الشيرازية وولاية الفقيه: صراع على الدين والسياسة والسلطة
تُعد الشيرازية من أبرز التيارات الفكرية والسياسية داخل المذهب الشيعي الإثني عشري، وقد ارتبط التيار باسم المرجع الديني محمد الحسيني الشيرازي الذي توفي عام 2001، وصنع لنفسه تيارًا تربى على أفكاره حول إعادة صياغة العلاقة بين الدين والمجتمع على أسس تخالف بعض المدارس الحوزوية.
تعود جذور الشيرازية إلى مدينة شيراز الإيرانية، لكنها وجدت مركزها الفكري في كربلاء، حيث بدأ محمد الشيرازي يطرح رؤيته المتميزة في الفقه والسياسة في الخمسينيات والستينيات.
وعندما اندلعت الثورة في إيران عام 1979، كان الشيرازي في مقدمة المرجعيات التي أيدت الحراك الثوري ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، غير أنه سرعان ما برز الخلاف بينه وبين القيادة الجديدة، روح الله الخميني، حول مفهوم ولاية الفقيه، إذ رأى الشيرازي أن منح الفقيه سلطة مطلقة يتعارض مع روح الشورى في الدين، ويؤدي إلى شكل جديد من الاستبداد الديني، داعيًا بدلاً من ذلك إلى نظام شوري تشاركي يقوم على مشاركة الأمة في صنع القرار. وهذا الخلاف كان نقطة التحول في مسار الشيرازية وتحولها إلى تيار مميز يقف في صف المعارضة، إذ يشبهون المرشد الأعلى للنظام الإيراني علي خامنئي بفرعون، مما أدى إلى تهميش أتباعها داخل الجمهورية الإيرانية، وانتشروا في بلدان أخرى مثل الكويت وسوريا والعراق والبحرين وفي دول أوروبا.

تميزت الشيرازية برؤية تتبنى شعار اللاعنف، وأن الإصلاح ينبغي أن ينبع من المجتمع عبر مؤسسات ثقافية وخيرية مستقلة، وقد انعكس هذا التوجه في تأسيس عدد كبير من الجمعيات والمراكز التعليمية والقنوات الإعلامية التي تحاول إيصال صوتها إلى الجمهور الشيعي حول العالم.
ومن أبرز سمات الفكر الشيرازي أيضًا إيمانه بالتنظيم، وهو ما جعل أتباعه أكثر ميلاً إلى العمل الجماعي مقارنة بغيرهم من الحركات الدينية، كما أن انفتاحهم على الإعلام الحديث منحهم حضورًا واسعًا في الفضاء الشيعي، إذ أنشأوا قنوات فضائية مثل الأنوار وفدك والإمام الحسين، إضافة إلى مواقع إلكترونية ومؤسسات بحثية وفكرية تروّج لرؤيتهم.
واشتهر التيار بالجرأة على الإعلان عن موقفه المتشدد من قضايا مختلف عليها مثل التطبير، الذي يعني ضرب الجسم بالسيف في مراسم عزاء عاشوراء حزناً على الحسين رضي الله عنه. فقد أصر محمد الشيرازي على مهاجمة فتوى المرشد الأعلى علي خامنئي بتحريم تلك الممارسات الدموية، وتم إغلاق حسينيات تابعة للتيار الشيرازي، وتمت محاولات رسمية لتحجيم نفوذه في إيران، وتم إخضاع مؤسس التيار للإقامة الجبرية حتى موته في عام 2001.

انتقادات
تعرضت الشيرازية لانتقادات كثيرة، فبعض خصومها داخل الوسط الشيعي يرون أنها منحازة إلى الخطاب الإعلامي أكثر من الفقهي، وأنها تُسهم في تعميق الانقسامات داخل البيت الشيعي، بينما يرى المدافعون عنها أنها مدرسة إصلاحية تسعى إلى تحرير الفكر الديني من هيمنة السياسة والسلطة، وإعادة المرجعية إلى دورها المعرفي.
وفي العقود الأخيرة، برزت شخصية صادق الحسيني الشيرازي، شقيق محمد الشيرازي، كمرجع لهذا التيار مواصلاً مشروع أخيه عبر قنوات متعددة. وقد حافظ التيار على نشاطه في مدن داخل إيران مثل قم، وكربلاء في العراق، والكويت، ولندن، مستفيدًا من الجاليات الشيعية الواسعة في تلك الدول لتوسيع حجم تأثيره.
الشيرازية بين الفكر والسلوك
رغم رفضهم العنف السياسي في أدبياتهم، لكنهم مارسوه على أرض الواقع، بدليل حادثة اقتحام السفارة الإيرانية في لندن عام 2018 عقب اعتقال السلطات الإيرانية لحسين ابن صادق الشيرازي، المرجع الشهير في مدينة قم، مما سبب أزمة دبلوماسية بين طهران ولندن.
كما يوصف التيار الشيرازي بالغلو والتكفير والمبالغة في تقديس أهل البيت، ويسمّي مخالفيهم "البكرية" لأنهم يكفرون الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كما يعتبرون ضرورة شتم من ينكر عصمة أهل البيت الذي ينتسب له قادتهم واجبًا دينيًا وأخلاقيًا.

وتحرض محاضرات مجتبى الشيرازي وكذلك ياسر الحبيب، القيادي بالتيار، على سب الصحابة بشكل علني، إذ إنهم لا يؤمنون بـ"التقية"، التي تعني إخفاء المعتقد الحقيقي عن المخالفين، بل يحاولون إظهار هذه العقائد ويروّجون لها عبر قنواتهم الفضائية، ويخوضون مجادلات مع فقهاء وعلماء الشيعة الآخرين ويتهمونهم بالتقصير في إبراز حقيقة المذهب مراعاة للمخالِفين.
ويهاجم الشيرازيون الأصوات الشيعية التي تدعو إلى التقارب مع أهل السنة، ويتبنون خطابًا إعلاميًا حماسيًا ويعملون على نشر خطابهم بنشاط سواء على الفضائيات أو وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير في العالم الشيعي.
ختامًا:
إن قراءة الشيرازية لا يمكن أن تقتصر على بعدها الديني فقط، فهي في جوهرها مشروع اجتماعي وسياسي يعارض النزعات الاستبدادية للولي الفقيه والمرشد الأعلى، الذي تحول لحاكم مطلق باسم الدين، وهو، بشكل أو بآخر، صراع على السلطة ما لبث أن توارثته الأجيال كخلاف في الأفكار والمبادئ.



