من التمكين إلى الملاحقة: مسار التيار السلفي المدخلي في العراق
شهد العراق في السنوات الأخيرة جدلا واسعًا حول التيار السلفي المدخلي، وهو تيار رغم تبنيه للعقيدة السلفية يعادي التيارات الأصولية الأخرى بما فيهم التيار السلفي التقليدي، ويركّز بشدة على طاعة الحاكم والحكومة، مع تبنّي خطاب دعوي قائم على الاتباع الصارم لآراء شيوخ محددين. وقد اكتسب هذا التيار حضورًا ملحوظًا داخل الطائفة السنية بعد عام 2003، مدفوعًا بفراغ ديني وفوضى ومشهد سياسي مضطرب بشدة، غير أنّ ما شهده العراق مؤخرًا من محاولات لحظر هذا التيار أو التضييق على نشاطه كشف عن أزمة أعمق تتجاوز حدود الحوار الفكري لتطال علاقة الدولة بالدين و المجتمع.
التوسع والانتشار
استفاد أنصار التيار السلفي المدخلي في البداية من هشاشة المؤسسات الدينية السنية العراقية، ومن حاجة كثير من الشباب إلى خطاب يمنح اليقين ويقدّم إجابات على أسئلته حول الدين، وتميّز خطابهم بحدّته، مع التشديد على وجوب السمع والطاعة لوليّ الأمر، غير أن هذا الخطاب، على رغم بساطته الظاهرية، خلق حالة من الانغلاق الفكري داخل التيار نفسه، ومن التوتر مع البيئة الدينية الأوسع بسبب كثرة استعمال مفردات التبديع والتجريح ضد المخالفين، ومع الوقت، أصبحت المجموعة المدخلية في العراق جزءًا من خارطة التنافس الديني والسياسي.
ومع اتجاه الدولة العراقية لتثبيت نفوذها ومحاولة ضبط المجال الديني، بدأ يظهر توجّه رسمي نحو التضييق على هذا التيار، وصولاً إلى دعوات صريحة لمنعه أو إغلاق بعض مساجده، خاصة بعدما استطاعت السلفية المدخلية خلال الفترة الماضية أن تتواجد في مؤسسات دينية سنّية منها مساجد ومراكز تحفيظ قرآن بحيث أصبح بعض الخطباء أو الدعاة منهم، وتم الإبلاغ عن محاولات لسيطرة هذا التيار على منابر في محافظة بغداد وضواحيها، وفي حزام العاصنة بغداد تحديدًا، وهو الأمر الذي أثار حفيظة بعض الدعاة الآخرين من أهل السنة، خاصة من التيار السلفي الذي يحرص قادته على إبراز الفروق بينهم وبين المدخلية والتبرؤ منهم بشكل صريح.
وتتمثل أزمة السلفية المدخلية في العراق في عدم قدرتها على التفاعل مع الواقع الاجتماعي والسياسي للبلد، فهي تيار يقوم على التنظير، ويميل إلى الاغتيال المعنوي للخصوم عبر اتهام المخالف بالبدعة والضلال، كما يرفض هذا التيار أي مشاركة في الشأن العام أو العمل المدني أو حتى الإصلاحي، ويتهم كل من يمارس الحقوق المدنية بأنه صاحب فتنة ومن الخوارج حتى لو لم يمارس عنفًا، ويعزف الكثير من ابناء هذا التيار للانعزال عن المجتمع بشكل كبير الأمر الذي جعل كثيرًا من الشباب الذين انتموا إليه في مرحلة ما يعانون لاحقًا من الانغلاق الفكري والاجتماعي.

مما ساهمت الحالة الجدلية التي نشرتها السلفية المدخلية في تفتيت الصف السلفي نفسه عبر إشعال الصراعات الداخلية وتبادل الاتهامات، وإحياء لغة التخوين والتبديع داخل البيئة الدينية وقوى الإسلام السياسي بشكل عام.
أزمة الحظر:
في 19 مايو الماضي اتخذ مستشار الأمن القومي العراقي قرارًا باتخاذ إجراءات قانونية بحق حركة المدخلية باعتبارها حركة دينية متطرفة تهدد الاستقرار الداخلي، مما كشف عن توجه أمني جديد قد يعيد رسم العلاقة بين الدولة والحركات الدينية السنّية، وكان القرار مفاجئا لأن المدخلية كانت تصنف دومًا بأنها تيار موال للسلطة العراقية وفقًا لأدبياتها وممارساتها أيضا.
وجاء الكشف عن القرار السري عبر وثيقة تم تسريبها إلى الإعلام موجهة من مستشار الأمن القومي إلى نائب محافظ بغداد بصفته رئيس اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف، ودعت إلى تنسيق الجهود في المحافظات السنية مثل ديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى من أجل اتخاذ "إجراءات ضد المدخلية لمواجهة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب بحسب الوثيقة، ثم تحدثت وسائل اعلامية عن تراجع الحكومة عن تلك الخطط بعد انتقادات عديدة من سياسيين.
ولا تتعلق أزمة حظر السلفية المدخلية فقط بوجود التيار ذاته، بل بالسؤال الأوسع حول كيفية التعامل مع التيارات الأصولية ذات التأثير الاجتماعي؛ فالحظر المباشر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها انتقال النشاط إلى فضاءات سرية أو رقمية أقل قابلية للمتابعة، أو تحويل الانتماء إلى حالة تحدٍّ وهويّة مضادة، إذ أنّ الإشكالية الأساسية تكمن في غياب مشروع ديني وطني متوازن يستطيع أن يجمع بين الثوابت الشرعية ومقتضيات الأمر الواقع في العراقي، فالمدخلية توسعت في سياق فراغ، ولم يتم ملء هذا الفراغ ولا إدماجه في حوار علمي مؤسسي ينزع فوارق الاحتقان ويضبط حدود الخطاب الديني في إطار القانون ومسؤولية المجتمع.
ورغم إدانتهم الدائمة للعنف السياسي ورفضهم لأي تنظيم خارج عن سلطة الدولة إلا أنهم ارتبطوا في النهاية بحوادث عنف أشهرها قضية وفاة الشيخ عبد الستار القره غولي، إمام وخطيب جامع في منطقة الدورة ببغداد، في سبتمبر 2025، إذ دفعت بالمدخلية إلى واجهة المشهد بعدما وُجهت اتهامات إلى التيار بتورّط بعض كوادره في المشادة التي سبقت الوفاة.
وقد أدانت "الدعوة السلفية" في العراق مقتل إمام وخطيب جامع في العاصمة بغداد، معلنة براءتها من المدخلية معتبرة إياها جماعة متطرفة ومنحرفة، كما وجه عدد من مشايخ الدعوة السلفية في عدة محافظات عراقية في بيان مشترك اتهامات صريحة للمدخلية بقتل الشيخ القره غولي لأنه يحارب التطرف بينما وصفوا المدخلية بالتطرف، ووجهوا اتهامات لبعض القيادات السياسيّة بدعم المدخلية، وتنسيق التيار مع عدد من القيادات الأمنيّة.
ختاما:
تعد قضية التعاطي الحكومي مع السلفية المدخلية جزء من أزمة إدارة التدين في مجتمع خرج من عقود من الصراع والانقسام وسط تدخلات خارجية تعمق من تلك الانقسامات وواقع مزري تمر به الدولة العراقية، في ظل غياب دور المؤسسات العلمية الراسخة، وغياب المرجعيات السنية الوازنة القادرة على تحويل الجدل من صراع حول المنع والإقصاء إلى حوار حول الإصلاح والبناء.



