الاختيار الصعب: الشوا بين سطوة الميليشيات وتحديات الخط الأصفر في غزة
رغم محاولات خرق الهدنة مرارًا وتكرارًا واستمرار التهديدات الإسرائيلية المتواصلة بخرق الاتفاق، إلا أن الوساطات السياسية نجحت إلى حدٍّ ما في تجاوز العديد من التحديات والمعوقات، رويدًا رويدًا دخلنا في المرحلة الثانية من "اتفاق غزة"، إذ تناولت العديد من وسائل الإعلام، وفي مقدمتها هيئة البث الإسرائيلية، خبرًا عن موافقة حركة حماس على تعيين "أمجد الشوا" رئيسًا للجنة التكنوقراط المعنية بإدارة القطاع في المرحلة المقبلة.
في الفترة الماضية بلغت التعقيدات ذروتها، حين ربطت إسرائيل بين ملف تسليم رفات الأسرى لدى حماس وبين الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، مهددةً في العديد من المناسبات بخرق وقف إطلاق النار، وهو ما حدث في 19 أكتوبر الماضي.
لم يحظَ خبر تعيين "الشوا" رئيسًا لـ"لجنة التكنوقراط" بأيّ تعليقات سلبية أو تحفظات حتى وقت كتابة التقرير، بل على العكس تناولت التقارير الإخبارية موافقة وترحيب حركة حماس بالاختيار.
يعتبر "أمجد الشوا"، ليس شخصية مجهولة لأهل غزة، ففيها وُلد عام 1971، وفيها نمت نشاطاته في العمل المجتمعي والإنساني، وتعالت نداءاته في مجالات حقوق الإنسان والعمل المدني، وخلال الحرب الماضية نشط "الشوا" إعلاميًا، إذ كان ضيفًا شبه دائم على المحطات والصحف العربية والعالمية للتنديد بالوضع المأساوي في القطاع وحثّ المجتمع الدولي على إدخال المزيد من قوافل المساعدات الإنسانية إلى القطاع المنكوب.

بطاقة تعريفية
يمتلك "أمجد الشوا" خلفية علمية وعملية متميزة في مجالات العمل الإنساني، ففي عام 1991 حصل على دبلوم تأهيل المعلمين للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وفي عام 1995 حصل على بكالوريوس إدارة الأعمال من جامعة القدس المفتوحة، ومن ذات الجامعة حصل على ماجستير الدراسات الأمريكية عام 2008.
فور تخرجه عمل مدرسًا للصم والبكم ومراسلًا لوكالة الأنباء الأردنية، وفي عام 1999 تولى إدارة شبكة المنظمات الأهلية في غزة، التي تشرف على ما يزيد على 140 مؤسسة أهلية في مختلف المجالات الاجتماعية والإنسانية.
وفي عام 2007 أصبح منسقًا للحملة الدولية لفك الحصار عن غزة، ومؤخرًا في عام 2023 تم تعيينه نائبًا للمفوض العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم"، كما سبق له العمل مع هيئات فلسطينية تابعة لمنظمة العفو الدولية خلال الفترة من عامي 1998 وحتى 2002.

إيجابيات تعيين "الشوا"
يتمتع "الشوا" العديد من الإيجابيات التي قد تساعده في إنجاح مهمته في إدارة القطاع في حال الموافقة الرسمية على تعيينه رئيسًا للجنة المنوط بها إدارة القطاع خلال الفترة المقبلة، وهي كالتالي:
غير مؤدلج سياسيًا:
من خلال قراءة السيرة الذاتية للشوا نجده غير مؤدلج سياسيًا، فلم يُضبط إعلاميًا أو سياسيًا انحيازه لأي فصيل فلسطيني بعينه، بل كانت أيديولوجيته السياسية هي الاعتناء بالمصالح الإنسانية للشعب الفلسطيني.
متمرس إعلاميًا:
يمتلك الشوا حضورًا إعلاميًا واسع النطاق سواء في المنصات الإعلامية العربية، إذ يُعد ضيفًا مهمًا في تلك المنصات نظرًا لما يمتلكه من تفصيلات دقيقة حول الأوضاع الإنسانية في القطاع.ففي حديثه لصحيفة القدس العربي بتاريخ 11 أكتوبر 2025، أثنى الشوا على الصحفيين الفلسطينيين ودورهم في تغطية الأحداث، مؤكدًا نجاحهم في قلب السردية الإسرائيلية في الحرب وتبني الإعلام الغربي للسردية الفلسطينية، وذلك نتيجة تضحيات الإعلام الفلسطيني.
مُلمّ بتفاصيل الوضع الإنساني:
من خلال رئاسته لشبكة المنظمات الأهلية (140 منظمة) يُعد الشوا من أكثر الشخصيات الفلسطينية إلمامًا بتفاصيل الوضع الإنساني في القطاع.
شبكة اتصالات واسعة:
يمتلك أيضًا شبكة علاقات موسعة بالعديد من منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج، وكذلك المنظمات الإغاثية ومنظمة الأونروا.

امتلاك شبكة لوجستية:
طبقًا لعمله ورئاسته تقريبًا لكافة المؤسسات الإغاثية والإنسانية في غزة، يمكن القول إنه يمتلك شبكة لوجستية هامة قد تساعده بشكل كبير في إدارة القطاع، فضلًا عن توافر العناصر البشرية المدربة لأداء غرضه.
المعوقات والتحديات
رغم الإيجابيات السابقة، إلا أن "الشوا" في حال تعيينه بصفة رسمية سيواجه بعض التحديات والمعوقات، ويمكن القول إن تلك المعوقات ستواجه أيًّا من سيتولى هذا المنصب سواء الشوا أو غيره، وهي كالتالي:
التنظيمات المسلحة:
بات قطاع غزة حاليًا يعج بالعديد من التنظيمات والميليشيات المسلحة في ظل ضعف حركة حماس وعدم قدرتها على بسط سيطرتها الكاملة على القطاع، وحدوث أعمال السلب والنهب. فعلى سبيل المثال، تعرض مقر برنامج الصحة النفسية في قطاع غزة، الذي يترأسه الشوا، للاقتحام المسلح وذلك يوم 13 أكتوبر الماضي.
الخط الأصفر:
باتفاق وقف إطلاق النار حدث انسحاب جزئي لقوات الجيش الإسرائيلي، إلا أن تلك القوات لم ولن تنجلي تمامًا عن القطاع، إذ رسمت تل أبيب حدودًا بينها وبين فصائل المقاومة سُمّيت بـ"الخط الأصفر"، وهي عبارة عن بلوكات خرسانية مميزة باللون الأصفر تفصل بين الجانبين، وتمثل المساحة المسيطر عليها من قبل الجيش الإسرائيلي حوالي 50% من مساحة القطاع. لذا يدور تساؤل هنا: هل سيكون للشوا أو للجنة التكنوقراط أي مسؤولية سياسية وسيادية على أرض قطاع غزة الواقعة خلف الخط الأصفر، أم ستقتصر سيادة الشوا على مناطق ما بعد الخط الأصفر فقط، والتي تتمركز فيها فصائل المقاومة؟
أموال إعادة الإعمار:
استمرارًا لسياسة الخط الأصفر، فقد أوضح جاريد كوشنر، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن أموال إعادة الإعمار سيتم صرفها فقط على المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر، أما ما يُسمى "غزة الخطِرة" المتواجد بها حماس، فلن تحظى بأيّ أموال، الأمر الذي سيشكل عائقًا أمام اللجنة الجديدة.

القوة الدولية:
من المؤكد تشكيل قوة دولية لإرساء السلام في القطاع وغزة، ويدور تساؤل هنا حول تبعية تلك القوة إداريًا للجنة المسؤولة عن إدارة القطاع، ومدى الاحترام المتبادل بين الطرفين، وسلطة اللجنة في إقالة وتعيين قيادة القوة ومعاقبة أعضائها إذا انحرفت توجهاتهم.
شحّ المواد الإغاثية:
يشتكي "الشوا" من شحّ إدخال المواد الإنسانية إلى القطاع، فمن المفروض دخول ما يقارب 4 آلاف شاحنة إلى القطاع خلال أسبوع، إلا أنه في الواقع أقل من ذلك بكثير، وهو ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويجعل اللجنة المقبلة في مرمى انتقادات وغضب الشارع الغزّاوي، فضلًا عن افتقار قطاع غزة للآليات والجرافات التي يمكنها رفع الأنقاض وتعبيد الطرق لدخول الشاحنات إلى وسط وشمال القطاع.



