رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

70 عاماً من العلاقات..زيارة شي جين بينج لمصر تفتح فصلاً جديداً في العلاقات

السيسي والرئيس الصيني
السيسي والرئيس الصيني

 تستعد القاهرة غدا لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينج في زيارة دولة تكتسب أهمية سياسية واقتصادية خاصة، باعتبارها أول زيارة له إلى مصر منذ عام 2016، وتأتي في عام تحتفل فيه القاهرة وبكين بمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في محطة تاريخية تعكس مساراً طويلاً من التعاون انتقل خلاله البلدان من علاقات الصداقة والتعاون إلى شراكة استراتيجية شاملة.

وتؤكد وزارة الخارجية الصينية أن زيارة شي جين بينج لمصر تأتي ضمن جولة بدأت في 30 أغسطس وتستمر حتى 3 سبتمبر، وتشمل مشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بيشكيك، إلى جانب زيارة دولة إلى مصر بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي. ومن المنتظر أن يجري الرئيس الصيني مباحثات مع نظيره المصري بشأن تعزيز العلاقات الثنائية، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. 

 70 عاماً من العلاقات.. مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات مع الصين

تحمل الزيارة رمزية تاريخية لافتة، إذ تعود العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر والصين إلى 30 مايو 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

وخلال العقود السبعة الماضية، تطورت العلاقات بين البلدين بصورة تدريجية، وصولاً إلى رفعها عام 2014 إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي توسعت لتشمل السياسة والاقتصاد والاستثمار والطاقة والنقل والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة والدفاع والأمن.

وتؤكد الهيئة العامة للاستعلامات المصرية أن العلاقات المصرية الصينية أصبحت من أكثر الشراكات شمولاً بالنسبة للصين مع دولة عربية أو أفريقية، فيما يمثل الموقع الجغرافي لمصر وقناة السويس وموانئها وسوقها المحلية عوامل رئيسية في أهمية مصر بالنسبة لبكين. 

 زيارة شي بعد عقد من آخر حضور في القاهرة

تكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي بعد نحو عشر سنوات من آخر زيارة للرئيس الصيني إلى مصر، والتي جرت في يناير 2016، وتزامنت آنذاك مع الاحتفال بمرور 60 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وخلال زيارة 2016، عقد شي والسيسي مباحثات تناولت تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ومبادرة الحزام والطريق، ومشروعات البنية التحتية، ومجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري.

أما في 2026، فتأتي الزيارة في ظل توسع كبير في مجالات التعاون، وفي وقت أصبحت فيه العلاقات المصرية الصينية أكثر ارتباطاً بملفات الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والنقل والصناعة والتعاون العسكري، فضلاً عن التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية. 

 زيارة تحمل رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية

ولا تبدو زيارة شي جين بينج إلى القاهرة مجرد محطة بروتوكولية في جولة آسيوية، إذ تأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة، بينما تعمل مصر والصين على تعزيز حضورهما في إطار ما يعرف بتعاون دول الجنوب.

وبالنسبة إلى القاهرة، تمثل الزيارة فرصة للحصول على دفعة جديدة للاستثمارات والتكنولوجيا والتصنيع والصادرات، وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والنقل والطاقة.

أما بالنسبة إلى بكين، فتمنحها مصر موقعاً مهماً في قلب الشرق الأوسط وبوابة إلى أفريقيا، فضلاً عن قناة السويس التي تمثل أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

وبعد سبعة عقود من العلاقات، تبدو الرسالة الأبرز للزيارة أن الشراكة المصرية الصينية دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تكتفي بالحفاظ على العلاقات التاريخية، وإنما تسعى إلى تحويلها إلى مشروعات واستثمارات وتعاون سياسي واقتصادي وأمني أكثر اتساعاً.

ومن هنا تكتسب زيارة شي جين بينج إلى القاهرة أهميتها؛ فهي تأتي في الذكرى السبعين لعلاقة بدأت عام 1956، لكنها اليوم تقف أمام فرصة لإعادة صياغة أولوياتها بما يتناسب مع التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي والشرق الأوسط وأفريقيا.

 ماذا سيبحث شي والسيسي؟

الرئاسة المصرية أعلنت أن مباحثات السيسي وشي ستتركز على سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب تبادل الرؤى بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

ومن المرجح أن يحظى الجانب الاقتصادي والاستثماري بمساحة واسعة من المباحثات، خصوصاً في ظل اهتمام البلدين بتطوير المشروعات القائمة وجذب مزيد من الاستثمارات الصينية إلى مصر.

وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى أهم نقاط الالتقاء بين المصالح المصرية والصينية، في ظل موقعها على طريق التجارة العالمي وارتباطها بمبادرة الحزام والطريق، فضلاً عن وجود استثمارات وشركات صينية في منطقة تيدا بالعين السخنة. 

التجارة والاستثمار.. محاولة لتعزيز المكاسب المصرية

تشير البيانات المصرية إلى أن حجم التجارة بين البلدين بلغ نحو 20.78 مليار دولار خلال 2025، مقابل حوالي 17.37 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 19.6%.

وفي المقابل، لا يزال الميزان التجاري يميل بصورة كبيرة لمصلحة الصين؛ إذ بلغت الصادرات المصرية إلى السوق الصينية نحو 819 مليون دولار في 2025، بينما اقتربت الواردات المصرية من الصين من 19.9 مليار دولار.

ومن ثم، من المتوقع أن تسعى القاهرة خلال الزيارة إلى زيادة نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، وتعزيز الاستثمارات الصينية في القطاعات الإنتاجية، بما يساعد على زيادة الصادرات المصرية وتقليل اختلال الميزان التجاري.

وفي هذا السياق، شهد أغسطس 2026 توقيع شركات مصرية، بالتنسيق مع التمثيل التجاري المصري، 17 عقداً تصديرياً بقيمة تقارب 168 مليون دولار لمنتجات تشمل السلع الزراعية والمنسوجات والمنتجات الجلدية والهندسية الموجهة إلى السوق الصينية. 

قناة السويس ومبادرة الحزام والطريق

تمثل قناة السويس نقطة استراتيجية شديدة الأهمية في العلاقات المصرية الصينية، إذ تنظر بكين إلى مصر باعتبارها بوابة رئيسية إلى أفريقيا والشرق الأوسط، بينما ترى القاهرة في مبادرة الحزام والطريق إطاراً يمكن من خلاله جذب استثمارات في النقل والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية.

وتضم مجالات التعاون بالفعل منطقة تيدا الصينية المصرية في العين السخنة، ومشروعات في العاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب مشروع القطار الكهربائي الخفيف الذي يخدم العاصمة الإدارية ومدينة العاشر من رمضان.

وتشير البيانات الرسمية المصرية إلى أن الاستثمارات الصينية في منطقة تيدا بلغت نحو 1.6 مليار دولار، مع وجود أكثر من 130 منشأة صناعية وخدمية في المنطقة. 

 التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مقدمة الملفات

من المنتظر كذلك أن يمثل التحول الرقمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أحد الملفات المهمة في المرحلة المقبلة من التعاون المصري الصيني.

وتشير تقارير حديثة إلى أن شركات صينية، وفي مقدمتها هواوي، تسعى إلى توسيع حضورها في السوق المصرية، في وقت تعمل فيه القاهرة على تطوير مراكز البيانات والبنية التكنولوجية.

كما يرى خبراء مصريون أن المرحلة المقبلة من العلاقات يمكن أن تشهد توسعاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتصنيع، إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بالتنمية والصناعة. 

اتفاق العملة.. خطوة لتسهيل التجارة بعيداً عن الدولار

ومن الملفات الاقتصادية المهمة أيضاً تجديد اتفاق مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني لمدة ثلاث سنوات، ورفع قيمته إلى **30 مليار يوان**، بما يعادل نحو 4.43 مليار دولار، مقارنة بـ18 مليار يوان في الاتفاق السابق.

ويستهدف الاتفاق تسهيل التجارة الثنائية وتشجيع تسوية المعاملات باليوان الصيني والجنيه المصري وتقليل الاعتماد على الدولار في جزء من التعاملات بين البلدين.

ومن المتوقع أن يمثل هذا الملف جزءاً من النقاش حول كيفية توسيع التجارة والاستثمار وتعزيز الأدوات المالية التي تدعم العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين. 

 التعاون العسكري.. ملف يتقدم بهدوء

لا تقتصر العلاقات بين القاهرة وبكين على الاقتصاد، إذ شهد التعاون الدفاعي تطوراً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، وفي أغسطس الجاري، بدأت القوات الجوية المصرية والصينية تدريبات جوية مشتركة تحت اسم «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام في عدد من القواعد الجوية المصرية.

ويأتي التدريب الجديد بعد النسخة الأولى من المناورات التي جرت في 2025، بما يعكس اتساع نطاق التعاون العسكري بين البلدين وتبادل الخبرات في المجال الجوي.

وتزامن استمرار المناورات مع الاستعداد لزيارة شي جين بينج، وهو ما يضيف بعداً أمنياً ودفاعياً إلى المشهد العام للعلاقات المصرية الصينية. 

غزة والشرق الأوسط.. السياسة حاضرة بقوة

لن تقتصر مباحثات السيسي وشي على الملفات الثنائية، إذ أعلنت الرئاسة المصرية أن القضايا الإقليمية والدولية ستكون حاضرة خلال اللقاء.

ويأتي في مقدمة هذه الملفات الوضع في قطاع غزة، في ظل الدور المصري في جهود التهدئة وإدخال المساعدات الإنسانية، إلى جانب الموقف الصيني الداعم للتوصل إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية.

وخلال القمة المصرية الصينية في بكين عام 2024، اتفق الرئيسان على أهمية التوصل إلى وقف عاجل لإطلاق النار في غزة ورفض تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، كما أكدا أن حل الدولتين يمثل الضمان الأساسي لاستعادة الاستقرار وتحقيق السلام والأمن في المنطقة. 

ومن المرجح أن تستعيد القضية الفلسطينية حضورها في مباحثات القاهرة، خصوصاً في ظل التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط، إلى جانب ملفات أمن البحر الأحمر والأوضاع في السودان وليبيا وأمن المنطقة.

 السودان والبحر الأحمر وأفريقيا

تمثل أفريقيا مجالاً آخر للتنسيق المصري الصيني، فالقاهرة تنظر إلى بكين كشريك مهتم بزيادة التعاون مع القارة، بينما تنظر الصين إلى مصر باعتبارها دولة ذات موقع محوري في العالم العربي وأفريقيا.

ومن المتوقع أن تتطرق المباحثات إلى قضايا الاستقرار والتنمية في القارة، إلى جانب الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها السودان وأمن البحر الأحمر.

وتشير الرؤية المصرية الرسمية للعلاقات مع الصين إلى وجود تنسيق بين البلدين بشأن عدد من الملفات، بينها القضية الفلسطينية، وأمن البحر الأحمر، والأزمة السودانية، والأزمة الليبية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الشرق الأوسط ودعم الاستقرار في أفريقيا.

لماذا تحظى مصر بهذه الأهمية بالنسبة للصين؟

تتعامل بكين مع مصر باعتبارها بوابة استراتيجية إلى أفريقيا والشرق الأوسط، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقناة السويس ودورها السياسي الإقليمي.

وفي المقابل، ترى القاهرة في الصين شريكاً اقتصادياً قادراً على توفير الاستثمارات والخبرات والتكنولوجيا، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والنقل والطاقة والصناعة والاتصالات.

ولهذا فإن العلاقة بين البلدين تتجاوز مفهوم التجارة التقليدية، لتشمل مشروعات طويلة الأجل مرتبطة بموقع مصر في سلاسل الإمداد العالمية ومشروعات التنمية الوطنية.

 ما الذي يمكن أن تخرج به الزيارة؟

في ضوء الملفات المعلنة وطبيعة العلاقات القائمة، يمكن أن تركز نتائج الزيارة المتوقعة على عدة مسارات رئيسية:

أولاً: تعزيز الاستثمارات الصينية في مصر، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والصناعة والطاقة والطاقة المتجددة.

ثانياً: زيادة الصادرات المصرية إلى الصين، في محاولة لتقليص الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري.

ثالثاً: توسيع التعاون التكنولوجي في الذكاء الاصطناعي والاتصالات ومراكز البيانات والتحول الرقمي.

رابعاً: دفع مشروعات النقل والبنية التحتية، بما في ذلك السكك الحديدية والمشروعات المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

خامساً: تعزيز التعاون العسكري والأمني، في ظل استمرار المناورات المشتركة وتبادل الخبرات.

سادساً: زيادة التنسيق السياسي بشأن غزة والشرق الأوسط وأمن البحر الأحمر والسودان والقضايا الأفريقية.

سابعاً: توسيع التعاون في إطار مجموعة بريكس والمنظمات الدولية، بما يعزز تنسيق القاهرة وبكين في ملفات الاقتصاد العالمي ودول الجنوب.

وهذه المسارات تمثل تقديرات مبنية على مجالات التعاون القائمة والملفات التي أعلنتها الجهات الرسمية، وليست بالضرورة اتفاقات مؤكدة سيتم توقيعها خلال الزيارة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء