسية في مختبرات علم الأعصاب حول العالم.
تعتمد تقنية «الأوبتوجينيتيكس» على استخدام بروتينات حساسة للضوء تُعرف باسم Opsins، وهي بروتينات اكتُشفت أصلًا في الكائنات الدقيقة، ثم تمكن العلماء من إدخال جيناتها إلى خلايا عصبية محددة، بحيث تصبح هذه الخلايا قابلة للتحكم باستخدام الضوء.
وهنا جاءت مساهمة ديزيروث الحاسمة؛ إذ طور طرقًا لإدخال هذه البروتينات الحساسة للضوء إلى خلايا عصبية في أدمغة الثدييات، بما يسمح للباحثين بتشغيل نشاط خلايا عصبية محددة أو تثبيطه بدقة كبيرة باستخدام نبضات ضوئية.
وفي عام 2004 بدأ ديزيروث، بالتعاون مع اثنين من طلاب الدراسات العليا، العمل على هذا المشروع. ونُشرت إحدى الدراسات الأساسية التي أثبتت إمكانية التحكم في الخلايا العصبية باستخدام الضوء في مجلة Nature Neuroscience عام 2005. كما طور فريقه أليافًا ضوئية رفيعة ومرنة يمكن إدخالها إلى أدمغة حيوانات التجارب لتوصيل الضوء مباشرة إلى دوائر عصبية محددة.
لماذا كانت التقنية ثورية؟

قبل ظهور علم البصريات الوراثي، كان العلماء يعتمدون بدرجة كبيرة على التحفيز الكهربائي أو العقاقير لدراسة نشاط الدماغ.
لكن التحفيز الكهربائي قد يؤثر في خلايا ودوائر عصبية مجاورة، بينما تنتشر الأدوية في مناطق مختلفة من الدماغ، ما يجعل من الصعب تحديد الخلية أو الدائرة العصبية المسؤولة تحديدًا عن سلوك أو إحساس معين.
أما تقنية ديزيروث، فأعطت العلماء قدرة أكثر دقة على اختبار العلاقة بين خلية عصبية بعينها وسلوك أو وظيفة محددة.
بعبارة أبسط: بدلًا من مراقبة الدماغ ومحاولة تخمين أي الخلايا مسؤولة عن الخوف أو الحركة أو التفاعل الاجتماعي أو غيرها من الوظائف، أصبح بإمكان الباحثين استهداف مجموعات محددة من الخلايا، ثم تشغيلها أو إيقاف نشاطها بالضوء ومراقبة النتيجة.
وهذا سمح للعلماء بدراسة العلاقة السببية بين دوائر عصبية محددة وبين السلوك والمشاعر والوظائف المختلفة. وتصف ستانفورد هذه القدرة على إحداث «تغيير سببي دقيق» بأنها مبدأ أساسي في تقنية الأوبتوجينيتيكس.
من فهم الدماغ إلى دراسة الأمراض
لم تتوقف تطبيقات التقنية عند فهم كيفية عمل المخ بصورة عامة؛ فقد استخدم ديزيروث وفريقه علم البصريات الوراثي لدراسة دوائر عصبية مرتبطة بعدد من الاضطرابات، من بينها الاكتئاب ومرض باركنسون.
وفي أبحاث على الفئران، تمكن الباحثون من تحديد دوائر عصبية مرتبطة بأعراض مرض باركنسون، كما استخدموا التقنية لدراسة دوائر مرتبطة بالسلوك الاجتماعي وأعراض الاكتئاب.
ولا تعني هذه النتائج أن التقنية أصبحت علاجًا عامًا لأمراض الدماغ لدى البشر؛ فهي في الأساس أداة بحثية قوية، لكن العلماء يرون أن فهم الدوائر العصبية بدقة يمكن أن يفتح الطريق أمام تطوير علاجات أكثر استهدافًا في المستقبل. وقد أشار ديزيروث نفسه إلى أن التقنية بدأت تفتح إمكانات سريرية، إلى جانب دورها الأساسي في البحث العلمي.
ثلاثة علماء صنعوا ثورة في فهم الدماغ
جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب لعام 2026 لم تذهب إلى ديزيروث وحده. فقد تقاسمها مع الألمانيين بيتر هِجمان من جامعة هومبولت في برلين وجورج ناجل من جامعة فورتسبورغ.
وتعود أهمية عمل هِجمان وناجل إلى اكتشافهما بروتينات حساسة للضوء، من بينها قنوات «Channelrhodopsin»، وهي الاكتشافات التي وفرت الأساس الذي سمح لاحقًا بتطوير علم البصريات الوراثي كأداة للتحكم في النشاط العصبي. أما ديزيروث فكان من أبرز العلماء الذين نقلوا الفكرة إلى خلايا عصبية في أدمغة الثدييات وطوروها إلى تقنية قوية لدراسة دوائر الدماغ.
ولهذا رأت لجنة نوبل أن الجائزة تكرّم سلسلة كاملة من الاكتشافات، بدأت من دراسة بروتينات حساسة للضوء في كائنات بسيطة، وانتهت إلى أداة متقدمة تسمح للعلماء بدراسة نشاط الخلايا العصبية داخل الدماغ الحي.
«العودة إلى العمل» بعد نوبل
ربما تكون أكثر الجمل تعبيرًا عن شخصية ديزيروث بعد فوزه بالجائزة هي إجابته عندما سُئل عما سيفعله بعد الاحتفال، كانت إجابته، باختصار: العودة إلى العمل.
فالاحتفال بنوبل لم ينهِ بالنسبة إليه الأسئلة العلمية، ولم يقلل من شعوره بوجود المزيد لاكتشافه والمزيد من المرضى الذين يأمل أن تساعد أبحاثه في علاجهم.
وهكذا، في صباح أصبح فيه كارل ديزيروث رسميًا أحد الحاصلين على جائزة نوبل، لم يبدأ يومه في قاعة احتفالات أو أمام منصة لتلقي التكريم، بل في منزله، بين زوجته وأطفاله، يعد لهم سندوتشات المدرسة.
مشهد بسيط ربما يلخص جانبًا مهمًا من قصة العالم: الرجل الذي أصبح قادرًا على استخدام الضوء للتحكم في نشاط خلايا المخ، ظل في صباح نوبل أبًا لديه أطفال ينتظرون سندوتشاتهم.





