رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد اغتيال القادة.. ما مستقبل البنية العسكرية لكتائب القسام؟

كتائب القسام الجناح
كتائب القسام الجناح المسلح لحركة حماس -أرشيفية

خلال بضع ساعات من عملية رفح، التي وقعت الأحد الماضي وقتل فيها جنديان إسرائيليان، أصدرت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بيانًا قالت فيه إنها ملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 9 أكتوبر الجاري، وأنها لا علم لها بأي أحداث أو اشتباكات جرت في المنطقة، فاتصالاتها بما تبقّى من خلاياها في مدينة رفح مقطوعة منذ استئناف العمليات الحربية في 18 مارس الماضي، ولا تعلم ما إذا كان هناك بقية لخلاياها هناك أم أنهم قُتلوا بالفعل.

وكان السبب الرئيس لإصدار هذا البيان هو التنصّل من خرق وقف إطلاق النار كي لا تتحمّل الكتائب أو حركة حماس مسؤوليته. ومع ذلك، فالجيش الإسرائيلي استغل هذا الحدث لشن سلسلة من الغارات على قطاع غزة خلفت عددًا من القتلى والجرحى. ومن ناحية أخرى، يكشف البيان الأخير جزءًا من أزمة كتائب القسام في الفترة الحالية؛ فرغم تكيفها العملياتي واستمرار خلاياها في العمل القتالي والعسكري طوال عامي الحرب، إلا أن الواقع الحالي يؤكّد أنها تعرّضت لخسائر كبيرة على كافة المستويات. إضافةً إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار المعلن عنه يفترض أن يتناول قضية سلاح حركة حماس، وهو ما يعني ذلك السلاح الموجود لدى كتائب القسام، وهي مسألة محورية بالنسبة لها؛ فالكتائب اكتسبت وجودها وهويتها المميزة من هذا السلاح، ومن ثم فمصيرها ومسارها أيضًا مرتبطان به.

وعلى الجانب الآخر، ترغب الولايات المتحدة وإسرائيل في نزع سلاح حركة حماس، وهذا يعني ضمنًا تفكيك كتائب القسام، وهو ما تقول واشنطن وتل أبيب إنهما لن تقبلا إلا به؛ وبالتالي فمستقبل كتائب القسام سيصوغه الواقع الحالي وكيفية تعاطي الأطراف المنخرطة في تشكيل المشهد الفلسطيني والإقليمي معه.

الواقع طريق المستقبل

يشير الواقع الحالي إلى أن اتفاق غزة هش للغاية ويواجه تحديات الانهيار في أي لحظة، في ظل وجود حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتشددة ورئيس وزرائها المأزوم الذي يدرك أن شمسه السياسية غربت وأن سبيله للمضي قُدُمًا مواصلة الاستثمار في الأزمة. وهذا الواقع يعني أن احتمالية تجدد القتال قائمة، على الأقل في المرحلة الحالية، وأن الوصول لتثبيت وقف إطلاق النار والهدوء المستدام كما يسميه الوسطاء الضامنون لاتفاق وقف إطلاق النار ليس أمرًا سهلًا على الإطلاق، وسيتطلب كثيرًا من الضغوط والجهد على مختلف الأصعدة ومزيدًا من التنازلات من الطرفين.

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

ويُفرِض هذا الواقع بإكراهاته على كتائب عز الدين القسام أن تضطلع بمهام خاصة في الفترة الحالية، منها عملية إحكام السيطرة على الأمن الداخلي وتصفية الميليشيات التي هندستها إسرائيل خلال الحرب، وأن تعمل على إعادة بناء نفسها وترميم جزء مما فقدته طوال عامين من القتال المستعر، مع الإقرار بأن عودة الكتائب للوضع الذي كانت عليه صبيحة 7 أكتوبر 2023، حين شنت عملية "طوفان الأقصى"، لن يكون ممكنًا في المدى المنظور. ففضلاً عن الوضع الجديد الذي خلّفته الحرب ومسألة نزع السلاح ومشكلاتها المعقدة، تحتاج عملية استعادة قدرات كتائب القسام إلى سنوات طويلة قد تصل إلى 20 عامًا أو أكثر، وهذا على فرض أن الظروف مهيأة داخليًا في قطاع غزة وإقليميًا في المنطقة ككل، وهو أمر عسير أو شبه مستحيل في الظرف الحالي.

بنية القسام العسكرية وحجم الخسائر

ولإدراك الوضع الحالي يجب تسليط الضوء على بنية كتائب القسام الهرمية وحجم الخسائر التقديرية في صفوفها خلال عامي الحرب، وبالطبع الجزم بحجم الخسائر أو ما تبقّى من القدرات القتالية والعسكرية للكتائب سيكون أمرًا متعسرًا حاليًا نظرًا للطبيعة السرية لها واضطرارها إلى ممارسة مزيد من التعتيم والسرية على تلك القدرات والأنشطة الخاصة بها للظروف التي تمر بها الآن.

وقبل 7 أكتوبر 2023، نجحت كتائب القسام في الوصول إلى أقصى حد ممكن في تطوير قدراتها من كل النواحي التنظيمية والعسكرية؛ فالكتائب تطورت كجناح مسلح لحركة حماس منذ تأسيسها كخلايا صغيرة ومتفرقة في تسعينات القرن الماضي إلى مجموعة شبه عسكرية أقرب للجيوش النظامية، تتكون من هيئة أركان تمثل القيادة العسكرية العليا المعروفة أيضًا بالمجلس العسكري للقسام، وتتكون الهيئة من 12 عضوًا برئاسة القائد العام أو رئيس الأركان. ويشغل عضويتها نائب القائد العام، وقائد ركن/شعبة العمليات، ومسؤولو أركان الكتائب الآخرون كمسؤول القوة البشرية، ومسؤول الأسلحة والخدمات القتالية، ومسؤول شعبة الاستخبارات العسكرية، ومسؤول التدريب العسكري، ومسؤول الدعم اللوجستي، بالإضافة إلى قادة الألوية الإقليمية.

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

وبلغ عدد الألوية الإقليمية للقسام 5 ألوية، هي: لواء الشمال، ولواء غزة، ولواء الوسطى، ولواء خان يونس، ولواء رفح، ويتكون كل لواء من كتائب، وعددها إجمالًا 24 كتيبة؛ 6 منها في لواء الشمال وتضم كتيبة بيت حانون، وكتيبة بيت لاهيا، وكتيبة الخلفاء الراشدين في معسكر/مخيم جباليا، وكتيبة الشهيد سهيل زيادة شرق جباليا، وكتيبة عماد عقل في غربي جباليا، وكتيبة جباليا البلد. وبجانب هذه الكتائب توجد مجموعات لقوة النخبة العسكرية في القسام تابعة للواء الشمال.

وضم لواء غزة 6 كتائب هي: كتيبة صبرا الإسلام في حييِّ الصبرة وتل الهوى، وكتيبة الدرج والتفاح في أحياء الدرج والتفاح، وكتيبة الشيخ رضوان في حي الشيخ رضوان، وكتيبة الشجاعية، وكتيبة الزيتون في حي الزيتون، وكتيبة الشاطئ، ويدعم اللواء مجموعات نخبة أيضًا.

أما لواء الوسطى، المسمّى باسم المحافظة الوسطى في قطاع غزة، والذي يتوسّط ألوية القسام الخمسة ويعد لواءً مركزيًا بين ألوية الشمال والجنوب، فيتكون من كتائب: دير البلح، والبريج، والمغازي، والنصيرات.

فيما ضم لواء خان يونس 4 كتائب موزعة على محاور المدينة الأربعة، وهي شمال وجنوب وشرق وغرب خان يونس، وأخيرًا تشكّل لواء رفح من 4 كتائب هي كتيبة يبنا، وكتيبة الشابورة، وكتيبة تل السلطان، وكتيبة شرق رفح.

وبعض هذه الكتائب تُعرف بأسماء ثانية؛ فمنها ما يُسمى باسم قادة ومقاتلي المقاومة الفلسطينية أو أسماء مستمدة من التاريخ الإسلامي، غير أن هذا لا يغير من العدد المذكور ولا من طبيعة ونوعية القوات المشكلة لهذه الكتائب ولألوية القسام الخمسة.

ودُعم كل لواء من ألوية القسام بمجموعات استخبارات عسكرية واتصالات/إشارة، وحرب إلكترونية (سايبر)، ووحدات سلاح المدفعية بما فيها وحدات الصواريخ، ووحدات الإعلام العسكري. ومن بين الوحدات الخاصة المندرجة ضمن بنية كتائب القسام: وحدة الظل المسؤولة عن الأسرى، ولواء النخبة البحرية، وسرب الطائرات الشراعية الشهير الذي شارك في هجوم 7 أكتوبر 2023 والمعروف بسرب "صقر".

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

القسام وخسائر الحرب

بشكل عام، كانت الحرب الأخيرة ثقيلة الوطأة على كتائب القسام، وكذا الحال على بقية الفصائل الفلسطينية الأخرى؛ فالحرب وُصفت بغير المسبوقة، وكذلك حجم ما تعرّضت له القسام من خسائر يعد غير مسبوق. فعليًا، عادت الحركة سنوات طويلة إلى الوراء وخسرت قادة وكوادر محورية للغاية في مسيرتها الحركية وفي بنيتها التنظيمية، وعلى رأسهم محمد الضيف، قائد هيئة أركان القسام، ونائبه مروان عيسى، ثم قائد هيئة أركان القسام التالي محمد السنوار، شقيق يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحماس السابق، والذي قتل أيضًا خلال الحرب، وعدد من مسؤولي الأركان منهم قائد ركن الأسلحة والخدمات القتالية غازي أبو طماعة، وقائد ركن القوى البشرية رائد ثابت، وقائد منظومة التدريب والتطوير العسكري ومؤسس أكاديمية القسام العسكرية حكم العيسى الفلسطيني الشهير بـ"أبو عمر السوري"، وقائد لواء خان يونس رافع سلامة، وقائد لواء رفح محمد شبانة، وقائد لواء الشمال أحمد الغندور، وقائد لواء الوسطى أيمن نوفل.

ولم يبقَ من قادة المجلس العسكري أو هيئة أركان القسام تقريبًا إلا عز الدين الحداد قائد لواء غزة، والذي يُعتقد على نطاق واسع أنه تولّى مسؤولية القائد العام أو رئيس هيئة الأركان، ولم تعلن "القسام" رسميًا تولّيه المنصب، بل لجأت إلى إخفاء اسمه في مراسلات سابقة مع رئيس أركان القوات اليمنية التابعة لجماعة الحوثي اللواء محمد الغماري، الذي أُعلن عن مقتله مؤخرًا، وهذا إجراء تقليدي ضمن عمليات الأمن العملياتي والحرب النفسية مع الجيش الإسرائيلي.

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

وعلى مستوى قادة كتائب القسام الأربعة والعشرين، قتل عدد منهم خلال الحرب ولا يمكن الجزم بإجمالي من قُتل منهم حتى الآن، وإن جرى تأكيد بعض الأسماء بعد إعلان المقاومة الفلسطينية عن ذلك، منهم رأفت عباس قائد كتيبة الدرج والتفاح وآخرون. فيما كشفت القسام أن بعضًا من سبق إعلان مقتلهم من قبل الجيش الإسرائيلي لم يُقتلوا بالفعل وظهر ذلك في الهدنة الثانية المبرمة من 19 يناير إلى 18 مارس 2023، كأبي حمزة حسين الفياض قائد كتيبة الخلفاء الراشدين في مخيم جباليا التي قدّمت أداءً قتاليًا استثنائيًا للغاية في الحرب الأخيرة مع بقية كتائب جباليا، وقتَلَت تلك الكتائب عددًا من قادة وجنود الجيش الإسرائيلي من بينهم العقيد الدرزي إحسان دقسة قائد اللواء 401 التابعة للفرقة 162 التي عملت في شمال غزة طوال الحرب. وبالتالي يظل الوصول إلى تقدير دقيق بشأن إجمالي الخسائر على مستوى قيادة كتائب حماس الـ24 أمرًا عسيرًا في الوقت الراهن، وبالتأكيد فسيُعلن خلال الفترة المقبلة عن كثير من الأسماء التي قُتلت بالفعل دون إعلان رسمي من حماس أو القسام لاعتبارات عملياتية وتنظيمية ومعنوية.

وتتفاوت التقديرات لحجم الخسائر في صفوف جنود كتائب القسام؛ فالمصادر الإسرائيلية تقدر أنها خسرت أكثر من نصف قواتها العسكرية، أي أنها خسرت على الأقل نحو 15 ألفًا من أصل 25 ألفًا هم القوة الإجمالية التقريبية لها. وتقدّر الاستخبارات الأمريكية أن حماس خسرت رقمًا يزيد عن 10 آلاف بالفعل، فيما زعمت مصادر إسرائيلية من قبل، مثل صحيفة "إسرائيل هيوم"، أن حماس وجناحها العسكري عوّضا الخسائر التي تلقّوها وجندوا نحو 40 ألف مقاتل؛ والحقيقة أن هذا رقم مبالغ فيه للغاية والمبالغة لأغراض استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وخدمة دعاوى الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو بخلاف الواقع.

وقد لا تكون مبالغة إن قلنا إن كتائب القسام خسرت ما بين 70% و80% من إجمالي قوتها العسكرية خلال الحرب الأخيرة. وللتدليل على ذلك ننظر إلى ألويتها الخمسة؛ فقد تعرّضا لوائي الشمال وغزة إلى تدمير كبير، رغم الثبات الكبير والصمود الذي أظهرته كتائب جباليا، وكذلك الحال في لواء رفح؛ وخان يونس مع أن الأخير أقل تضررًا من لواء رفح، لكن نسبة التدمير فيهما تتراوح بين 65% و70%، ويبقى لواء الوسطى، وهو لواء مركزي بالنسبة للقسام كما أسلفنا، الأقل تضررًا، فحجم الضرر الذي تكبّده قد يكون يقارب 60%. ولذا فإن الحملة الإسرائيلية الأخيرة "عربات جدعون 2" قبل وقف إطلاق النار ركّزت العمل على ما تبقّى من كتائب جباليا وعلى تقويض لواء الوسطى، وهي حملة لم تكتمل لظروف إبرام اتفاق المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر الجاري.

وتُدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنها لم تحقق الهدف المرسوم للحرب من البداية وهو تدمير قدرات حركة حماس وجناحها العسكري بالكامل، كما تدرك أيضًا أن تحقيق الهدف يقتضي الاستمرار في الحرب لفترة أطول قد تصل لسنة أو سنتين إضافيتين، وفي هذه الحالة فإن الخسائر التي ستتحقّق على كل المستويات سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا ستكون أكبر وأفدح بالنسبة لتل أبيب. ولذا فالمتوقّع أن تلجأ للبديل المتاح حاليًا، والذي يشمل تنفيذ غارات محدودة لضرب أهداف عالية القيمة كما حدث عقب الخرق الأبرز لاتفاق وقف إطلاق النار، أمس الأول، حين شنت المقاتلات الإسرائيلية غارات على قطاع غزة استهدفت، فيما استهدفت قائد سرية النخبة بلواء غزة في كتائب القسام يحيى المبحوح، وهو أمر متوقع أن يتكرر في الفترة المقبلة على غرار ما يحدث في جنوب لبنان، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف مسرح العمليات ودور الضامنين بين غزة وجنوب لبنان.

 

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

ويشمل الخيار البديل أيضًا الضغط في مسار نزع سلاح كتائب القسام الذي يُشار إليه سياسيًا بـ"سلاح حماس". هذا المسار تكتنفه عوائق عدة منها اختلاف الرؤى لدى الوسطاء بشأنه والصعوبات العملياتية التي ستواجه هذه الخطوة وطبيعة الأدوار التي سيقوم بها كل طرف في عملية نزع السلاح. ولذا فمسألة نزع السلاح وإن نص عليها الاتفاق تبقى غير محددة بالكامل وسيتوجب الإجابة على جملة من الأسئلة قبل الانخراط فيها فعليًا: فمن سينزع هذا السلاح؟ ومن سيحتفظ به أو سيتولى تدميره؟ وكيف سيدار الأمن الداخلي في المرحلة التالية؟ وهل القوة التي ستتشكل بالإضافة إلى القوات الدولية كافية لهذه المهمة أم لا؟

نزع السلاح في مقابل ثوابت المقاومة

وبطبيعة الحال، فإن مسألة نزع السلاح تراها فصائل المقاومة الفلسطينية ومنها حركة حماس بمنظور مختلف؛ فعقب الاتفاق على المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار صدرت تصريحات عن الوفد الحمساوي المفاوض وعلى رأسه خليل الحية، ذكروا فيها أن مسألة السلاح لم تُفاوض عليها وأن السلاح من ثوابت المقاومة الفلسطينية. وهذه التصريحات صحيحة على أساس ما جرى مناقشته في المرحلة الأولى من المفاوضات، إذ اقتصرت العملية التفاوضية على مناقشة وقف إطلاق النار دون التطرّق إلى القضايا المعقدة مثل السلاح والانسحاب الإسرائيلي النهائي وحدوده، لأن هذه القضايا تحتاج وقتًا أطول وكان محتملاً أن تنهار المفاوضات إذا تمسّكت الأطراف المنخرطة فيها بمناقشتها في المرحلة الأولى.

وعلى كلٍ، فالخبرة السابقة تشير إلى أن المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس وذراعها العسكري كتائب القسام ستعمل على ترميم جزء مما فقدته في الحرب الأخيرة؛ وهذا ما تشير إليه المؤسسة الأمنية والحكومة الإسرائيلية. لذا تلوح من آن لآخر فكرة فرض السلام من خلال القوة؛ فطول الأمد دون تحقيق اختراق جوهري في التفاوض على نزع سلاح المقاومة من شأنه أن يجمد الأوضاع الحالية ويُصعّب عملية العودة للحوار، وفي هذه الحالة فسيكون مبدأ نزع السلاح المتفق عليه أقرب لقرار أممي آخر اتُخذ على الجبهة اللبنانية وهو القرار 1701 الذي نص على إزالة الوجود العسكري لحزب الله جنوب نهر الليطاني بعد حرب يوليو 2006، والذي ساهمت الظروف الحاصلة بعد ذلك في عدم تطبيقه، واستغل حزب الله هذا الأمر من أجل تعزيز وجوده جنوب نهر الليطاني على الحدود الشمالية للأراضي المحتلة حتى الحرب الأخيرة، وحتى الآن لا يمكن الجزم بأن كامل وجود الحزب في تلك المنطقة انتهى رغم الإنجاز الكبير الحاصل منذ اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان الموقع في نوفمبر 2024.

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

وهذا السيناريو محتمل في غزة أيضًا، وإن كانت احتماليته ضعيفة لكنها تبقى موجودة، ولذا فالجانبان الأمريكي والإسرائيلي يضغطان بقوة من أجل تسريع عملية نزع السلاح لأنها لو لم تتم بشكل عاجل فهذا يعني أن السلاح الفلسطيني سيبقى أمرًا واقعًا، بما يعنيه هذا من تهديد أمني لتل أبيب.

وقد تبدأ عملية نزع السلاح بالفعل، غير أن حسمها تمامًا كما تريد إسرائيل بحيث لا يبقى في القطاع سلاح مهدد لها لن يكون أمرًا سهلًا وتكتنفه العديد من التعقيدات؛ فبدون وجود إرادة داخلية من كتائب القسام وحركة حماس فلن يتم الأمر.

إعادة بناء حتى يتبدى واقع جديد

وفي الوضع الراهن، فإن المقاتلين على الأرض، والذين عملوا خلال فترة الحرب بشكل لا مركزي، لن يقبلوا بإلقاء السلاح أو تسليمه؛ فالجانب الإسرائيلي غير مضمون وله تاريخ طويل من نقض الاتفاقات حتى بعد توكيدها والتصديق عليها. والمثال الأقرب، أعني الجبهة اللبنانية، حاضر بقوة؛ فهناك أكثر من 500 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار حتى الآن، ومع هذه الخروقات مئات القتلى من كوادر حزب الله والمدنيين. ومع كل هذه الخروقات فلا يتحدث الوسطاء الضامنون للاتفاق (أمريكا وفرنسا) إلا عن مسألة نزع سلاح حزب الله، فيما يرى الأخير أن نزع السلاح سيعني إنهاء وجوده تمامًا فهو لا يقبل بذلك ولو اضطره الأمر لخوض معركة كربلائية، كما سبق أن لوّح الأمين العام للحزب نعيم قاسم.

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

والواقع ليس مختلفًا كثيرًا على جبهة غزة، فمنذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر وحتى الآن حدث نحو 52 خرقًا من الجانب الإسرائيلي لوقف إطلاق النار، أي بمعدل 10 خروقات يومية تقريبًا للاتفاق، وتشمل تلك الخروقات إعاقة دخول المساعدات الإنسانية وإغلاق المعابر وشن غارات وضربات إسرائيلية ضد أهداف في قطاع غزة وغيرها من الخروقات. ولو أضفنا إلى ذلك ما ألمح إليه الرئيس الأمريكي في 21 أكتوبر الجاري من عرض إحدى الدول الإقليمية إرسال قوات لغزة من أجل "تأديب حماس" وأنه رأى إمهال الحركة فترة من الوقت لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه وإلا فإنه سيتم التعامل معها بوحشية وعنف، فهذا يعني أن حماس ومعها كتائب القسام ستتمسّك بالسلاح بشكل أكبر، فالسلاح ضمانة الوجود في هذه الظروف المعقدة، ولو اضطرت الحركة لخوض "معركة كربلائية" في سبيله فستفعل بكل تأكيد؛ فهذه المعارك ستكون معارك وجود لا معارك سلاح فحسب. وما المعارك الكربلائية إلا جزءًا من الحرب الأخيرة، ولعل المشاهد التي بثها الجيش الإسرائيلي في 21 أغسطس الماضي لمقاتلي كتائب القسام وهم يستبسلون في مواجهة الدبابات الإسرائيلية حتى الرمق الأخير أبرز دليل على ذلك.

وفي ضوء هذا الواقع وما يفرِضه من تحديات، فإن حركة حماس وذراعها العسكري كتائب القسام ليس أمامهما خيارات سوى العمل على إعادة بناء قدراتهما بما تيسر من موارد حتى إشعار آخر. وهذا لا يشمل الجانب العسكري فقط، بل الجانب المدني أيضًا. وبما أن التحليل الحالي يتناول الجزء المتعلق بالجناح العسكري فيمكن القول إن الكتائب ستركز على حصر الأضرار في نطاق ما تبقّى من ألوية وكتائب في مناطق قطاع غزة؛ وهذا يشمل الأضرار والدمار في شبكة أنفاقها وقدرات التصنيع العسكري والكوادر البشرية، وستواصل عملية تجنيد مقاتلين جدد. الحرب الأخيرة برهنت على أنها استطاعت القيام بعملية تجنيد واستقطاب حتى تحت القصف المتواصل، وما زال للحركة جزء من الحاضنة الشعبية في قطاع غزة مع ضرورة الإقرار بأن هذه الحاضنة تراجعت كثيرًا مقارنة بما قبل الحرب الأخيرة.

وستتيح عملية التجنيد دفعة جديدة لكتائب القسام لتعويض جزء من خساراتها الكبيرة على مستوى القوة البشرية، غير أن الدفعات الجديدة لن تكون بنفس الخبرة العسكرية والأمنية للكوادر السابقة، وهذا بدا خلال الحرب في مناسبات عدة كشفت وجود ضعف في جانب الأمن العملياتي لدى مقاتلي القسام في بعض المناطق. وهذا الضعف مرتبط بنقص الخبرة مقارنة بأجيال قسامية أقدم كانت لديها خبرات طويلة في الجانبين الأمني والعسكري، دون إغفال أن عوامل أخرى مؤثرة في هذا الضعف منها الواقع الميداني وحجم القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة والجهد الحربي الكبير بما فيه المجهود الاستخباراتي الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا وغربيًا.

وستواصل كتائب القسام حفر الأنفاق، رغم أن عملية نزع السلاح ستركز حتمًا على ملف الأنفاق بشكل أكبر من غيره، وستطلب الأطراف المنخرطة فيها من الحركة تسليم خرائط بالأنفاق لتدميرها. وبالإضافة إلى ذلك فستعمل على تكثيف تصنيع العبوات الناسفة والقذائف المضادة للدروع مستفيدةً من الذخائر غير المنفجرة التي تملأ القطاع، وهذا وإن كان عكس ما تقتضيه عملية نزع السلاح المفترضة إلا أنه يبقى الخيار المنطقي الوحيد لحماس وكتائب القسام في ظل الواقع الملبد بعدم اليقين واحتمالية تجدد القتال في أي وقت حال انهيار الهدنة الحالية.

كتائب القسام - أرشيفية 
كتائب القسام - أرشيفية 

وبدون أدنى شك ستعمل قيادة القسام الحالية على إعادة تأهيل القيادة وتصعيد كوادر جديدة لهيئة الأركان لتتولّى الأركان المختلفة من العمليات والاستخبارات والألوية وغيرها. وسيكون الخيار الأفضل والمتاح حاليًا تصعيد قادة الكتائب الأكفأ ليتولّوا مناصب قيادة الألوية، وكذلك تصعيد قادة السرايا والفصائل إلى المستوى القيادي التالي، مع إيلاء اهتمام كبير للاستعداد لمواصلة العمل بالنمط اللامركزي الذي تفرِضه طبيعة الأوضاع في قطاع غزة حاليًا.

وتشير كل هذه المعطيات والتطورات إلى أن الواقع الحالي، الذي أنتجته الحرب الإسرائيلية بعد عامين من القتال الشرس، هو فشل تل أبيب في تحقيق كامل أهدافها ونجاح حماس في البقاء وإن تم إضعافها إلى أقصى حد ممكن. وهذا يعني أن الانتقال للخطوة التالية لن يكون إلا بتوافق مع الحركة وبقية الفصائل الفلسطينية، وهذه الفصائل مجتمعة جزء من مكونات الشعب الفلسطيني الذي لا يمكن صياغة مستقبله دون مشاركته، وإلا فإن كل الخطط والتصورات ستستحيل أوهامًا تتكسّر على صخرة الواقع العملي الصعب والمعقّد إلى أقصى درجة.

أحمد سلطان*

باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء