رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مصر واتفاقية شرم الشيخ.. بين استثمار السلام وتعزيز الدور الإقليمي

الرئيس السيسي والرئيس
الرئيس السيسي والرئيس ترامب

منذ توقيع اتفاقية شرم الشيخ لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وما تبعها من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن "خطة إعادة الإعمار والسلام"، تزايدت التساؤلات حول المكاسب التي حققتها مصر من هذه الاتفاقية، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاستراتيجي، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي أعقبت حرب غزة الأخيرة.

فلم تكن القاهرة طرفًا عابرًا في مسار التهدئة، بل كانت الفاعل المركزي الذي أعاد هندسة معادلة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وفرض على الأطراف الدولية أن تعترف بدورها كضامن وحيد للاستقرار.

الرئيس السيسي مع رؤساء دول العالم في قمة شرم الشيخ للسلام 
الرئيس السيسي مع رؤساء دول العالم في قمة شرم الشيخ للسلام 

استعادة الدور الإقليمي.. من الوساطة إلى القيادة

المكسب الأول والأهم لمصر هو استعادة زمام المبادرة السياسية في المنطقة، فمنذ اندلاع حرب غزة، كانت القاهرة صاحبة التحرك الأوسع على مستوى الاتصالات الميدانية والدبلوماسية، بدءًا من إدارة مفاوضات وقف إطلاق النار، مرورًا بترتيبات تبادل الأسرى، ووصولًا إلى بلورة صيغة "سلام مرحلي" تحقق مكاسب إنسانية للفلسطينيين وتقف حاجزا أمام تمرير مشروع التهجير أو تصفية القضية ذاتها، ومن ثم جاءت اتفاقية شرم الشيخ تتويجًا لهذه التحركات، وأعادت مصر إلى مركز الثقل في الملف الفلسطيني، بعد سنوات من محاولات تشويه صورة قيادتها السياسية، أو تهميش دورها لصالح وسطاء إقليميين آخرين.

لكن في نهاية المطاف كانت الرسالة السياسية الأوضح من الاتفاق تمثلت في أن القاهرة استعادت قدرتها على إدارة ملفات الشرق الأوسط من بوابة القضية الفلسطينية، وأن واشنطن وتل أبيب أدركتا أن لا تهدئة ولا تسوية ممكنة دون المرور عبر مصر.

توازن دقيق بين واشنطن وتل أبيب وغزة

عمليًا حققت مصر مكاسب عدة من اتفاقية السلام بشرم الشيخ، أهمها قدرتها ونجاحها في تحقيق معادلة التوازن الدقيق بين الأطراف الثلاثة المتناقضة، وفي مقدمتها واشنطن التي تسعى إلى تثبيت نفوذها في المنطقة من خلال "سلام اقتصادي"، وتل أبيب التي تريد ضمان أمنها على المدى الطويل، فضلًا عن الفصائل الفلسطينية التي تبحث عن كسر الحصار وتحسين ظروف قطاع غزة، ومن ثم حظيت تحركات القاهرة جزئيًا برضى جميع الأطراف المتناحرة، دون أن تفقد حيادها، ففي الوقت الذي حافظت فيه على قنوات التواصل مع واشنطن وتل أبيب، احتفظت بعلاقاتها مع الفصائل الفلسطينية كضامن وحيد لتنفيذ الاتفاق، وبالتالي عزز هذا التوازن صورة مصر كـ"وسيط نزيه وشريف"،  لكنه في الوقت ذاته قوي ومؤثر، وليس تابعًا لأي طرف.

الرئيس السيسي مع الرئيس ترامب في قمة شرم الشيخ للسلام 
الرئيس السيسي مع الرئيس ترامب في قمة شرم الشيخ للسلام 

الأمن القومي.. حدود آمنة ومشهد مستقر

على المستوى الأمني، يمكن القول إن الاتفاقية خدمت مبدأ الأمن القومي المصري بصورة مباشرة، فوقف الحرب في غزة خفف من خطر تمدد الفوضى إلى الداخل السيناوي، ومن احتمالات تدفق موجات نزوح فلسطينية باتجاه الأراضي المصرية في ظل الحصار والمجاعة التي عاشها القطاع على ما يزيد 24 شهرًا متصلًا، فضلًا عن أن التنسيق الأمني بين القاهرة وتل أبيب حول منطقة رفح ووسط سيناء بات أكثر وضوحًا، في إطار تفاهمات تحفظ السيادة المصرية وتمنع أي محاولات لاستغلال الحدود، ولعل مشاركة وفد أمني مصري في مراقبة تنفيذ الاتفاقية تمثل مؤشرًا على أن مصر ليست مراقبًا فقط، بل شريكًا فعليًا في رسم معادلة الأمن في شرق المتوسط.

السلام الاقتصادي.. مكاسب التنمية وإعادة الإعمار

اقتصاديًا، فتحت اتفاقية شرم الشيخ الباب أمام خطة واسعة لإعادة إعمار قطاع غزة، ستلعب فيها الشركات المصرية الدور الأكبر، سواء في تنفيذ المشروعات أو توريد المواد الخام، بما يخلق فرص عمل جديدة، ويعيد تنشيط الاقتصاد المصري في مجالات البناء والنقل والطاقة، بجانب أن ملف الغاز الطبيعي عاد بقوة إلى واجهة المصالح المصرية، فالاتفاق تضمن تفاهمات مبدئية حول تصدير الغاز الإسرائيلي عبر محطات التسييل في إدكو ودمياط، وهو ما يعزز موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط.وإضافة إلى ذلك، فإن الاستقرار الحدودي يسمح بزيادة حركة التجارة بين مصر وغزة، بما ينعكس إيجابًا على محافظات شمال سيناء.

الرئيس السيسي مع ويتكوف وكوشنر خلال مفاوضات شرم الشيخ 
الرئيس السيسي مع ويتكوف وكوشنر خلال مفاوضات شرم الشيخ 

الدبلوماسية المصرية.. إعادة بناء الثقة الدولية

من الناحية الدبلوماسية، مثّلت قمة شرم الشيخ ونتائجها فرصة لمصر لتثبيت حضورها كقوة إقليمية مسؤولة تتعامل بمنطق الدولة لا الشعارات، وتدير الأزمات بحكمة وليس بالانفعال، وقد عزز هذا الموقف من صورة القاهرة في المحافل الدولية، وفتح قنوات تنسيق أوسع مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين في ملفات أخرى، مثل السودان وليبيا والبحر الأحمر، وهو ما أعاد الثقة في السياسة الخارجية المصرية بوصفها ركيزة للاستقرار الإقليمي، و"صوت العقل" في منطقة تموج بالتوترات.

بين المكاسب والتحديات

ورغم ما حققته مصر من مكاسب سياسية واقتصادية، فإن الاتفاق لا يخلو من تحديات، أبرزها: محاولات بعض الأطراف الإقليمية الالتفاف على الدور المصري، وكذلك هشاشة الموقف الفلسطيني الداخلي، وعدم وضوح مستقبل المصالحة بين الفصائل، والاحتمال الدائم لتجدد العنف إذا ما تراجعت إسرائيل عن التزاماتها. لكنّ في إطار الاعتماد على رصيدها السياسي وخبرتها التاريخية في إدارة الصراعات العربية الإسرائيلية، فإن القاهرة تبدو أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لإدارة هذه التحديات.

ختامًا:

لم تكن اتفاقية شرم الشيخ مجرد وقف لإطلاق النار، بل إعادة ترتيب لموازين القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وقد عززت مصر مكانتها كفاعل محوري يمسك بخيوط اللعبة بين واشنطن وتل أبيب وغزة، ويستثمر "السلام" كأداة نفوذ لا كتنازل سياسي، في قلب مشهد متوتر من جهة وعبثي من جهة أخرى. ومن ثم أعادت القاهرة تعريف مفهوم "السلام" وفق رؤيتها، وفق إطار يحفظ الأمن القومي، ويصنع نفوذًا إقليميًا، ويفتح أبواب التنمية دون أن يفرط في الثوابت الوطنية أو القومية.

 عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء