الذكاء الاصطناعي في قبضة التطرف: الألعاب الإلكترونية معسكرات للتجنيد الرقمي
في مطلع أكتوبر الجاري، حذرت الوكالة الوطنية لمكافحة الإرهاب في إندونيسيا من طريقة جديدة لنشر التطرف بين الشباب والمراهقين، وهي التجنيد عبر الألعاب الإلكترونية، مشددة على أن تلك الظاهرة تثير القلق بشكل متصاعد، بعد أن أصبح الأطفال والمراهقون هدفًا، وهم الفئة العمرية الأشد ضعفاً والمعرضة للأيديولوجية المتطرفة.
وتفتح واقعة تجنيد 13 طفلاً على الأقل في إندونيسيا عبر اللعبة الإلكترونية "روبلوكس"، التي أصبحت بعد ذلك بوابة لشبكة من المنظمات الإرهابية، ملفّ التطرف في الفضاء الإلكتروني، إذ تعتبر الألعاب مجرد مرحلة ينتقل بعدها اللاعبون من التفاعل في اللعبة عبر الإنترنت إلى تطبيقات المراسلة، مثل "تليجرام" و"واتساب"، لتسهيل عملية غرس الأفكار.
من الترفيه إلى التطرف
نرصد كيف تحولت ألعاب الفيديو والذكاء الاصطناعي إلى أحدث الجبهات التي تستخدمها الجماعات الإرهابية والمتطرفة لاستقطاب المراهقين والشباب، وما هي استراتيجيات التجنيد التي تستغل الثغرات النفسية والتقنية معًا.

الذكاء الاصطناعي كأداة في يد المتطرفين
بينما يسعى البعض لتسخير الذكاء الاصطناعي في خدمة الدعوة والتعليم، تبقى الحاجة ملحّة لوضع ميثاق رقمي ديني وأخلاقي يضبط ما يُنشر باسم الدين، ويمنع تحويل الخوارزميات إلى منابر تحريضية؛ فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى صوت مؤثر قادر على الوعظ والإقناع.
شهد العالم العربي انطلاق تطبيقات وأنظمة ذكاء اصطناعي تُقدَّم على أنها "مفتي رقمي" أو "واعظ افتراضي"، تجيب على أسئلة المستخدمين الدينية وتقدم الفتاوى والنصائح الأخلاقية، ويثير هذا التطور مخاوف حول هوية من يبرمج الواعظ الرقمي، ومن يتحكم في الأفكار التي يروّج لها، خاصة أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك إيماناً أو ضميراً، بل يتغذى على بيانات بشرية قد تكون منحازة أو متطرفة، ما يجعله أحياناً ينقل الفكر المتشدد في ثوب رقمي.
ولا شك في أن الجماعات المتطرفة، التي أثبتت مواكبتها للتكنولوجيا، من السهل أن تستغل بعض التيارات المتشددة هذا التحول لتطوير دُعاة رقميين مدعومين بالذكاء الاصطناعي، قادرين على محاكاة اللغة الدينية بدقة عالية، ونشر رسائل موجهة للفئات الهشة نفسيًا أو اجتماعيًا. ومع تطور تقنيات الصوت والصورة، يمكن لهذه النماذج أن تخلق شخصيات وهمية تُقدَّم كرموز دينية مؤثرة، ما يصعب معه التحقق من مصدر الخطاب أو نواياه. وفي ظل ضعف الرقابة الرقمية وغياب الإطار الأخلاقي الموحّد، تزداد احتمالات أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى داعية رقمي بلا ضمير.
آلة تضليل يصعب تعقبها
في أوائل عام 2025، تم رصد حملة إلكترونية متطرفة تستخدم روبوتات ذكاء اصطناعي لنشر مقالات تحريضية على منصات مثل "تليجرام"، تتخفّى خلف حسابات ثقافية وفكرية، كما اكتشفت إحدى الوكالات الأوروبية مقطع فيديو دعائيًّا مزيفًا يظهر فيه أحد القادة الغربيين يعترف بدعم جماعة إرهابية، تبيّن لاحقًا أنه أُنتج بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي.
يجد المتطرفون في الألعاب ونماذج الذكاء الاصطناعي خصائص تسهّل عمليات التجنيد، منها السرعة والإنتاجية، إذ يمكنهم بث آلاف الرسائل أو الصور أو الفيديوهات يومياً دون حاجة لفريق بشري، ويعملون على تعديل الرسائل لتناسب خلفية كل متلقٍ، مما يزيد فاعلية التأثير، ويساعدهم في تحقيق أهدافهم من خلال القدرة على التخفي وصعوبة تتبّع مصدر المحتوى، خاصة إذا كان منشوراً من حسابات آلية أو عبر شبكات مخفية.
ومع صعوبة الكشف الفوري عن مصداقية الفيديو أو الواعظ، يتحوّل هذا السلاح إلى آلة تضليل وتجنيد وإقناع في يد المتطرفين يصعب مجاراتها بالوسائل التقليدية، فحتى المنصات الكبرى تعاني في تمييز المحتوى الحقيقي من المزيف بسبب تطور جودة المواد المنتجة.

إجراءات دولية للحد من خطورة الواعظ الرقمي
سارعت عدة دول إلى اتخاذ إجراءات تقنية وتشريعية وأمنية للحد من هذا الخطر المتصاعد. كان الاتحاد الأوروبي من أوائل الكيانات التي تحركت، حيث أقر "قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي" الذي يصنّف إنتاج محتوى متطرف باستخدام تقنيات AI ضمن الاستخدامات المحظورة، مع فرض غرامات مشددة على الجهات التي تسمح بانتشار هذا النوع من المحتوى.
من جانبها، طوّرت مفوضية الاتحاد أدوات رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي نفسه لرصد المحتوى المحرّض عند لحظة النشر.كما كثفت وكالة الأمن السيبراني بالولايات المتحدة جهودها في تتبع الحملات الرقمية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لأغراض إرهابية، وتعمل وزارة العدل على تحديث الأطر القانونية لتجريم استخدام هذه التقنيات في التحريض أو التجنيد.
"اعتدال" يعزّز المواجهة التقنية
المملكة العربية السعودية بدورها عززت دور مركز "اعتدال" العالمي لمكافحة الفكر المتطرف، من خلال دعم برامج مراقبة رقمية قادرة على تحليل المحتوى المتداول في المنصات التفاعلية والألعاب الإلكترونية. وتركّز الجهود على التعاون مع الشركات التقنية العالمية لتطوير أدوات كشف مبكر قادرة على اعتراض المحتوى المضلل قبل انتشاره.

حملات توعية أوروبية وآسيوية
في الوقت نفسه، أطلقت ألمانيا وفرنسا حملات تعليم رقمي موجهة لطلاب المدارس والجامعات، تهدف إلى رفع مستوى الوعي بمخاطر المعلومات الزائفة والمحتوى المتشدد المموّه. كما تبنّت حكومات دول جنوب شرق آسيا، مثل إندونيسيا وماليزيا، برامج رقمية توعوية عبر منصات الألعاب ومواقع التواصل، تستهدف الشباب برسائل معتدلة وبلغات محلية.
مواجهة عالمية مفتوحة
تُجمع هذه المبادرات على أن مجابهة استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض متطرفة تتطلب تحركًا عالميًا منسقًا، لا يقتصر على الحظر والمراقبة، بل يشمل أيضًا الاستثمار في الوعي الرقمي، وتطوير أدوات قادرة على مجاراة تطور التقنيات التي يستخدمها المتطرفون.
ختامًا:
في ظل عالم تتسارع فيه التكنولوجيا أكثر من الوعي، يبدو أن معركة المستقبل لن تُحسم في ميادين القتال، بل على شاشات الهواتف وأجهزة الحاسوب، فلم يعد التطرف يختبئ في الكهوف أو المساجد السرية، بل يتسلل إلى غرف الأطفال في هيئة لعبة مسلية أو واعظ رقمي يهمس بالفتوى.
ومع أن الدول بدأت تتخذ خطوات متفرقة لوقف هذا النزيف الرقمي، إلا أن المواجهة الحقيقية لن تُكسب إلا حين يدرك العالم أن الوعي الرقمي أصبح خط الدفاع الأول عن العقول، وأن حماية الأجيال القادمة لا تحتاج فقط إلى تشريعات، بل إلى تربية جديدة في زمن الذكاء الاصطناعي.



