رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عصابات الكنيست.. الجريمة المنظمة تصنع السياسة في إسرائيل

الكنيست الإسرائيلي
الكنيست الإسرائيلي - أرشيفية

في مشهد سريالي عبثي في الكنيست الإسرائيلي، تقدم النائب "تسفيكا فوغل" بمشروع قانون خلال الأيام الماضية يتيح لوزير الأمن القومي تحويل أي منظمة أو عصابة إجرامية إلى منظمة إرهابية، خاصة إذا استخدمت تلك المنظمة السلاح بشكل منهجي أو وجهت تهديدات محتملة للسلطات أو المسؤولين المنتخبين.

عبثية الطرح تكمن في أن النائب سابق الذكر ينتمي إلى الحزب اليميني المتطرف "عوتسما يهوديت"، والذي يترأسه وزير الأمن القومي المتشدد "إيتمار بن غفير"، إذ يعد الحزب مبنيًا في الأساس على تجمعات للمنظمات الإجرامية شديدة التطرف التي استقت أفكارها المتطرفة من عرّاب اليمين الإسرائيلي المتطرف الحاخام "مائير كاهانا" ومنظمته الأشد تطرفًا "حزب كاخ"، والتي وُصمت بالتطرف والإرهاب من قبل الحكومة الإسرائيلية ذاتها، ولعل من أبرز أفراد تلك المنظمة الطبيب اليهودي المتطرف "باروخ جولدشتاين" صاحب مذبحة الحرم الإبراهيمي التي ارتُكبت في 25 فبراير 1994 بحق مصلين لصلاة الفجر في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية، مما أدى إلى مقتل 29 مصليًا وجرح العشرات.

<span style=
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير

ويعد كاهانا وجولدشتاين هما المثل الأعلى لليمين الإسرائيلي المتشدد، فأفكار كاهانا متغلغلة في عقول قيادات اليمين المتطرف، أما جولدشتاين فيُوسم على أنه بطل إسرائيل الأول، وتتناول مصادر إسرائيلية متعددة أن منزل "بن غفير" مزين بصورة كبيرة لـ"جولدشتاين".

لو كان مشروع القانون صدر من إحدى قوى المعارضة مثل حزب العمل (علماني التوجه) على سبيل المثال، لكان المبرر حينها هو محاولة وقف تمدد اليمين المتطرف عبر قطع أوصاله الرئيسة وحرمانه من مراكز التجنيد والتعبئة السياسية الخاصة به، إلا أن المشروع صدر من اليمين المتطرف المبني على تلك العصابات.

خلال الفترة الماضية تحركت قوى اليمين الإسرائيلي تشريعيًا في العديد من الاتجاهات، معظمها يصب في مصلحة بناء دولة يهودية كبرى ممتدة لتشمل الضفة الغربية "يهودا والسامرة" وغزة "غوش قطيف"، لذا يثير المشروع المقدم من اليمين المتطرف تساؤلات حول الهدف منه، خاصة أن قوى اليمين المتطرف في الأساس مبنية على تنظيمات إجرامية.

عصابات بغطاء سياسي 

بُنيت الأحزاب السياسية الإسرائيلية القديمة، تحديدًا حزبا العمل والليكود، على بقايا العصابات الإجرامية التي انتشرت في فترة الانتداب البريطاني، فالعديد من القادة الذين انخرطوا في تلك العصابات أصبحوا رؤساء أحزابهم في المستقبل، بل ورؤساء حكومات إسرائيل منذ مايو 1948 وحتى 4 نوفمبر 1995 حين قُتل آخر رئيس وزراء إسرائيلي "إسحاق رابين" المنتمي إلى عصابات ما قبل إنشاء الدولة الإسرائيلية.

في هذا الاتجاه نشطت أربع عصابات رئيسة وهي الهاغاناه والأرغون وشتيرن وليحي، فعصابات الهاغاناه تأسست عام 1920 خلفًا لمنظمة "هشومير" التي عنيت بضبط الأمن في المستوطنات والكيبوتسات اليهودية في فترة ما قبل الانتداب البريطاني.

على عكس منظمة هشومير اتخذت الهاغاناه طابعًا عدائيًا مع الفلسطينيين، واضعة مسألة تأسيس الدولة الصهيونية نصب أعينها، لذا أقدمت على الفلسطينيين تقتيلًا وتهجيرًا وتشريدًا من قراهم في الجليل ومناطق شمال إسرائيل حاليًا، ومن الهاغاناه انبثق تنظيم "البلماخ" الذي مثل عناصر النخبة المقاتلة في صفوف الهاغاناه.

الهاغاناه وحزب العمل

مؤسس الهاغاناه هو رئيس حزب العمل الإسرائيلي وأول رئيس وزراء لها "ديفيد بن جوريون"، ومن قيادات الهاغاناه أيضًا رئيس الوزراء الأسبق المنتمي لحزب العمل إسحاق رابين، وكذلك عضو حزب العمل السابق ورئيس حزب الليكود وحزب كاديما لاحقًا ورئيس الحكومة في بداية الألفية "أرئيل شارون".

الحركة التصحيحية اليهودية 

في عام 1923 أسس زعيم الحركة التصحيحية اليهودية "فلاديمير جابوتنسكي" منظمة "بيتار" اليهودية في مدينة ريفا عاصمة دولة لاتفيا (إحدى دول البلطيق)، وفي عام 1931 تمكن أبراهام تيهومي من تأسيس عصابة الأرجون في فلسطين باعتبارها جناحًا عسكريًا للحركة التصحيحية اليهودية، ولحقه في قيادة المنظمة رئيس الوزراء الأسبق مناحم بيجن، الذي عمل على ضم الجناح العسكري للحركة ضمن صفوف الجيش بعد عام 1948، فيما تحول الشق السياسي منها إلى حركة حيروت التي تحولت عام 1973 إلى حزب الليكود.

أما فيما يخص عصابة شتيرن، فتعد من أخطر الجماعات الإرهابية التي نشأت في ظل الانتداب، وطالت عملياتها الإرهابية اغتيال الوزير البريطاني "اللورد موين" المسؤول عن شؤون الشرق الأوسط خلال زيارته للقاهرة في نوفمبر 1944، وذلك على خلفية تصفية مؤسس الحركة إبراهام شتيرن على يد قوات الانتداب البريطاني عام 1942.

وتعد من أبرز جرائم تلك العصابة مذبحة قرية دير ياسين عام 1948، والتي كانت في ذلك الوقت تحت قيادة إسحاق رابين الذي أصبح فيما بعد رئيسًا للوزراء ورئيسًا لحزب الليكود اليميني خلفًا لمناحم بيجن.

بن جوريون وجولدمائير
بن جوريون وجولدمائير

الليكود وعصابات الجريمة المنظمة

نشأ الليكود على أنقاض عصابات دينية يمينية مسلحة، لكنه لاحقًا وسع دائرة عضويته في بداية الألفية لتشمل أعضاء في العصابات الإجرامية أو ما يسمى المافيا الإسرائيلية المسؤولة عن الجريمة المنظمة داخل البلاد.

فعلى سبيل المثال انضمت "إنبال غافريلي" إلى الحزب عام 2003، وسرعان ما حجزت مقعدًا لها في الكنيست، وتعد "غافريلي" سليلة عائلة متورطة بالكامل في الجريمة المنظمة مثل تجارة الممنوعات وتهريب المخدرات والقتل وإدارة كازينوهات القمار وغيرها، وحاولت مرارًا وتكرارًا استغلال حصانتها البرلمانية في حماية عائلتها ومنع تفتيش أوكار والدها.

عصابات كاهانا ونشأة الأحزاب اليمينية

في بداية السبعينيات بزغ نجم حاخام أمريكي يدعى مائير كاهانا، سبق له أن انضم إلى حركة بيتار التي أسسها جابوتنسكي مؤسس الحركة الصهيونية التصحيحية، والتي انبثقت منها عصابة الأرجون ولاحقًا حزب الليكود.

يعد كاهانا الجناح الأكثر تشددًا في اليمين الديني اليهودي، فنظرًا لنشاطاته الإرهابية لم تطق المباحث الفيدرالية الأمريكية وجوده داخل الولايات المتحدة، مما دفعه إلى الهجرة إلى إسرائيل عام 1971، وبعدها بسنة تقريبًا ضُبط موقع خاص بكاهانا بالقرب من قاعدة عسكرية إسرائيلية في تل أبيب به أسلحة ومتفجرات جمعت خصيصًا لتنفيذ أعمال إرهابية في الولايات المتحدة ضد السفارات والوفود العربية في واشنطن.

ولاحقًا أسس "حزب كاخ" في السبعينيات، والذي كان معبرًا عن الحالة المتطرفة لليهود والحركة التصحيحية اليهودية، وفي عام 1984 فاز بمقعد في الكنيست، مما مكنه من محاولة تمرير العديد من التشريعات المتطرفة مثل فرض ضرائب عبودية على المسلمين والمسيحيين العرب، كما تقدم بمشروع قانون يجرّم زواج اليهودي بغير يهودية، وتكون عقوبة من يفعل ذلك السجن 50 عامًا، أما من تربطه علاقة بغير يهودي فتكون عقوبته 5 سنوات، كما تقدم بمشروعات لتفجير المسجد الأقصى. ونظرًا لحالة الغلو في تطرفه تم حظر حزبه ومنعه من المشاركة في الانتخابات عام 1988، واغتيل لاحقًا عام 1990 على يد مصري مقيم بأمريكا يدعى السيد نصير.

اسحاق رابين 
اسحاق رابين 

ميراث كاهانا

رغم حظر نشاط كاهانا ووصم حزبه بالإرهاب في إسرائيل وأمريكا، إلا أن ميراث كاهانا الفكري والتنظيمي ما زال حاضرًا وبقوة في المشهد السياسي والعصاباتي في تل أبيب.

فعلى سبيل المثال تنشط حاليًا مجموعة (عصابة) يهودية تدعى "شباب التلال"، تأسست عام 1998 لتحتل مناطق التلال في غور الأردن والضفة الغربية للتضييق على السكان المحليين الفلسطينيين، وذلك بإيعاز من وزير الأمن القومي وقتها أرئيل شارون.

تؤمن حركة شباب التلال بأفكار كاهانا فيما يخص إنشاء مملكة داود وضرورة طرد الدخلاء الفلسطينيين، وبناء بؤر استيطانية في المنطقة (ج) من الضفة الغربية التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي تمامًا، ومنع تمدد الفلسطينيين فيها، ونجحت الحركة في بناء 170 بؤرة استيطانية وتنفيذ أكثر من ثلاثة آلاف عملية إرهابية بحق الفلسطينيين. وجدير بالذكر أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية سموتريتش تربطهما علاقات وثيقة بالحركة وتشعباتها، فضلًا عن انخراطهما في العديد من العمليات الإجرامية المنسوبة للحركة، كما تم توقيفهما أكثر من مرة على خلفية تلك الجرائم.

نتنياهو
نتنياهو

ومن حركة شباب التلال انطلقت العديد من التنظيمات والعصابات والحركات الأخرى مثل:

حركة دفع الثمن: نشأت عام 2008 وتهدف إلى تشريد الفلسطينيين وطردهم من قراهم ودفع ثمن إزالة المستوطنات الإسرائيلية من غزة.

حركة أرض إسرائيل: يتولى قيادتها الحاخام أفراهام ساغرون.

حركة درب الحياة: يتولى قيادتها الحاخام إسحق غينزبورغ.

حركة نواة المدينة العبرية: يتولى رئاستها مائير بلتر.

كتائب الصحراء: وهي وحدة أسسها الجيش الإسرائيلي من عناصر حركة شباب التلال، هدفها تنفيذ عمليات مشتركة مع الجيش في مناطق غور الأردن، وذلك لخبرتهم الواسعة بتضاريس المنطقة.

حركة نحالا: تأسست عام 2005 وتهدف إلى توسيع دائرة المستوطنات الإسرائيلية القائمة.

تنظيم تمرد: أسسه مئير إتينغر حفيد مائير كاهانا، ويعد أبرز التنظيمات إرهابًا وتطرفًا.

كتيبة "نيتساح يهودا": تتبع لواء كفير وتأسست عام 1999.

كما تنشط العديد من التنظيمات الأخرى الممارسة للأعمال الإرهابية مثل حركة "لاهافا" و"لافاميليا" التي تعد في الأساس رابطة مشجعي نادي بيتار القدس، ومن الملاحظ من اسم النادي أنه يعبر عن أفكار جابوتنسكي ومائير كاهانا.

عصابات الحريديم

بالإضافة إلى عصابات اليمين المتطرف وعصابات ما قبل التأسيس وعصابات المافيا، تنشط أيضًا عصابات الحريديم المتعلقة بالمجتمع الحريدي الإسرائيلي المتزمت دينيًا، إذ وضعت تلك العصابات نفسها بمثابة الحامي للدين والداعي إلى الخلاص. ومن أبرز تلك العصابات عصابة "مشميرت تسنيات" التي تهتم بنشر دوريات تحث على العفة والحشمة، وأيضًا تنشط عصابات "سيكريكيم" المنتمية بشكل غير مباشر لحركة "ناطوري كارتا" المعارضة للفكر الصهيوني ولإقامة الدولة اليهودية في الوقت الحالي.

الغرض من تشريع "تسفيكا فوغل"

يسود غموض كبير حول التشريع الذي تقدم به النائب المتطرف تسفيكا فوغل، إذ من الممكن في حال تمرير القانون أن يتم استخدامه ضد ما يسمى رديف الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حركة شباب التلال، والتي سبق أن وصمها رئيس الوزراء الأسبق والمنتمي لحزب العمل "إيهود باراك" بأنها جماعات إرهابية يهودية.

لكن قد تكون حسابات فوغل ومن ورائه حزب "عوتسما يهوديت" غير ذلك، وأبرزها على الإطلاق هو تنامي وتصاعد دور اليمين الديني المتشدد، الذي نجح خلال الانتخابات الماضية في الحصول على 14 مقعدًا من أصل 120، وهي نسبة ليست بالقليلة في سياق الانتخابات الإسرائيلية، ومن المحتمل أن تتصاعد حظوظ اليمين أكثر فأكثر خلال الانتخابات المقبلة في ضوء نتائج حرب غزة والنهم الاستيطاني في الضفة وغزة الذي يروج له اليمين الإسرائيلي.

أي أن المكتسبات السياسية لليمين خلال السنوات الماضية والمقبلة ستوفر له الأمان النسبي بعدم استخدام ذلك القانون في حال إقراره تجاه رديفه من العصابات المتطرفة.

وختامًا، يمكن فهم مشروع القانون في إطار سعي اليمين المتطرف لاحتكار القوة داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، فالقانون (حال تمريره) في ظل سيطرة اليمين على وزارة الأمن القومي (إيتمار بن غفير) سيكون بمثابة سلاح سياسي يمكن استخدامه ضد المناوئين من أحزاب المعارضة، ومنعها من إنشاء رديف عصابات لها، وربما يكون أيضًا وسيلة للحشد السياسي والتمويل الانتخابي من خلال الضغط على العصابات بكافة أشكالها من أجل دعم فريق معين سياسيًا وماليًا.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء