نصر أكتوبر.. عندما تحولت شوارع مصر من الصمت إلى الزغاريد بعد العبور
قبل السادس من أكتوبر 1973، كانت شوارع مصر تغلفها حالة من الصمت والترقب، والوجوه مشدودة، والأحاديث تدور حول الغلاء والجنود على الجبهة، بينما الراديو يبث أناشيد وطنية تثير مزيجًا من الحنين والخوف، المقاهي مزدحمة، لكن الأحاديث هامسة، كأن الجميع ينتظر حدثًا لا يُقال، القاهرة في تلك الأيام كانت مدينة تمسك أنفاسها، والإسكندرية بدت كأن البحر فيها يراقب في صمت.
وحسب ما قال على ألسنة أبطال الحرب عاشت الأسر المصرية في قلق دائم، تحاول الوصول إلى أي خبر عن أبنائها وأزواجها وإخوتها المشاركين في الحرب، الأمهات يتجولن بين الجيران يسألن عن آخر الأخبار، والآباء يترقبون نشرات الإذاعة، علّهم يسمعون اسمًا أو إشارة تبعث الطمأنينة، في كل بيت مصري كان هناك غائب على الجبهة، وجميعهم حاضرون في القلوب والصلوات.
لحظة العبور... ميلاد جديد لمصر
لكن مع دقات الثانية ظهرًا في يوم السادس من أكتوبر، تغيّر كل شيء، دوت صفارات الإنذار، ثم تبعتها أنباء العبور، في لحظات، انقلب المشهد تمامًا، وخرج الناس من بيوتهم إلى الشوارع، بعضهم بالبكاء، وآخرون يلوّحون بالأعلام، واختلطت الزغاريد بصوت المذياع وهو يذيع خبر عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف.
سيارات الأجرة توقفت وسط الطريق، والجنود العائدون من الإجازات صاروا أبطالًا في عيون الجميع، والأطفال رددوا الأغاني الوطنية دون أن يدركوا تمامًا معناها، لكنهم شعروا بالفرح الجمعي يغمر البلاد.
وخلال الأيام التالية، تحولت الشوارع إلى كرنفال وطني، الأعلام في كل مكان، الأغاني من كل راديو، ولم تكن القاهرة وحدها؛ فمن الصعيد إلى الدلتا، ومن السويس إلى الإسكندرية، كان المصريون يشعرون بأن نصر أكتوبر أعاد لهم ما فقدوه من كرامة وأمل منذ نكسة 67.
عودة الأبطال... واحتفال الشعب بالنصر
ومع عودة الأبطال إلى بيوتهم، شهدت الأحياء مشاهد لا تُنسى، كل شاب عاد من الجبهة كان يُستقبل بالزغاريد والأحضان، يعلو صوته في شوارع منطقته كرمز للفخر، والتف حوله الجيران والأصدقاء، وتحوّلت لحظة عودته إلى احتفال شعبي حقيقي بالنصر.
بعد نصر أكتوبر، بدا وجه مصر مختلفًا. الأمل عاد إلى الناس، والابتسامة عادت إلى الشوارع. حتى الجدران كُتبت عليها عبارات النصر، وصارت الصور التذكارية للجنود والرئيس أنور السادات تملأ الواجهات.
لقد شهدت مصر في أكتوبر المجيد تحوّلًا نفسيًا وشعوريًا جمعيًا؛ من الصمت إلى الصيحات، من الانكسار إلى الكبرياء، لم يكن التغيير في الميادين فقط، بل في القلوب قبل أي مكان آخر.

