مشاريع الهند في أفغانستان: تعاون تنموي أم تطويق استراتيجي لباكستان؟
لا تزال الهند تراقب الوضع في أفغانستان عن كثب، باحثة عن نافذة محتملة للعودة إلى البلد الذي لطالما اعتبرته جزءًا من فضائها الإقليمي الاستراتيجي. ورغم تحفظها الرسمي وعدم اعترافها بحكومة طالبان التي عادت إلى الحكم عام 2021، إلا أن نيودلهي تبدو منفتحة على فكرة الانخراط مجددًا في جهود إعادة الإعمار، ولكن هذه المرة بحسابات أكثر دقة وحذرًا.
خلال العقدين الماضيين، كانت الهند من أبرز الدول الداعمة لأفغانستان على الصعيد التنموي، حيث تجاوز حجم المساعدات التي قدمتها ثلاث مليارات دولار، وتركّزت على مشاريع حيوية في البنية التحتية والتعليم والصحة. ومن أبرز هذه المشاريع مبنى البرلمان الأفغاني في كابول، الذي أصبح رمزًا للتعاون المدني بين البلدين، وسد "سلمى" في ولاية هرات، الذي أُطلق عليه لاحقًا اسم "سد الصداقة الأفغانية الهندية"، نظرًا لأهميته الاقتصادية في المنطقة.
ومع أن سيطرة طالبان على الحكم غيّرت خارطة التحالفات والمصالح الدولية، إلا أن الهند لم تغلق الباب بالكامل. ولعل التقارب بين البلدين هو أكثر ما يزعج باكستان، فهل يكون إعادة الإعمار بوابة لفرض النفوذ والسيطرة؟
عودة محتملة عبر بوابة الاقتصاد
تشير التقارير الجيولوجية إلى أن أفغانستان تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن، بينها الليثيوم والنحاس والذهب والحديد، تُقدر قيمتها بأكثر من تريليون دولار، وهي موارد شحيحة واستراتيجية تسعى دول كبرى، مثل الصين والهند، إلى تأمينها لتلبية احتياجات صناعاتها المتسارعة.
ومع احتدام المنافسة بين نيودلهي وبكين على النفوذ الاقتصادي في آسيا، فإن دخول الهند إلى قطاع التعدين في أفغانستان قد يكون أداة لتعزيز حضورها، بشرط توفر الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي.

تسعى الهند إلى استعادة دورها الاقتصادي في أفغانستان من خلال أدوات القوة الناعمة، دون أن ترتبط بأي التزامات سياسية مباشرة مع طالبان. هذا التوازن الدقيق يعكس حرص نيودلهي على عدم خسارة نفوذها في بلد طالما شكّل ساحة تنافس مفتوحة بينها وبين باكستان، التي تملك علاقات تاريخية مع قادة طالبان.
وفي ظل غياب الاعتراف الدولي بحكومة طالبان، وتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في البلاد، قد تجد الهند فرصة لتعزيز نفوذها تدريجيًا، عبر مشاريع إنمائية وعمليات إعادة إعمار تحظى بقبول شعبي ورسمي، من دون الدخول في مغامرة سياسية مكلفة.
تداعيات إقليمية وتحولات استراتيجية
دخلت الاشتباكات التي اندلعت بين الهند وباكستان في الفترة ما بين 7 و10 مايو 2025 التاريخ بوصفها واحدة من أكثر المواجهات إثارة للقلق خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث أظهرت هذه الأحداث الهند في موقف أضعف مقارنة بباكستان على الساحة الدولية.
وعقب هذه التطورات، شرعت نيودلهي في تنفيذ سلسلة من الخطوات الإستراتيجية لمحاصرة باكستان دبلوماسيًا وأمنيًا، كان أبرزها توطيد العلاقات مع حركة طالبان التي تدير شؤون أفغانستان، رغم أن الهند لم تعترف رسميًا بالحكومة الأفغانية الحالية حتى الآن.
وفي تطور لافت، تزامنت زيارة وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي إلى نيودلهي، والتي امتدت من 9 إلى 16 أكتوبر، مع تصاعد التوترات على الحدود الباكستانية الأفغانية. وأعلنت الهند أثناء الزيارة تقديم مساعدات لأفغانستان في المجالات الصحية وغيرها، فيما دعت الحكومة الأفغانية الشركات الهندية للاستثمار في قطاع الثروات المعدنية الغنية في البلاد.
كما كشفت نيودلهي عن نيتها رفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي في كابول إلى مستوى السفارات، في مؤشر على تحول نوعي في العلاقات. وقد ورد في البيان المشترك عقب لقاء الوفدين الهندي والأفغاني تأكيد على "مكافحة الإرهاب القادم من دول المنطقة"، دون الإشارة المباشرة إلى باكستان، ما يُعد رسالة واضحة عن تشكل محور جديد مناهض لإسلام آباد.
ردود باكستان ومواقف إقليمية
بالنظر إلى الاتهامات المتبادلة بين البلدين، خصوصًا ما توجهه إسلام آباد إلى نيودلهي بشأن دعم جماعات مسلحة مثل "تحريك طالبان باكستان" وتدخلها في إقليم كشمير، فإن تعميق التعاون بين الهند وأفغانستان يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الباكستاني.

رغم ذلك، يُستبعد أن تقدم الهند على تسليح أفغانستان أو تزويدها بتكنولوجيا عسكرية متقدمة، في حين أن خيار القصف الجوي أو الاشتباكات الحدودية من قبل باكستان لا يبدو مستدامًا على المدى البعيد.
وفي هذا الإطار، تمثل الصين طرفًا محوريًا في التهدئة المحتملة، نظرًا لعلاقاتها الوثيقة بكل من باكستان وأفغانستان، فضلًا عن استثماراتها الكبيرة في البلدين. إذ دعت بكين إلى تجنب التصعيد، مؤكدة أهمية تفعيل المنتدى الثلاثي بين الصين وباكستان وأفغانستان لتعزيز الحوار.
كما يبرز الدور السعودي بعد توقيعها اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان في سبتمبر 2025، تنص على أن أي هجوم على أحد البلدين يُعد اعتداءً على الآخر. وقد يشكل هذا الاتفاق ورقة ضغط على حكومة كابول لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الجماعات المعادية لإسلام آباد.
توازن هش وتدخلات خارجية
في ضوء استمرار النزاع الحدودي بين باكستان وأفغانستان، والذي تعود جذوره إلى أكثر من 150 عامًا، تبقى فرص التوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار محدودة. ورغم ذلك، من المتوقع أن تتدخل عدة أطراف إقليمية – منها الصين وقطر وتركيا والسعودية – في مسعى لاحتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
وفي حال استمرار التصعيد، قد تجد الولايات المتحدة فرصة للعودة إلى أفغانستان، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب التي وصف فيها الانسحاب من قاعدة باجرام بالخطأ، مشيرًا إلى نية محتملة للعودة ضمن إستراتيجية صراعها مع الصين.
الاشتباكات بين باكستان وأفغانستان لا تُفهم فقط في سياق النزاعات الحدودية، بل في إطار شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والدولية تشمل الهند، والصين، والسعودية، والولايات المتحدة، ما يعني أن أي تصعيد إضافي قد يُعيد رسم توازنات القوى في جنوب ووسط آسيا، ويفتح الباب أمام لاعبين جدد – كإسرائيل – لتعزيز نفوذهم في المنطقة من خلال التحالف مع الهند.



