ترامب وحرب المخدرات.. كولومبيا وواشنطن على مفترق طرق
في تصعيد جديد للتوترات بين واشنطن وبوجوتا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأحد 19 أكتوبر 2025، وقف جميع أشكال الدعم والمساعدات المالية المقدمة إلى كولومبيا، متهمًا الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو بالتقاعس في محاربة إنتاج المخدرات، ومشيرًا إلى أن الدعم الأمريكي تم استغلاله لنهب الولايات المتحدة على مدى سنوات.
حذر ترامب نظيره الكولومبي بيترو من أن الولايات المتحدة "ستتدخل بنفسها" لإغلاق ما وصفها بـ"حقول القتل" إذا لم تبادر الحكومة الكولومبية إلى ذلك، مضيفًا أن بلاده "لن تقدّم بعد اليوم أي شكل من أشكال الدعم أو المدفوعات لكولومبيا".
وصفت الحكومة الكولومبية تلك التصريحات بأنها إهانة لسيادة البلاد وكرامة شعبها، وأعلنت استدعاء سفيرها في واشنطن للتشاور، فيما أكد الرئيس بيترو أن بلاده لن تُبتز سياسيًا، وأن التعاون مع الولايات المتحدة يجب أن يقوم على أساس الاحترام المتبادل لا التهديدات.

من التعاون إلى التوتر
لطالما شكلت العلاقات بين كولومبيا والولايات المتحدة نموذجًا لما تسميه واشنطن بـ"الشراكة الإقليمية المثالية". وبموجب "خطة كولومبيا" التي أطلقتها إدارة بيل كلينتون عام 2000، حصلت كولومبيا على أكثر من 10 مليارات دولار من المساعدات، ركزت معظمها على مكافحة تهريب المخدرات ومواجهة الجماعات المسلحة.
ومع مرور الوقت، تحول التعاون ليشمل دعمًا اقتصاديًا ومؤسساتيًا، خاصة بعد توقيع اتفاق السلام مع حركة "فارك" عام 2016، حيث كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) من أبرز الفاعلين في المناطق الريفية عبر دعم مشاريع الزراعة البديلة والتنمية المحلية.
لكن منذ وصول الرئيس الحالي، أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا الحديث، إلى الحكم عام 2022، بدأت ملامح الفتور تظهر على العلاقة، لا سيما مع توجهاته التي تنادي بإنهاء الحرب على المخدرات وتبني مقاربات أكثر اجتماعية وإنسانية تختلف جذريًا عن النهج العسكري التقليدي المدعوم أمريكيًا.
أبعاد القرار الأمريكي: ضغط أم عقوبة سياسية؟
تزعم الإدارة الأمريكية أن قرار تعليق المساعدات إلى كولومبيا جاء نتيجة تدهور التنسيق الأمني بين الجانبين، وتراجع فاعلية جهود مكافحة تهريب الكوكايين عبر الحدود الأمريكية. فيما نقلت مصادر في البيت الأبيض رؤية مغايرة، مؤكدة أن ترامب اتهم الحكومة الكولومبية بعدم الالتزام بخطط التعاون المشتركة، وسط تزايد النشاطات المرتبطة بزراعة الكوكا وتراجع فعالية الضبط الأمني في بعض الأقاليم الكولومبية.
هناك بعد سياسي يتجاوز الملف الأمني، فالقرار يأتي في سياق أوسع من التحولات الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية. فالرئيس الكولومبي الذي يمثّل تيارًا يساريًا تقدميًا يسعى منذ توليه السلطة إلى إعادة رسم سياسة بلاده الخارجية من خلال بناء علاقات أوثق مع دول تعتبرها واشنطن خصومًا استراتيجيين، مثل فنزويلا وكوبا، بالإضافة إلى التقارب مع الصين وروسيا في مجالات اقتصادية واستثمارية.
التصريحات الأخيرة للرئيس ترامب، التي اتهم فيها بيترو صراحةً بأنه "زعيم مخدرات غير شرعي"، فجّرت موجة من الغضب في الأوساط السياسية الكولومبية. ووصفت وزارة الخارجية الكولومبية الاتهام بأنه "انزلاق دبلوماسي خطير لا يليق أن يصدر عن رئيس دولة صديقة يفترض أن تجمعها شراكة استراتيجية مع كولومبيا".
وتُطرح تساؤلات حول ما إذا كان القرار الأمريكي مجرد إجراء فني ناتج عن تقييم أمني، أم أنه يمثل عقوبة سياسية مقنّعة تهدف إلى عزل الرئيس بيترو إقليميًا، في ظل مواقفه المعارضة لبعض السياسات الأمريكية، لا سيما في ملفات الهجرة والعلاقات العسكرية والتدخلات الخارجية.

هل تخسر واشنطن حليفها الأهم في أمريكا اللاتينية؟
خلال الحرب الباردة كانت كولومبيا أبرز قاعدة إقليمية لسياسات الولايات المتحدة الأمنية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية. لسنوات، اعتُبرت كولومبيا رأس الحربة في مواجهة المد اليساري في القارة، ومركزًا مهمًا لتبادل المعلومات الاستخباراتية، فضلاً عن كونها شريكًا عسكريًا مفضّلًا ضمن استراتيجيات مكافحة المخدرات والهجرة غير النظامية.
إلا أن قرار تجميد الدعم المالي والمساعدات الأمنية والعسكرية، وما رافقه من اتهامات مباشرة للرئيس جوستافو بيترو، قد أعاد ترتيب أوراق هذا التحالف التقليدي. فواشنطن لم تعد تقدّم حوافز ملموسة كما في السابق، بينما باتت تعتمد بشكل متزايد على لغة التهديد والضغط، في وقت تحاول فيه كولومبيا تعزيز استقلال قرارها السياسي وتنويع شركائها الدوليين.
ويضع هذا التحوّل علامات استفهام كبرى حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على نفوذها في المنطقة، خصوصًا إذا ما قررت كولومبيا – كما ألمح بيترو مرارًا – الانفتاح على تحالفات اقتصادية وأمنية بديلة تشمل الصين وروسيا وبلدان الجنوب العالمي. في المقابل، تواجه كولومبيا تحديات كبيرة في تمويل مشاريع التنمية ودعم مؤسسات الأمن والعدالة، التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الأمريكي، خاصة في مناطق ما بعد النزاع.
قطيعة مؤقتة أم إعادة تموضع استراتيجي؟
الخلاف الحالي يعكس صدامًا بين مقاربتين: واحدة تؤمن بالشراكة المشروطة ضمن هيكل تقليدي للنفوذ، وأخرى تسعى إلى بناء سياسة خارجية قائمة على الاستقلال والتوازن بين القوى الكبرى، بالنسبة للرئيس الكولومبي، فإن التحدي لا يتوقف عند حدود السياسة الخارجية، بل يمتد إلى الداخل، حيث سيُطلب منه الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، خاصة في المناطق الريفية التي استفادت لسنوات من الدعم الأمريكي عبر برامج إعادة الإعمار والزراعة البديلة والاندماج المجتمعي بعد اتفاقات السلام.
في ظل هذا الواقع، تبدو الأسابيع والأشهر المقبلة حاسمة؛ فإذا لم تبادر واشنطن إلى إعادة النظر في خطابها وسياستها تجاه كولومبيا، فإنها قد تجد نفسها أمام خسارة أحد أهم شركائها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، في وقت تسعى فيه قوى أخرى إلى ملء الفراغ.



