رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اتفاق غزة.. زيارات مكوكية لوضع ترتيبات المرحلة الثانية

وزير الخارجية الأمريكي
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في تل أبيب

بانتظام عملية تسليم الرهائن ورفات الأسرى بين إسرائيل وحركة حماس، تكون المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الموقع في شرم الشيخ في 9 أكتوبر الماضي، على وشك الانتهاء.

يسود قلق حاليًا حول ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق غزة، والتي تشمل العديد من النقاط المهمة التي من شأنها تغيير مستقبل منطقة الشرق الأوسط تمامًا، إذ من المؤكد أن تخلق ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار توازنات جديدة في المنطقة، لذا تسعى كل دول المنطقة إلى تضمين رؤيتها ضمن تلك الترتيبات.

الرئيس أردوغان في ضيافة الأمير تميم بن حمد 
الرئيس أردوغان في ضيافة الأمير تميم بن حمد 

ويأتي على رأس تلك الترتيبات مستقبل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وموقف تلك الترتيبات من بقاء مقاتليها داخل القطاع، فضلًا عن سلاح المقاومة المتشعب ما بين سلاح ثقيل وسلاح خفيف، وأخيرًا الإدارة المنوط بها إدارة القطاع بمعاونة قوة دولية تُجرى تشاورات دولية حاليًا حول سبل تشكيلها والصلاحيات المنوط بها.

وفي إطار ذلك، تشهد المنطقة تحركات مكوكية يقودها مبعوثون دوليون ورؤساء استخبارات، هدفها وضع اللمسات النهائية لترتيبات المرحلة الثانية. فإسرائيل – على سبيل المثال – خلال اليومين الماضيين شهدت زيارة مبعوثي الولايات المتحدة "جاريد كوشنر" و"ستيف ويتكوف"، وأخيرًا نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "جيه دي فانس"، وأخيرًا رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد. فضلًا عن زيارة وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو خلال الساعات الماضية تل أبيب.

وعلى جانب آخر، استقبلت القاهرة الساعات الماضية، كلًّا من نائب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية حسين الشيخ، ومدير المخابرات العامة الفلسطينية اللواء ماجد فرج، في حين استقبل الأمير القطري تميم بن حمد، في الدوحة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كما التقى كل من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، العديد من قيادات حركة حماس في الدوحة، وعلى رأسهم محمد إسماعيل درويش، رئيس المجلس القيادي للحركة، بالإضافة إلى العديد من القيادات مثل خالد مشعل، وزاهر جبارين، وسامي خاطر، ونزار عوض الله.

وفي سياق موازٍ، تحددت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إلى واشنطن خلال الفترة من 15 إلى 20 نوفمبر المقبل، في ظل تواتر تكهنات حول تحفظ الرياض على اتفاق غزة الأخير. وتأتي تلك الزيارة أيضًا في إطار تلويح إدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بإمكانية توسيع اتفاقيات إبراهام لتشمل السعودية خلال الفترة المقبلة، واتجاه نتنياهو لتبكير موعد انتخابات الكنيست للاستفادة من زخم الاتفاقية في التأثير على حظوظه في الانتخابات المقبلة.

لقاء خالد مشعل بالرئيس أردوغان
لقاء خالد مشعل بالرئيس أردوغان

أهداف تلك الزيارات

تدور تلك الزيارات وكأنها في لعبة كراسي موسيقية، فكل طرف يسعى جاهدًا إلى تثبيت رؤيته وتبنيها خلال المرحلة الثانية من اتفاق غزة. فترتيبات المرحلة الثانية سيُبنى عليها تموضع جيوسياسي جديد لكافة الدول، خاصة إسرائيل ومصر وتركيا، لذا تحاول كل دولة أن تتماشى تلك الترتيبات مع رؤيتها السياسية والاستراتيجية. ويمكن تلخيص أهداف تلك الزيارات في النقاط التالية:

تثبيت التهدئة:

استيقظ العالم صباح 19 أكتوبر الماضي على خرق اتفاق وقف إطلاق النار بشن غارات إسرائيلية على مناطق جنوب ووسط قطاع غزة بعد ادعاء إسرائيلي بقيام مقاتلي حماس بتدمير مركبة عسكرية إسرائيلية صباح ذلك اليوم.

ومنذ ذلك اليوم، توالت الزيارات المكوكية للمبعوثين الأمريكيين ونائب الرئيس الأمريكي ووزير الخارجية من أجل حث إسرائيل على ضبط النفس وتثبيت التهدئة.

كما جاءت زيارة رئيس المخابرات المصرية لتل أبيب لأجل وقف التصعيد بين الطرفين ومطالبة الجانب الإسرائيلي بفتح معبر رفح وإدخال المساعدات الإنسانية، في حين أن وتيرة إدخال الشاحنات والقوافل تسير بوتيرة بطيئة للغاية، على عكس ما كان متفقًا عليه في الاتفاق، كما تعرض المعبر للإغلاق يومًا كاملًا على هامش الغارات الأخيرة.

تقليل الهوة بين الطرفين:

يسود مناخ من عدم الثقة المتبادل والارتياب حاليًا بين إسرائيل وحركة حماس، ومن هنا يأتي دور الوسطاء والضامنين لاتفاق غزة، خاصة الدور المصري في تجسير تلك الهوة ونقل الرسائل بشفافية. فخلال زيارة رئيس المخابرات المصري لتل أبيب، اشتكت تل أبيب من تلكؤ حركة حماس في تسليم الجثامين ومحاولة اكتساب أكبر وقت ممكن، في حين أن الحركة تواجه صعوبات في استخراج الجثامين من تحت الأنقاض، وأن الأمر يتطلب وقتًا.

كبح جماح إسرائيل:

خلال الأيام الماضية، انبرت قوى اليمين الإسرائيلي في المطالبة بفرض السيادة الإسرائيلية كاملة على الضفة الغربية، وهو ما تتخوف منه واشنطن، إذ ترى أن تلك الخطوة سوف تؤلب دول المنطقة على إسرائيل وأمريكا. لذا جاءت تصريحات المسؤولين الأمريكيين، بدءًا من الرئيس دونالد ترامب وحتى وزير الخارجية، لتؤكد رفض واشنطن لتلك الخطوة.

فواشنطن ترى ضرورة كبح الجماح الإسرائيلي حاليًا لأجل إتمام المرحلة الانتقالية والمرحلة الثانية من اتفاق غزة وتحسين صورة إسرائيل الدبلوماسية في العالم.

طمأنة الجانب الإسرائيلي:

الزيارات الأمريكية المتواترة هدفها بالأساس زيادة طمأنة الجانب الإسرائيلي، فمنذ إدارة هاري ترومان (1945 ــــ 1953) لم تحظَ أي إدارة أمريكية بثقة كاملة ومطلقة من قبل إسرائيل كإدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. فخلال مؤتمر شرم الشيخ الماضي، لم تحضر إسرائيل واكتفت بحضور أمريكا نيابةً وضامنةً عنها.

لذا تأتي كل تلك الزيارات من أجل زيادة طمأنة الجانب الإسرائيلي بأن أي ترتيبات مستقبلية لن تحيد عن المصالح والأهداف الإسرائيلية.

حل النقاط الخلافية:

تأتي أيضًا تلك الزيارات من أجل حل النقاط الخلافية الخاصة بمسألة مستقبل حركة حماس وسلاحها، فمن المؤكد أن زيارة رئيس المخابرات المصري جاءت ضمن الجهود المصرية في حل تلك النقطة، وعلى جانب آخر جاءت زيارة حسين الشيخ، نائب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، من أجل بحث مسألة مستقبل إدارة القطاع وسبل تشكيل اللجنة المنوط بها إدارته.

اكتساب نقاط متقدمة في المنطقة:

يأتي الدعم التركي لحركة حماس، والتقاء رئيس مخابراتها ووزير خارجيتها بوفد الحركة المقيم في قطر، من أجل احتفاظ تركيا بموطئ قدم لها في المنطقة، خاصة جنوب إسرائيل وشمالي مصر. فتركيا تروج حاليًا لمسألة دعم الحركة لأجل موازنة الدور الأمريكي الداعم لإسرائيل.

نتنياهو
نتنياهو

بعد الجولات الأخيرة بدأت تتضح ملامح ترتيبات المرحلة الثانية، والتي تقترب بشكل كبير من اتفاقيات أوسلو التي قسمت الضفة الغربية إلى شطائر تسيطر إسرائيل على أغلبها، وتركت جزءًا يسيرًا (18% من مساحة الضفة الغربية) تحت سيادة السلطة الوطنية الفلسطينية.

لذا من المحتمل أن تشهد غزة المصير ذاته عبر تقسيمها إلى شطائر آمنة – أكثر من 50% من مساحة القطاع تحت السيادة الإسرائيلية – وشطائر غير آمنة تحت سيادة حماس أو أي جهة أخرى. ويرى نائب الرئيس الأمريكي أن تلك السياسة من شأنها التضييق الجغرافي على حماس وانعدام مناورتها المستقبلية في أية حرب محتملة، ومن ثم القضاء عليها نهائيًا ونزع سلاحها.

وجدير بالذكر أن تلك الخطة تأتي في إطار خطة اليمين الصهيوني المتطرف لإعادة بناء المستوطنات من جديد داخل قطاع غزة، فإسرائيل عسكريًا تسيطر على 53% من مساحة القطاع، ومن المحتمل أن تبقي تلك المنطقة تحت السيادة العسكرية مستقبلًا، وهو ما يسهل عملية البناء لاحقًا. وإمعانًا في تنفيذ ذلك المخطط المركب، أوضح جاريد كوشنر أن تلك المنطقة الآمنة التي تسيطر عليها إسرائيل هي التي ستحظى بتمويلات إعادة الإعمار، وأن تلك الأموال لن تذهب مطلقًا إلى المنطقة الأخرى المسيطر عليها من قبل حماس.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء