الصحف الصينية والدولية ترصد أبعاد زيارة شي لمصر.. القاهرة في قلب التنافس
حظيت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر باهتمام واسع في وسائل الإعلام الصينية والدولية، التي تناولت الزيارة من زوايا سياسية واقتصادية وجيوسياسية متعددة، في ظل التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتصاعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة.
وركزت تقارير وتحليلات منشورة في صحف ومؤسسات إعلامية صينية، إلى جانب قراءات خبراء نقلتها وكالات أنباء وصحف دولية، على الأهمية الاستراتيجية لمصر بالنسبة إلى بكين، باعتبارها دولة محورية في العالم العربي وإفريقيا، وتتمتع بموقع استراتيجي على قناة السويس، فضلًا عن علاقاتها المتوازنة مع القوى الدولية.
رويترز: مصر تتحرك نحو استقلال استراتيجي أكبر

وفي تقرير نشرته وكالة رويترز في الأول من سبتمبر 2026، قال إتش. إيه. هيلير، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني، إن مصر تتحرك نحو قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، موضحًا أن القاهرة لا تسعى إلى استبدال واشنطن ببكين، وإنما تريد الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا في الوقت نفسه.
ونقلت رويترز عن إريك أولاندر، المؤسس المشارك لمشروع الصين والجنوب العالمي، قوله إن مصر كانت "اختيارًا بديهيًا" للرئيس الصيني، نظرًا لموقعها الذي تتقاطع عنده ملفات إسرائيل وفلسطين وإفريقيا والخليج وقناة السويس.
معهد واشنطن: اختيار القاهرة محسوب بعناية
وفي تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في الأول من سبتمبر، بعنوان "زيارة شي إلى مصر المحسوبة بعناية"، رأى جرانت روملي وشيفان أناند أن اختيار مصر ضمن جولة الرئيس الصيني لم يكن عشوائيًا، وإنما جاء نتيجة حسابات استراتيجية دقيقة.
وأوضح التحليل أن بكين تريد توسيع دورها في الشرق الأوسط، خصوصًا بعد الحرب مع إيران، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في الدخول في تحالف عسكري أو مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
ويرى الباحثان أن مصر تحقق للصين هذه المعادلة؛ فهي دولة عربية وإفريقية محورية، وتتحكم في قناة السويس، ولديها علاقات عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة، بينما تسعى القاهرة في الوقت نفسه إلى تنويع علاقاتها الدولية.
وأشار التحليل إلى أن المنافسة الصينية الأمريكية داخل مصر قد تنتقل بصورة متزايدة إلى مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والبنية الرقمية والاتصالات والتكنولوجيا العسكرية، لافتًا إلى اهتمام شركة هواوي بمراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر، في مقابل دراسة الإدارة الأمريكية تقديم عرض منافس.
وكالة الأناضول: مصر لا تريد استبدال واشنطن ببكين
وفي تحليل نشرته وكالة الأناضول في الثاني من سبتمبر، وصف ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، زيارة شي إلى مصر بأنها "مهمة للغاية" من الناحية الرمزية.
وقال فابياني إن مصر تتبع منذ سنوات سياسة تهدف إلى تنويع علاقاتها الخارجية وتقليل الوزن النسبي للولايات المتحدة وأوروبا، مع اعتبار الصين عنصرًا أساسيًا في هذا التوجه.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن القاهرة تدرك الخطوط الحمراء الأمريكية، ولن ترغب في تحويل علاقتها مع الصين إلى تحالف عسكري يهدد علاقتها بواشنطن.
وفي التقرير نفسه، قدم المحلل السياسي والاقتصادي المقيم في بكين إينار تانجن رؤية تركز على الجانب الاقتصادي، معتبرًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من نموذج "الصين تبني لمصر" إلى نموذج "الصين تبني مع مصر".
وبحسب تانجن، يعني ذلك إقامة شراكات تجمع رأس المال والتكنولوجيا وسلاسل التوريد الصينية مع العمالة والمصانع والموقع المصري، بما يسمح بتحويل مصر إلى قاعدة صناعية ولوجستية للتصدير إلى إفريقيا وأوروبا والعالم العربي.
ساوث تشاينا مورنينج بوست: شراكة صينية مع قوة عربية وإفريقية
وفي تقرير نشرته صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست في 31 أغسطس، قال جون كالابريس، الباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن والمتخصص في العلاقات الصينية الشرق أوسطية، إن زيارة شي تمنح بكين فرصة لعرض "شراكة غير غربية ودائمة" مع دولة عربية وإفريقية كبرى وإحدى دول الجنوب العالمي.
وفي المقابل، تستطيع مصر، وفق هذه القراءة، التأكيد على أنها ليست أداة للولايات المتحدة أو الغرب، وأنها قادرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية.
ذا ناشيونال: الحرب مع إيران تفتح مساحة أمام الصين
وفي تحليل نشرته صحيفة "ذا ناشيونال" في الأول من سبتمبر، قال المحلل السياسي المصري عبد الله ناصف إن انشغال الولايات المتحدة بالحرب الإيرانية وتراجع وجودها الإقليمي يفتح "مساحة استراتيجية" أمام الصين.
واعتبر ناصف أن زيارة شي تمنح بكين فرصة لتقديم نفسها للدول العربية باعتبارها قوة عالمية "عقلانية"، تعتمد بدرجة أكبر على الاستثمار والتنمية بدلًا من التدخل العسكري.
وفي الصحيفة نفسها، قالت نادية حلمي، أستاذة العلوم السياسية والباحثة الزائرة في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند، إن بكين تستغل المرحلة الحالية لتدعيم موقعها في مواجهة النفوذ الأمريكي.
وترى حلمي أن مصر تمثل بالنسبة إلى الصين ممرًا أساسيًا لمبادرة الحزام والطريق عبر قناة السويس، إلى جانب إمكانية قيام البلدين بدور مشترك في قضايا الجنوب العالمي ومجموعة بريكس.
أسوشيتد برس: مصر قاعدة للوصول إلى العالم العربي والإفريقي
وفي تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس في الثاني من سبتمبر، قال محمد ذو الفقار رحمت، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمركز دراسات الاقتصاد والقانون في جاكرتا، إن شي جين بينج ينظر إلى مصر باعتبارها "قاعدة للوصول إلى العالمين العربي والإفريقي".
وأشار رحمت إلى أهمية قناة السويس بالنسبة إلى الصين، خصوصًا في ظل الاضطرابات التي تشهدها طرق الطاقة والتجارة.
جلوبال تايمز: ثلاثة تحولات وراء زيارة شي
أما صحيفة جلوبال تايمز الصينية، ففي تقرير نشرته في الثاني من سبتمبر، نقلت عن ليو شينلو، نائب رئيس جامعة الدراسات الأجنبية في بكين والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، قوله إن زيارة شي إلى مصر تأتي عند تقاطع ثلاثة تحولات رئيسية، هي الذكرى السبعون للعلاقات المصرية الصينية، وتصاعد قوة الجنوب العالمي، والأزمات المتشابكة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
وتوقع ليو أن تشهد العلاقات بين البلدين توسعًا في مجالات جديدة، إلى جانب زيادة الربط بين استراتيجيات التنمية المصرية والصينية.
وفي التقرير نفسه، قدم لي ويجيان، نائب رئيس الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، قراءة جيوسياسية للزيارة، قائلًا إن دول الشرق الأوسط كانت قبل عشر سنوات تعلق آمالًا أكبر على الولايات المتحدة، بينما يرى أن النفوذ الأمريكي يشهد تراجعًا حاليًا.
وأضاف أن مصر يمكن أن تكون "ركيزة" إلى جانب الصين لإظهار أن التنمية والسلام، وليس الصراع، هما الطريق لمعالجة أزمات المنطقة.
تشاينا ديلي: الانتقال إلى "صناعة المستقبل"

وفي مقابلة نشرتها صحيفة تشاينا ديلي الصينية، قال عصام شرف، رئيس الوزراء المصري الأسبق، إن زيارة شي تمثل "لحظة فارقة" في العلاقات المصرية الصينية.
ودعا شرف إلى انتقال العلاقات بين البلدين إلى مرحلة "صناعة المستقبل"، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة الجديدة والتصنيع المتقدم والبحث العلمي والتعليم.
السيسي وشي.. الرسائل السياسية تتجاوز الاقتصاد
وعلى المستوى الرسمي، كتب الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبيل الزيارة، في صحيفة الأهرام، أن مصر والصين أصبحتا شريكين يسهمان معًا في تعزيز دور الجنوب العالمي في النظام الدولي.
أما الرئيس الصيني شي جين بينج، فوصف مصر والصين بأنهما من الأعضاء المهمين في الجنوب العالمي، ودعا إلى "تعددية حقيقية" والدفاع عن العدالة الدولية ومصالح الدول النامية، مؤكدًا أن زيارته تستهدف رسم مخطط جديد للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.
كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جيا كون إن العلاقات المصرية الصينية أصبحت "في أفضل مراحلها في التاريخ"، مشيرًا إلى أن زيارة شي، وهي الأولى له إلى مصر منذ عشر سنوات، تستهدف البناء على ما تحقق ورسم اتجاه العلاقات بين البلدين في المستقبل.
القاهرة نقطة التقاء المصالح الصينية والأمريكية
وتظهر من مجمل ما نشرته رويترز، وأسوشيتد برس، وساوث تشاينا مورنينج بوست، وذا ناشيونال، وجلوبال تايمز، إلى جانب تحليلات معهد واشنطن ومجموعة الأزمات الدولية ومعهد الشرق الأوسط، قراءة مشتركة إلى حد كبير مفادها أن زيارة شي إلى القاهرة تتجاوز الاحتفال بمرور 70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية.
وتضع هذه التحليلات مصر في قلب التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، باعتبارها دولة تسعى إلى تنويع شراكاتها الدولية دون التخلي عن علاقتها بالولايات المتحدة، بينما تراها الصين بوابة استراتيجية إلى إفريقيا والعالم العربي وأوروبا، فضلًا عن أهميتها بالنسبة إلى قناة السويس.
كما تشير هذه القراءات إلى أن المنافسة بين بكين وواشنطن داخل مصر قد تتوسع من مشروعات البنية التحتية إلى التصنيع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية الرقمية، بما يجعل زيارة شي إلى القاهرة محطة مهمة في مسار إعادة تشكيل العلاقات الدولية وتوازنات القوى في المنطقة.





