رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حميدتي وإخوان السودان.. هل انسحب الإسلاميين من المشهد ؟

تعبيرية
تعبيرية

عاد ملف العلاقة بين قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» والإسلاميين في السودان إلى صدارة المشهد، وسط تحولات عسكرية وسياسية متسارعة، وانسحابات جزئية لقيادات إسلامية من الواجهة، وضغوط وعقوبات غربية تستهدف شبكات مرتبطة بالحرب. 

وبين خطاب الدعم السريع الذي يقدم معركته باعتبارها مواجهة مع «الإسلاميين وفلول نظام البشير»، وواقع اعتماد الجيش السوداني على تشكيلات إسلامية مسلحة في جبهات القتال، تبرز حقيقة أكثر تعقيدًا: الطرفان اللذان يخوضان اليوم حربًا مفتوحة خرجا جزئيًا من بنية النظام السوداني السابق نفسه.

 جذور العلاقة بين حميدتي ونظام البشير

لم تنشأ قوات الدعم السريع بعيدًا عن دولة الرئيس السابق عمر البشير، فالجذور العسكرية للقوة تعود إلى المجموعات شبه النظامية التي استعانت بها حكومة الخرطوم خلال حرب دارفور، قبل أن تتحول في عام 2013 إلى قوات الدعم السريع بصيغة أكثر تنظيمًا.

وبحسب قراءة نشرها الكاتب السوداني الصادق الرزيقي في الجزيرة، فإن عددًا من أفراد دائرة حميدتي وأقاربه خدموا في قوات «حرس الحدود» خلال الفترة بين 2003 و2007، وهي تشكيلات أنشئت في عهد الإنقاذ لمواجهة حركات التمرد في دارفور. ويقول الكاتب إن العلاقة تطورت لاحقًا لتشمل استعانة منظومة حميدتي بكوادر سابقة من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في المجالات العسكرية والإدارية والاستثمارية. لكن هذه المادة منشورة في قسم الرأي، ومن ثم فإن تفاصيلها المتعلقة بالانتماءات الفردية والتحالفات السرية تعكس رواية صاحبها وليست تحقيقًا مستقلاً في كل حالة. 

تاريخيًا، تؤكد مصادر دولية أيضًا أن نظام البشير اعتمد على ميليشيات الجنجويد في دارفور، وأن كثيرًا من عناصر هذه التشكيلات دخلوا لاحقًا في قوات الدعم السريع عند تأسيسها. وهذا يعني أن الدعم السريع لم يكن في بدايته قوة معارضة للنظام الإسلامي السابق، بل نشأ داخل منظومته الأمنية قبل أن يتحول لاحقًا إلى مركز قوة مستقل. 

 من الحليف إلى العدو

بعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019 تغيرت علاقات القوى داخل السودان جذريًا. شارك حميدتي في السلطة الانتقالية، ثم تصاعد الخلاف بين الجيش والدعم السريع حول ترتيبات دمج القوات وتقاسم النفوذ، إلى أن انفجرت الحرب في 15 أبريل 2023.

منذ ذلك الحين، جعل الدعم السريع من محاربة ما يسميه «الإسلاميين» و«فلول النظام السابق» جزءًا أساسيًا من خطابه السياسي، ويقدم نفسه باعتباره قوة تسعى إلى منع عودة نظام البشير.

لكن هذا الخطاب يصطدم بتاريخ الدعم السريع نفسه وعلاقاته القديمة بمؤسسات نظام البشير، وهو ما يدفع خصوم حميدتي إلى اتهامه باستخدام شعار مواجهة الإسلاميين لإضفاء غطاء سياسي على حرب أساسها الصراع على السلطة والقوة العسكرية.

لماذا أصبح الإسلاميون قوة مهمة في معسكر الجيش؟

مع اتساع الحرب، انخرطت تشكيلات إسلامية مسلحة إلى جانب الجيش السوداني، وأصبحت بعض هذه المجموعات ذات وزن ميداني واضح.

وتقول صحيفة «فايننشال تايمز» إن كتائب إسلامية، من أبرزها «كتيبة البراء بن مالك»، لعبت دورًا مهمًا إلى جانب القوات المسلحة السودانية، خصوصًا في المعارك التي انتهت باستعادة الجيش مناطق في العاصمة الخرطوم. وتشير الصحيفة إلى أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان واجه معادلة صعبة: فهو يحتاج هذه القوات ميدانيًا، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى الحصول على شرعية دولية وتجنب الظهور وكأن نظام الإسلاميين السابق يعيد بناء نفوذه من خلال الجيش. 

وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في الحرب: حميدتي يحاول تقديم نفسه خصمًا للمشروع الإسلامي القديم، بينما يعتمد خصمه العسكري، الجيش، على مقاتلين وشبكات ينتمي بعضها إلى البيئة السياسية والتنظيمية التي حكمت السودان في عهد البشير.

 «البراء بن مالك» في قلب الجدل

أصبحت «كتيبة البراء بن مالك» واحدة من أبرز التشكيلات التي أثارت اهتمام القوى الدولية.

وفي سبتمبر 2025 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على الكتيبة، معتبرة أنها من الفاعلين الإسلاميين المشاركين في الحرب، وربطت العقوبات أيضًا بما وصفته واشنطن بعلاقات بين مجموعات إسلامية سودانية وإيران. 

هذا التطور زاد الضغط على قيادة الجيش، خصوصًا أن واشنطن وبعض القوى الإقليمية تخشى من عودة نفوذ الإسلاميين المرتبطين بنظام البشير أو توسع العلاقات العسكرية مع إيران.

هل بدأ الإسلاميون الانسحاب من المشهد؟

خلال أغسطس 2026 ظهرت مؤشرات على تراجع الظهور العلني لبعض التشكيلات الإسلامية.

وذكر موقع «سودان تربيون» أن مجموعات مرتبطة بالحركة الإسلامية بدأت ما وصفه مراقبون بـ«الانسحاب التكتيكي»، مع انخفاض ظهور الرايات والشعارات الخاصة بهذه الكتائب وتراجع حضور عدد من قياداتها في الخطوط الأمامية. كما تحدث الموقع عن مغادرة شخصيات بارزة إلى خارج السودان وعودة بعض المقاتلين إلى حياتهم المدنية. 

وبحسب التقرير نفسه، أصدرت القيادة العسكرية توجيهات تقلل ظهور الشعارات والرايات الخاصة بالتشكيلات الإسلامية في مناطق العمليات، مع إدماج المقاتلين تحت مظلات أوسع مثل «المقاومة الشعبية» والقوات التابعة للفرق العسكرية.

ولا يعني هذا بالضرورة خروج الإسلاميين من الحرب. إحدى الفرضيات المطروحة هي أنهم يعيدون التموضع لتخفيف الضغط الدولي على الجيش، مع الاحتفاظ بشبكاتهم التنظيمية والعسكرية بعيدًا عن الواجهة.

 البرهان أمام مأزق مزدوج

يواجه عبد الفتاح البرهان معضلة حقيقية، فمن ناحية، ساهمت القوى المتحالفة مع الجيش، بما فيها تشكيلات إسلامية، في تغيير ميزان المعركة واستعادة مناطق مهمة.

ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الظهور القوي للإسلاميين يهدد علاقات قيادة الجيش مع الولايات المتحدة ودول إقليمية تسعى إلى منع عودة نظام سياسي مشابه لنظام البشير.

وتشير «فايننشال تايمز» إلى أن المخاوف الأمريكية والإقليمية من نفوذ الإسلاميين وإيران أصبحت عاملًا أكثر أهمية في التعامل مع الحرب السودانية، خصوصًا بالنظر إلى أهمية البحر الأحمر أمنيًا واستراتيجيًا. 

 ماذا يفعل حميدتي الآن؟

لم يتراجع حميدتي عن الرهان العسكري، ففي يوليو 2026 ظهر قائد الدعم السريع في تسجيل يدعو قواته إلى العودة للسيطرة على الخرطوم، بينما انتقلت المعارك بصورة متزايدة نحو كردفان ومناطق أخرى بعد خسائر الدعم السريع في العاصمة ومناطق بوسط البلاد. 

وفي أغسطس، أفادت رويترز بأن الدعم السريع جدد هجماته على مدينة الأبيض ومناطق أخرى، بينما ظل مسيطرًا على أجزاء واسعة من دارفور، حيث يدعم سلطة موازية. في المقابل، حقق الجيش مكاسب في مناطق من كردفان والنيل الأزرق، ويحاول توظيف هذه المكاسب في فتح مسار سياسي جديد بشروطه.

الدعم السريع تحت ضغط اتهامات دولية ثقيلة

تواجه قوات حميدتي في الوقت نفسه اتهامات دولية بالغة الخطورة، ففي يوليو 2026 قالت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق إن قوات الدعم السريع وحلفاءها ارتكبوا في الفاشر أعمال قتل جماعي واغتصاب وخطف وتجويع متعمد، وخلصت إلى أن نمط الانتهاكات يمكن أن يرقى إلى أعمال إبادة جماعية. وقد نفى الدعم السريع الاتهامات واتهم خصومه بفبركة الروايات ضده. 

كما أفاد تقرير خبراء أمميين، اطلعت عليه رويترز، بأن طائرات نقل استخدمت لنقل مقاتلين ومرتزقة وأسلحة وطائرات مسيرة إلى الدعم السريع عبر خطوط إمداد إقليمية. 

هذه الاتهامات تجعل محاولة حميدتي تقديم الحرب باعتبارها مجرد مواجهة سياسية ضد الإسلاميين أقل قدرة بمفردها على تفسير الصراع أمام المجتمع الدولي.

هل هناك تحالف سري بين حميدتي وبعض الإسلاميين؟

هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، هناك تقارير ومقالات سودانية تتحدث عن شخصيات كانت مرتبطة سابقًا بالمؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية ثم أصبحت قريبة من الدعم السريع أو تعمل ضمن شبكاته السياسية والاجتماعية. وتستخدم هذه المعطيات لتأكيد أن الحدود بين «معسكر حميدتي» و«الإسلاميين» ليست مطلقة. 

لكن لا توجد أدلة موثوقة تكفي للقول إن هناك "تحالفًا تنظيميًا شاملًا وسريًا بين حميدتي والحركة الإسلامية السودانية كتنظيم". الأدق هو الحديث عن شبكة مصالح وتحولات فردية وتحالفات محلية، بعضها يعود إلى عهد البشير وبعضها تشكل بعد سقوطه.

 ما الذي يجري إذن؟

المشهد الحالي يمكن تلخيصه في أن السودان يشهد إعادة تشكيل لمعسكرات الحرب وليس صراعًا بسيطًا بين حميدتي والإسلاميين، حميدتي يحاول استخدام العداء للإسلاميين كجزء من شرعيته السياسية، خصوصًا أمام القوى المدنية والخارجية، لكنه يحمل إرثًا واضحًا من علاقته بدولة البشير. وفي المقابل، تستفيد القوات المسلحة من المقاتلين الإسلاميين في الحرب، لكنها تحاول تقليل ظهورهم السياسي والتنظيمي حتى لا تتحول هذه العلاقة إلى عبء على تحركاتها الإقليمية والدولية.

والمؤشرات الأخيرة على تراجع بعض الكتائب الإسلامية عن الواجهة تبدو مرتبطة بالعقوبات والتحولات الميدانية ومحاولة الجيش تحسين موقعه الدبلوماسي أكثر من كونها نهاية لنفوذ الإسلاميين. 

أما الدعم السريع، فعلى الرغم من خسائره في الخرطوم ومناطق أخرى، فإنه لا يزال يمتلك نفوذًا واسعًا في دارفور وقدرات عسكرية وإمدادات تسمح له بمواصلة الحرب، ولذلك فإن انتهاء المعركة في العاصمة لم يحسم الصراع السوداني. 

وتبقى النتيجة الأخطر أن السودان لم يعد أمام معركة ثنائية فقط بين الجيش والدعم السريع، بل أمام شبكة من القوات والحركات والكتائب المسلحة ذات الولاءات والمصالح المتباينة، وهو ما يجعل السؤال عن مرحلة ما بعد الحرب أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها.

في 24 أغسطس 2026، دفعت الولايات المتحدة باتجاه تشديد عقوبات الأمم المتحدة على الأطراف المتحاربة، محذرة من أن الدعم المالي والعسكري والسياسي الخارجي للطرفين لا يزال يغذي النزاع. وتقدر تقارير حديثة أن الحرب أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت نحو 13 مليون شخص، فيما تعيش أجزاء من البلاد أوضاع مجاعة وأزمة إنسانية هائلة. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء