10 ساعات غناء ورفض أسري وانتقادات لاحقته.. كواليس حياة صباح فخري في ذكرى رحيله
ارتبط اسم المطرب السوري الراحل صباح فخري بواحد من أهم فصول الغناء العربي، بعدما استطاع أن يحافظ على مكانة القدود الحلبية والموشحات في وجدان الجمهور، بصوت امتد تأثيره لعقود، وحفلات تحولت إلى تجارب طربية طويلة. لكن مسيرته لم تخلُ من مواقف لافتة وانتقادات أثارت النقاش، بداية من معارضة أسرته دخوله عالم الغناء، وصولًا إلى الجدل الذي صاحب ظهوره في سنواته الأخيرة.
وُلد صباح فخري، واسمه الحقيقي صباح الدين أبو قوس، في مدينة حلب السورية يوم 2 مايو 1933، واكتسب اسمه الفني تقديرًا للسياسي والفنان فخري البارودي الذي دعم موهبته في بداياتها. نشأ في بيئة محافظة، وبدأ دراسة الموسيقى في سن مبكرة، قبل أن يتخرج في معهد الموسيقى الشرقي بدمشق عام 1948، ليبدأ رحلة فنية جعلته أحد أبرز رموز الطرب الأصيل.
معارضة أسرية وبداية لم تكن سهلة
لم يكن اختيار الغناء طريقًا سهلًا في بداية حياته، إذ واجه معارضة من أسرته بسبب نشأته في عائلة محافظة، لكن تعلقه بالموسيقى وإصراره على استكمال مشواره دفعاه إلى مواصلة التدريب والتعلم على أيدي كبار الموسيقيين والمنشدين في حلب.
وتتلمذ فخري على يد أسماء بارزة، من بينها الشيخ عمر البطش والشيخ علي الدرويش، وتأثر بمجالس الطرب والإنشاد الصوفي التي ساهمت في تشكيل هويته الفنية، قبل أن يتحول إلى واحد من أبرز الأصوات التي قدمت التراث الحلبي للجمهور العربي والعالمي.
10 ساعات متواصلة في حفل واحد
ومن أبرز المحطات التي ارتبطت باسمه دخوله موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية، بعدما قدم حفلًا غنائيًا في مدينة كاراكاس بفنزويلا عام 1968، استمر نحو 10 ساعات متواصلة دون استراحة، في تجربة عكست قدرته على مواصلة الأداء الطربي والتفاعل مع الجمهور لفترات طويلة.
ولم يكن الأمر مجرد استعراض لقدراته الصوتية، فقد اعتمد فخري على أسلوب يدمج الغناء بالحركة والتفاعل مع الحاضرين، وقدم خلال حفلاته الموشحات والقدود والمواويل والقصائد، مع اهتمام واضح بالحفاظ على الأصول الموسيقية للتراث العربي.
موقفه من الأغاني الحديثة ورفض الحديث السياسي
وفي حوار صحفي نُشر عام 2021، وكان قد أجراه عام 2014، تحدث صباح فخري عن موقفه من الأغاني الحديثة، قائلًا: «ماليش دعوة بأغاني اليومين دول»، لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا يعتبر نفسه صاحب الحكم على هذه الأعمال، مؤكدًا أن الفن مستمر وسيظل موجودًا في المستقبل.
كما أعلن في الحوار نفسه رفضه الحديث سياسيًا عن الأزمة السورية، مفضلًا الابتعاد عن التعليق السياسي، بينما تحدث بإسهاب عن علاقته بالتراث الغنائي، واعتبر نفسه ناقلًا له ومدرسة لكل من يرغب في تعلم الغناء العربي الأصيل.
وكان فخري يولي اهتمامًا خاصًا بالموشحات، وكشف أنه سجل 162 موشحًا تراثيًا ضمن مشروع «نغم الأمس»، إلى جانب تقديم نحو 1500 نص غنائي من التراث العربي، مؤكدًا أن الحفاظ على تراث حلب كان مسؤولية فنية لا يمكن التفريط فيها.
احتفال أكتوبر وموقف أثار غضب إسرائيل
ومن المواقف التي ارتبطت باسمه خلال حرب أكتوبر 1973، ما ذكرته الكاتبة السورية شذى نصار في كتابها «صباح فخري.. سيرة وتراث»، بشأن مشاركته عبر إذاعة حلب في أول أيام الحرب، إذ ألقى الأذان بعبارة «حي على الجهاد»، ثم قدم أغنية وطنية بعنوان «وطني ونذرت له العهد».
وبحسب الرواية الواردة في الكتاب، أثار موقفه غضب السلطات الإسرائيلية، التي أصدرت قرارات بحرق ألبوماته ومنعه من إحياء الحفلات. وتظل هذه الواقعة من المواقف الوطنية التي استعادتها الصحافة في الحديث عن مسيرته ومواقفه خلال حرب أكتوبر.
انتقادات بسبب ظهوره في سنواته الأخيرة
وفي السنوات الأخيرة من حياته، أثارت مقاطع مصورة ظهر فيها صباح فخري خلال حفلات وبرامج تلفزيونية، بينما بدت عليه آثار التقدم في العمر وتراجع حالته الصحية، موجة من الانتقادات بين الجمهور والمتابعين.
وذهب بعض المنتقدين إلى أن ظهوره بهذه الصورة لا يتناسب مع قيمته الفنية وتاريخه الطويل، وطرحوا تساؤلات حول المسؤولية عن مشاركته في تلك الظهورات، وما إذا كان هناك من يستغل مكانته وشعبيته. وتحولت المسألة إلى نقاش حول ضرورة احترام تاريخ الفنانين الكبار ومراعاة ظروفهم الصحية والإنسانية في مراحلهم الأخيرة.
أبرز أغانيه وأعماله الفنية
ترك صباح فخري مجموعة كبيرة من الأعمال التي ارتبطت بالطرب العربي، ومن أشهر ما قدمه «قدك المياس»، و«خمرة الحب»، و«مالك يا حلوة مالك»، و«يا طيرة طيري يا حمامة»، و«آه يا حلو»، و«ابعتلي جواب»، إلى جانب الموشحات والقصائد والمواويل التي شكلت جانبًا أساسيًا من مشروعه الفني.
كما خاض تجارب في التمثيل، وشارك في المسلسل الاستعراضي «الوادي الكبير» عام 1974 إلى جانب الفنانة وردة الجزائرية، وظهر في أعمال أخرى منها «مقالب غوار» و«غابة الذئاب» و«المدينة الهادئة» و«الصعاليك».
وتولى خلال مسيرته عددًا من المناصب الفنية، من بينها منصب نقيب الفنانين السوريين لأكثر من مرة، ونائب رئيس اتحاد الفنانين العرب، كما انتُخب عضوًا في مجلس الشعب السوري عام 1998، وحصل على وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 2007.
وفي 2 نوفمبر 2021، رحل صباح فخري عن عمر ناهز 88 عامًا، تاركًا إرثًا غنائيًا تجاوز حدود بلاده، ورسخ اسمه بوصفه أحد أبرز حراس الطرب العربي والقدود الحلبية، بعدما جعل من التراث الموسيقي تجربة حية امتدت إلى أجيال متعاقبة.


