رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وسط مخاوف واشنطن: طهران تعيد هندسة نفوذها في العراق

 محمد شياع السوداني
محمد شياع السوداني في ضيافة المرشد الإيراني

في ظل تراجع نفوذ إيران في المنطقة بعد إضعاف أذرعها خلال الأشهر الأخيرة وتعرضها لضربات مكثفة، تسعى طهران إلى إعادة هيكلة وجودها، خاصة في العراق التي تعد دولة محورية ومركزية بالنسبة لإيران، ما دفعها إلى توقيع اتفاق أمني مع بغداد بهدف ضبط الحدود. 

وتم توقيع الاتفاق بشأن التنسيق الأمني للحدود المشتركة بين البلدين خلال زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بغداد في أغسطس الماضي، مع مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، بحضور رئيس وزراء العراق محمد شياع السوداني، في ظل تأكيد من الجانبين على ضرورة تطوير العلاقات وتعزيز الشراكات في مختلف الصعد والمجالات.

وتبدو رغبة إيران في سرعة تنفيذ الاتفاق واضحة، إذ دعا رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال استقباله قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي في طهران، إلى ضرورة تنفيذ الاتفاق الأمني الموقّع بين البلدين، واعتبر أن هذا التفاهم يشكل مقدمة لتحرك جاد نحو تحقيق أمن مستدام وطويل الأمد لكلٍّ من إيران والعراق والمنطقة بأسرها، وفق ما نقلته وكالة "تسنيم" الإيرانية.

ولم يُخفِ "قاليباف" دوافعه للمطالبة بالإسراع في تنفيذ الاتفاق، إذ ربط أهميته في هذا التوقيت بما وصفه بـ"الخطر الصهيوني"، حيث اعتبر أن الظروف الراهنة في المنطقة بعد حرب الاثني عشر يومًا، وعمليات "طوفان الأقصى" وما تبعها، تُظهر أن الخطر الذي يشكله الكيان الصهيوني بدعم أمريكي أصبح أكبر من أي وقت مضى، مشيرًا إلى إدراك الدول الإسلامية لحجم التهديد بعد قصف قطر، وهو ما يستدعي حضور الدور "الإيراني - العراقي"، وفق قوله.

مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي في ضيافة وزير الخارجية الإيراني 
مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي في ضيافة وزير الخارجية الإيراني 

هيكلة النفوذ.. وقلق واشنطن

في ظل مساعي طهران إلى تعزيز نفوذها بشكل رسمي بعد تآكل النفوذ غير الرسمي، حيث تم إضعاف الوكلاء في كل من لبنان وسوريا واليمن، وفي العراق تم تحجيم الميليشيات الموالية لإيران عبر إجراءات رسمية اتخذتها حكومة محمد شياع السوداني، أبدت واشنطن قلقها من الخطوة "الإيرانية - العراقية"، والتي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية خطوة لمد النفوذ مجددًا في الوقت الذي تعمل فيه على تقويضه.

وعبّرت تامي بروس، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، عن القلق الأمريكي من الاتفاقية بشكل معلن، حيث أكدت أن واشنطن تعارض أي تشريع يتعارض مع أهداف الشراكة والمساعدة الأمنية الثنائية، معتبرة أن ذلك يتناقض مع جهود تعزيز المؤسسات الأمنية العراقية القائمة. وجاءت تصريحات "بروس" بعدما أعربت واشنطن عن قلقها بشأن قانون الحشد الشعبي (الموالي لإيران) الذي يعمل على شرعنة التنظيم الإداري له.

ويأتي الاعتراض الأمريكي كاشفًا لإدراك واشنطن لأهداف إيران من الاتفاق الأمني الجديد وترسيخه لنفوذ رسمي لإيران، ما قد يجعل العراق مجرد دولة تابعة، وهو ما عبّرت عنه "بروس" بقولها: "واشنطن تدعم السيادة العراقية الحقيقية، وليس التشريعات التي من شأنها أن تحوّل العراق إلى دولة تابعة لإيران، وأن مستقبل الأوطان يجب أن يكون بأيدي شعوبها، وبالتأكيد فإن هذا التوجّه، كما أوضحنا، يتعارض مع التزامنا العام تجاه الأمن".

قاسم الأعرجي في ضيافة رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية
قاسم الأعرجي في ضيافة رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية

وما يعزز وجهة النظر الأمريكية هو عدم اعتراض واشنطن على اتفاقية سابقة وقّعتها إيران مع العراق في مارس 2023، والتي هدفت إلى تعزيز التنسيق في حماية الحدود المشتركة، إلى جانب توسيع مجالات التعاون الأمني بين البلدين، ونزع سلاح المجموعات الانفصالية المسلحة في إقليم كردستان، وإخلاء الثكنات العسكرية التابعة لها، وهي الاتفاقية التي اعتُبرت واضحة وصريحة وتتعلق بمجاميع معارضة، وتعد من الشؤون الداخلية للدول، ولذلك لم يُسجل أي اعتراض من جانب واشنطن حينها.

لكن العراق رد على تصريحات "بروس" مؤكدًا أنه "دولة ذات سيادة كاملة، وله الحق في إبرام الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وفقًا لأحكام دستوره وقوانينه الوطنية، وبما ينسجم مع مصالحه العليا، وأن قراراته تنطلق من إرادته الوطنية المستقلة، وأن الاتفاقية تأتي في إطار التعاون الثنائي لحفظ الأمن وضبط الحدود المشتركة، وبما يحقق استقرار البلدين وأمنهما، ويخدم أمن المنطقة ككل"، كما أن إيران اعتبرت تصريحات "بروس" تدخلاً في العلاقات الثنائية بين البلدين.

أهداف إيران من الاتفاق

جاء الاتفاق في توقيت تسعى فيه إيران إلى إعادة ترتيب أوراقها، خاصة بعد الخسائر التي تعرضت لها هي ومحورها في فترة ما بعد "طوفان الأقصى"، ولذلك هناك العديد من الدوافع الإيرانية التي تتمثل في:

أولًا: إعادة هيكلة نفوذها في المنطقة عبر أدوات ووسائل رسمية وقانونية، والتقليل من الاعتماد على السياسة "اللادولتية" التي اعتادت إيران عليها في إدارة علاقاتها الإقليمية، حيث إن علاقة طهران مع دول المنطقة اعتمدت في أغلبها على "الميليشيات" وليس الحكومات، وهو ما يمكن اعتباره رسالة لدول الإقليم بإمكانية الشراكة الأمنية المقننة بعيداً عن التدخلات التي ترفضها دول المنطقة.

ثانيًا: السيطرة الأمنية على الحدود الإيرانية مع العراق، حيث إن الاتفاق سيؤمّن ضبط الحدود ومنع الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة من العمل على الشريط الحدودي داخل الأراضي العراقية، وهو ما سيعوّض الدور الذي كانت تلعبه الميليشيات الموالية لإيران.

ثالثًا: ضمان عدم استخدام الأراضي العراقية ضدها، خاصة بعد الاختراقات التي رصدتها إيران في حرب الاثني عشر يوماً عبر الحدود العراقية، وهو ما أكده "لاريجاني" في مقابلة مع التلفزيون الإيراني، إذ قال إن الاتفاق يهدف إلى منع أي جماعة أو جهة أو دولة أجنبية من زعزعة أمنهما المشترك أو استخدام أراضي أي منهما ضد الآخر. وأضاف: "يجب ألا نسمح لأطراف ثالثة بالتسلل أو الإخلال بأمن بلدينا".

رابعًا: تطويق النفوذ الأمريكي في العراق أو تحقيق توازن في الشراكات الأمنية بين العراق وأمريكا وبين العراق وإيران، وذلك في الوقت الذي تدعم فيه إيران القوى العراقية المطالبة بإنهاء وجود القوات الأمريكية داخل الأراضي العراقية واعتبار وجودها انتقاصًا من السيادة العراقية.

خامسًا: تحقيق إنجاز استراتيجي حال تنفيذ الاتفاق على الأرض، وفرض واقع جديد في الإقليم وفي علاقة إيران مع العراق، بعد تراجع النفوذ عبر الوكلاء والميليشيات.

سادسًا: تحقيق مكاسب اقتصادية في ظل الواقع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه إيران، حيث إن الاتفاق الأمني قد يكون أساسًا للتعاون الاقتصادي بين البلدين، وهو ما أكده "لاريجاني" بأن هناك مفاوضات بشأن التعاون الاقتصادي وإنشاء ممرات تجارية مشتركة.

قاسم الأعرجي في ضيافة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني
قاسم الأعرجي في ضيافة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني

انعكاسات الاتفاق على العراق

رغم المكاسب التي تسعى إيران إلى تحقيقها من وراء الاتفاق، فإن هناك مخاوف من الانعكاسات السلبية على العراق، وتتمثل في:

أولًا: عدم اقتصار النفوذ الإيراني على الميليشيات الموالية لها في العراق، بل قد يمتد إلى المؤسسات الأمنية العراقية، خاصة فيما يتعلق بالقرار الأمني في المناطق الحدودية.

ثانيًا: توظيف الأمن العراقي في منع التهديدات التي قد تطال إيران من الأراضي العراقية، ما يجعل المؤسسات الأمنية العراقية جبهات دفاع متقدمة بالنسبة لإيران، في ظل عدم قيام طهران بمهام مماثلة.

ثالثًا: احتمالية تعرض العراق لتوترات داخلية حال مواجهة الأحزاب الكردية لتحقيق أمن إيران دون تدخل مباشر من طهران.

ورغم هذه الانعكاسات السلبية التي قد تعود على العراق بسبب الاتفاق، إلا أن هناك انعكاسات إيجابية حال توظيف الحكومة العراقية للاتفاق بشكل جيد، وتتمثل في:

1-  قدرة العراق على تحجيم الفصائل الموالية لإيران أو أي فصائل أخرى لها أجندات أجنبية، حيث إن الاتفاق يعطيها الفرصة والمبرر للتحرك ضد أي جماعات تحمل السلاح بشكل غير رسمي.

2-  التعهد بمنع التهديدات التي تمثلها القوى المعارضة لإيران ينسف ذريعة طهران بتوجيه ضربات داخل الأراضي العراقية.

ختامًا:

يمثل الاتفاق الأمني بين إيران والعراق تغيرًا في السياسة الإيرانية؛ هذا التغير يتمثل في الأدوات ووسائل تحقيق النفوذ، ولا يمثل تغييرًا في الهدف، إذ تسعى إيران إلى تقنين نفوذها في دول الجوار ومنحه غطاءً شرعيًا في ظل تآكل النفوذ الذي يعتمد على الوكلاء.

في المقابل، فإن العراق يبدو أمام معادلة صعبة تتمثل في قدرته على توظيف الاتفاق لتحجيم الميليشيات ومنع الذرائع الإيرانية بتوجيه ضربات داخل أراضيه، وبين توظيف إيران للاتفاق لتحقيق النفوذ داخل المؤسسات الرسمية العراقية، خاصة في المناطق الحدودية، وهو ما يتطلب رؤية عراقية للموازنة بين الأطراف الإقليمية والدولية وإدارة علاقاته بما يخدم مصالحه الوطنية.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء