الفاشر تذبح في صمت: كيف موّلت مناجم دارفور آلة الحرب في السودان؟
في أواخر أكتوبر الجاري شهدت مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور في السودان، مجازر ممنهجة ارتُكبت أثناء سيطرة ميليشيات "الدعم السريع" على أحياء ومخيمات للنازحين في المدينة، وكشفت تقارير أممية ووثائق حقوقية عن عمليات إعدام خارج نطاق القانون واستهداف جماعي للمدنيين، مما يكشف عن محاولات لتغيير الوقائع الميدانية والسكانية في منطقة ذات أهمية كبيرة في السودان، وحرص مرتكبو الجرائم على تصوير أنفسهم ونشر مقاطع فيديو لعمليات القتل والتعذيب، وبالفعل انتشرت هذه المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم.

مخططات ميليشيات الدعم السريع
لفهم مخططات ميليشيات الدعم السريع في شمال دارفور لا بد من النظر إلى البُعد العسكري، حيث يسعى حميدتي، قائد الدعم السريع، للسيطرة على مواقع استراتيجية، وهناك هدف اقتصادي يرتبط بالسيطرة على مناجم الذهب وممرات التهريب أيضًا، وهناك جانب اجتماعي يتمثل في محاولة تهجير جماعات يعتبرها حميدتي خصمًا محتملاً أو عقبة أمام تثبيت نفوذه. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع في أبريل 2023، تحوّل التنافس ليس فقط إلى معارك عسكرية بل إلى صراع على الموارد مثل مناجم الذهب ومواقع النفوذ مثل العواصم الإقليمية والمخيمات المكتظة بالنازحين. فالسيطرة على مواقع إنتاج الذهب باتت عاملًا حاسمًا في تمويل العمليات المسلحة، واستغلت ميليشيات الدعم السريع مناطق في دارفور وكردفان لتعزيز إيراداتها.
لذا فإن منطق العنف في الفاشر يتجه أيضًا إلى تفكيك بنى المجتمع المحلي وتقليل قدرة السكان على المقاومة، فاستهداف مخيمات النازحين والمرافق الصحية والمساجد، كما ورد في تقارير وشهادات ميدانية، يخدم غرضين، هما إخراج المدنيين من مناطق ذات قيمة استراتيجية، وإرسال رسائل تخويف تهدف إلى تثبيت سلطة جديدة عبر التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي. وهذا النمط من العنف يحمل مؤشرات على أن عمليات القتل الجماعي لم تكن عشوائية، بل كانت جزءًا من مخطط أوسع له أبعاد عرقية وجغرافية وسياسية، وهو ما أثار استنكارات دولية ومطالبات بالمساءلة.

وقد سعت ميليشيات الدعم السريع خلال العامين الماضيين إلى توسيع رقعة سيطرتها من خلال عمليات عسكرية واستراتيجيات للهيمنة على خطوط الإمداد والموارد، وهو ما زاد بدوره من حدة الصراع الإقليمي وتكلفة الأزمة الإنسانية.
وعند تحليل أهداف المجازر البشعة التي ارتُكبت في الفاشر يظهر أنها تتعدى مقاصد تكتيكية قصيرة المدى، إذ تعمل مثل هذه العمليات على ترويض السكان وإسكات قوى المقاومة المحلية وقيادات المجتمع المدني والقبلي، ما يسهل فرض واقع سياسي جديد بدون معارضة منظمة، كما تشكّل وسيلة للسيطرة على موارد اقتصادية أساسية، فبعد تهجير السكان يسهل الاستيلاء على أراضيهم ومواقع التعدين أو تسهيل تهريب الذهب.

وهناك سبب مهم أيضًا، وهو أن اتساع نطاق الفظائع الإنسانية يساهم في خلق تهجير داخلي كبير يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، الأمر الذي يضع ضغوطًا إقليمية ودولية على الجيش السوداني، وقد يمهّد لإعادة ترتيب التحالفات في الميدان وفق منطق القوة بدل المؤسسات الرسمية.
وتجدر الإشارة إلى أن تداعيات العنف على النسيج الاجتماعي والسياسي خطيرة وعميقة بشكل كبير، إذ يعني ذلك فقدانًا للثقة المتبادلة بين مكونات المجتمع، وسياسات تقود إلى تغيير ديموغرافي قد يستغرق عقودًا قبل تدارك أضراره، كما أن تعزيز نفوذ ميليشيات الدعم السريع في دارفور وكردفان يفتح الباب أمام تحويل مناطق واسعة إلى إقطاعيات أمنية واقتصادية تُدار خارج مظلة الدولة، مما يصعّب لاحقًا أي اتفاق سياسي متوازن أو عودة للشرعية المركزية دون مقايضات مؤلمة.

ومن الملاحظ أن ارتفاع وتيرة الانتهاكات طيلة الفترة الماضية لم يدفع جهات دولية إلى التدخل بفعالية لوقف العنف، مما أكد ضعف قدرة المجتمع الدولي على التأثير، وبالتالي أعطى ذلك ضوءًا أخضر للميليشيات لارتكاب مزيد من المجازر.
ختامًا:
تعمدت ميليشيات الدعم السريع المبالغة في القتل ونشر مقاطع فيديو تظهر عمليات العنف بهدف تخويف السكان ودفعهم للفرار والاستيلاء بسهولة على المزيد من المناطق دون مقاومة، ضمن مخطط يهدف للتوسع داخل السودان.
ويتطلب الوضع إجراءات محلية لحماية المدنيين، خلافًا لحالة التراخي من المجتمع الدولي تجاه العنف في السودان، مما شجّع مزيدًا من العنف. فما جرى في الفاشر ليس تصرفات فردية، بل جزء من مخطط أوسع يحتاج للتصدي له فورًا ووقف شلالات الدماء في غرب السودان ومنعها من الانتشار إلى المناطق الأخرى.


