من نهضة الستينيات إلى تحديات العصر الرقمي.. رحلة الثقافة الجماهيرية بين المجد والانحسار|خاص
تعتبر حقبة الستينيات من القرن العشرين الفترة الذهبية للثقافة الجماهيرية، التي تجدست في قصة إنشاء أول وزارة ثقافة مصرية، وقادها آنذاك الكاتب الراحل ثروت عكاشة.
وتولى عكاشة هذه المسئولية لفترتين تعتبران من أهم فترات النهضة الثقافية، حيث صنع تغييرا جذريا في المشهد الثقافي المصري، وهو ما أدى إلى تطور حقيقي على المستوى الفكري.
وفي هذا الإطارقال الكاتب الصحفي صلاح البيلي، إن الثقافة الجماهيرية في الستينيات بما فيها من المد القومي العربي الذي قاده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كانت هي الذراع الثقافي الأهم، الذي من خلاله نجحنا في الوصول بالمنتج الثقافي إلى القاعدة العربية الموجودة في القرى والمدن، مع التركيز على العمال والقاعدة العمالية.

وأضاف لـ"إيجبتك"، أن عبد الناصر عندما كلف الوزير ثروت عكاشة بحقيبة الثقافة، كانت الوزارة في ذلك الوقت لها أذرع متعددة مثل الهيئة العامة للكتاب التي كانت مسئولة عنها الدكتورة سهير القلماوي، والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب التي أصبح فيما بعد باسم "المجلس الأعلى للثقافة"، فضلا عن "أكاديمية الفنون"، وكانت الثقافة الجماهيرية هي الذراع الأساسي في العمل الثقافي من خلالها وصل المنتج الثقافي بكل مستوياته من الكتاب الورقي وشاشة العرض السينمائي والمسرح الجماهيري والليالي المسرحية، وفرقة "رضا للفنون الشعبية" بشكل خاص والفرق الشعبية بشكل عام والبالية والموال والربابة وأغانيها، والسير الشعبية، فضلًا عن سيرة أبو زيد الهلالي وعنترة وغيرهم من السير الذاتية الشعبية.
الثقافة الجماهيرية والوجهان البحري والقبلي
أشار إلى الإقليمين اللذان مثلا محورين مهمين يهتمان بالسير الشعبية هما: الوجه البحري الذي يهتم بالموال وأغاني الفلاحين، وهو الدور الذي قام به زكريا الحجاوي واستقدم أبو ذراع بالإضافة إلى محمد خضر، والوجه القبلي الذي اهتم بالسير الشعبية.
وأوضح أن الثقافة الجماهيرية في الستينات كان العطاء الثقافي به زخم أكبر من الآن، إذ كان المنتج الكمي الكبير، والمستوى الأفقي كان يصل إلى كل أنحاء الدولة من أسوان وحتى مطروح، وكانت التغطية الأفقية ممتدة بشكل كبير جدًا ومستوى المنتج الثقافي رفيع المستوى، ومن الذين مثلوا هذا الجيل هم، سعد الدين وهبه، ونعمان عاشور ويوسف إدريس وألفريد فرج، ونجيب سرور، كل هذه مسرحيات كانت تقدم على مسرح الثقافة الجماهيرية، وعلى مستوى المطربين كان المستوى راقي، حتى المتلقي البسيط مثل العمال والفلاحين والطبقات الفقيرة كان لديهم قدر من الثقافة والوعي.
الفن ابن الكرم
ووصف الفن بأنه ابن الكرم وبالتالي فإنه لابد من إنفاق سخي، مُشيرًا إلى أنه في فترة الستينيات، كانت الدولة متبنية الثقافة وتدعمها، كما تبنت التصنيع والسد العالي، كما تبنت المياه النظيفة في القرى والمدارس ونشر التعليم المجاني، وعندما تولت الدولة هذا المشروع أنفقت بسخاء، فضلًا عن أن القائمين على العملية الفنية والثقافية كانوا من كبار الفنانين والآدباء أمثال سعد الدين وهبة، ويحيى حقي، ولذلك كان العطاء الثقافي في أبهى صوره.
وأشار إلة إن فترة الستينات شهدت إنفاقًا بسخاء على الثقافة، إذ كانت الدولة راعية للفن والإبداع بقوة، فلمعت أسماء العديد من المبدعين في هذه الفترة، مثل سعد الدين وهبة، ويحيي حقي ونجيب محفوظ وعلي أحمد باكثير، فضلًا عن يوسف السباعي وثروت عكاشة، وزكريا الحجاوي الذي جمع المطربين والأغاني الشعبية، والأبنودي الذي قام بجهد كبير في جمع السيرة الهلالية.
الأبنودي والسير الشعبية
وتابع أن الأبنودي ظل أكثر من 13 عاما يجمع السيرة الهلالية من أفواه رواد السيرة الشعبية، وذلك بالإضافة إلى سيد حجاب، وسمير عبد الباقي ونجيب سرور، كان هؤلاء هم القائمون بالعمل في الميدان، وبالتالي كان المستوى رفيع، فضلًا عن أن المتلقي كان لديه وعي، وبالتالي كان الذوق العام راقيا.
ولفت إلى أن يحيي حقي في هذا الوقت، استطاع أن يُدخل مسرحية «ياسين وبهية»، إلى الأوبرا وشاهدها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وجوزيف تيتو رئيس يوغسلافيا آنذاك، وشاهدوا العرض، وبالتالي تمكن من إدخال الفن الشعبي إلى الأوبرا، وكان السياق مشجعًا على العمل والإنتاج والتلقي، ولكن وضع الثقافة الجماهيرية الآن، ليس كما كانت عليه في الستينيات.
مؤسسو قصور الثقافة
أشار إلى أن الآباء المؤسسين الذين أسسوا قصور الثقافة ونشروا قصور الثقافة في القرى وضعوا البنية الأساسية، وكانوا بمثابة الرواد الذين أسسوا التأسيس الأول، وهذا الجيل هو من ورث هذه المسارح قصور الثقافة والنوادي الأدبية التي تحوي ورش عمل ومكتبات، وبالتالي فإن المرتدين تراجع بشدة وذلك بسبب عدة عوامل، منها العامل الاقتصادي وأسباب أخرى منها تراجع مستوى ما يقدم.
أهمية دور الرائد الثقافي
وأعرب عن أسفه لعدم إقبال الكثيرين على المكتبات أو قصور الثقافة أو نوادي الأدب، وتحولها إلى نظام «شلالية»، هم من يسيطرون على المكان، وبالتالي لا مجال لفتح نوافذ لمستويات أو إبداع آخر، مؤكدًا أن مصر مليئة بالمبدعين والأدباء والفنانين والعازفين والمثقفين من العظماء ولن تخلو من المبدعين في الأدب أو الفن.
وأشار إلى دور الرائد الثقافي في دعم ظهور أعمال هؤلاء الرواد المبدعين، ومن المؤسف أنه لم يعد لدينا دور الرائد الثقافي، فكان قديمًا يوجد زكريا الحجاوي وسعد الدين وهبة ويوسف السباعي الذي ضم كل المثقفين، فالرائد الثقافي لم يعد موجود، مؤكدًا أهمية دور الرائد الثقافي الذي يكتشف المواهب، فضلًا عن دور الدولة على أكثر من مستوى تحول من مقدم خدمة ثقافية وإعلامية وتعليمية إلى دور الخدمة السلعة، وبالتالي أصبح الوضع مختلفًا، وعزف الناس عن الذهاب لقصور الثقافة إلى الأماكن الخاصة طالما كانت الخدمة بمقابل، وبالتالي لابد من عودة دور الدولة المنتج والداعم للثقافة والمشجع.
قطاع الإنتاج في فترة الستينيات
وقال إن ما جعل الثقافة الجماهيرية في الستينيات ذات آثر، هو أن قطاع الإنتاج في فترة الستينيات ينتج عشرات المسلسلات والأفلام، مُشددًا على ضرورة عودة دور الدولة المشجع والداعم للثقافة وعودة مسارح قصور الثقافة حتى تضيء مسارح الدولة من جديد.
وأكد أهمية وضرورة عودة الرائد الثقافي، ووضع الناس في منظومات ثقافية، أي أن يضع الرائد الثقافي استراتيجية كي يضيء المسرح طوال العام، وهذا سيتطلب عمل مسابقات ونصوص ومخرجين وبالتالي لابد من وضع منظومة ثقافية تحتاج لاستراتيجية لكيفية تشغيل المسارح ونوادي الأدب وبيوت الثقافة طوال العام.
كما أشار إلى أن فترة الستينيات تختلف تمامًا عن 2025؛ لأن في تلك الفترة لم يكن أمام الناس متنوع من وسائل الترفيه سوى الكتاب والراديو والسينما والمسرح، وهذه الأربع روافد الأساسية في العمل الإبداعي ولكن الآن تعددت المنصات الرقمية وأصبح التليفون يفتح عوالم كثيرة جدًا داخل وخارج مصر، جذب جيل ما تحت العشرين، وبالتالي فإن التحديات أصبحت أكثر وأصعب من الماضي، وهذا لا يعني أن يقف القائم بالاتصال مكتوف الأيدي.
منتج ثقافي ذات قيمة
وشدد في الختام على ضرورة بذل جهد مضاعف لعمل منتج ثقافي يجذب الشباب، وتسويق هذا العمل على المنصات الرقمية والإلكترونية وربطه بصفحات التواصل بحيث يتم حصار الشباب من كل مكان بالمنتج المقدم، وفي نفس الوقت لابد من تقديم رسالة ذات قيمة لضمان أن تعيش "العمل الثقافي الخالد".




