في ذكرى ميلاده.. «ديكتاتور ناعم» وأزمات مع النجوم والرقابة.. الوجه الآخر لمحمد خان
تحل اليوم، 26 أكتوبر، ذكرى ميلاد المخرج السينمائي الراحل محمد خان، الذي وُلد عام 1942، وترك بصمة بارزة في تاريخ السينما المصرية من خلال أفلام اقتربت من الشارع، ورصدت التحولات الاجتماعية وأحلام الشخصيات البسيطة وصراعاتها اليومية. وبين نجاحاته الفنية، شهدت مسيرته عددًا من الخلافات مع نجوم السينما، ومواجهات مع الرقابة، ومواقف إنسانية ومهنية كشفت عن طبيعة شخصيته وتمسكه برؤيته الإخراجية.
ورحل خان في 26 يوليو 2016، عن عمر ناهز 73 عامًا، تاركًا وراءه أعمالًا من أبرزها «زوجة رجل مهم» و«الحريف» و«أحلام هند وكاميليا» و«خرج ولم يعد» و«فتاة المصنع». ولم تقتصر حكايته على الأفلام التي أخرجها، بل امتدت إلى تصريحات صريحة عن أسلوبه في العمل، ومعارك خاضها من أجل مشروعات سينمائية لم ير بعضها النور، فضلًا عن رحلته الطويلة للحصول على الجنسية المصرية.
«أنا ديكتاتور فعلًا».. تصريح لخص شخصيته في مواقع التصوير
من أبرز التصريحات التي ارتبطت بمحمد خان وصفه لنفسه بأنه «مخرج ديكتاتور»، وذلك خلال حديث تلفزيوني كشف فيه عن فلسفته في إدارة العمل السينمائي، موضحًا أن الفنان عادل إمام وصفه بأنه «ديكتاتور ناعم»، قبل أن يقر خان بأنه يستمع إلى آراء الآخرين، لكنه يحتفظ بالقرار النهائي لنفسه.
وقال خان، بحسب ما نقلته تقارير صحفية عن اللقاء، إن بعض الممثلين يفاجئونه بأفكار وأداء غير متوقعين أثناء التصوير، وضرب مثالًا بالفنان أحمد زكي، الذي كان قادرًا على تقديم اقتراحات تفاجئه خلال العمل.
ويكشف هذا التصريح عن جانب من شخصية خان المهنية؛ فقد كان يمنح الممثل مساحة للتفاعل مع الشخصية، لكنه لم يكن يتنازل بسهولة عن رؤيته النهائية للمشهد. وارتبطت هذه الصرامة بعدد من الحكايات التي تداولها الفنانون عن كواليس أعماله، بعضها تحول إلى خلافات، فيما انتهى بعضها الآخر بالتفاهم واستمرار التعاون.
«الحريف».. خلاف غيّر مسار التعاون بين خان وأحمد زكي
تُعد كواليس فيلم «الحريف» من أشهر المحطات التي شهدت خلافًا بين محمد خان والفنان أحمد زكي. ووفقًا لروايات صحفية استندت إلى تصريحات لاحقة، كان زكي مرشحًا لبطولة الفيلم، لكن خلافًا بشأن شكل الشخصية، ومنه مسألة إطالة الشعر، دفع خان إلى تغيير اختياره والاستعانة بالفنان عادل إمام.
وروى خان في لقاء تلفزيوني أنه ذهب إلى أحمد زكي وأبلغه بتغيير بطل الفيلم، فيما نقلت تقارير عن زكي أنه تقبل الخبر أمام المخرج، لكنه عبّر عن غضبه بعيدًا عنه.
وشكّل الفيلم تجربة مختلفة لعادل إمام، الذي قدم شخصية بعيدة عن الصورة التجارية المعتادة لأدواره، إلا أن العمل لم يحقق النجاح الجماهيري المنتظر وقت عرضه، وتحدثت تقارير عن أن التجربة أثرت في فرص تكرار التعاون بين خان وعادل إمام.
ورغم الخلافات التي صاحبت هذه المرحلة، فإن علاقة خان وأحمد زكي استمرت فنيًا في أعمال أخرى، من بينها «زوجة رجل مهم» و«مستر كاراتيه» و«أيام السادات»، بما يعكس أن الخلافات المهنية لم تكن بالضرورة نهاية للتعاون بينهما.
أحمد زكي و«أيام السادات».. توتر بسبب الإنتاج
لم تقتصر الخلافات بين خان وأحمد زكي على اختيار أبطال الأفلام أو تفاصيل الشخصيات؛ فقد شهد فيلم «أيام السادات» توترًا بينهما خلال التصوير، بسبب مشكلات إنتاجية وتكاليف العمل، بحسب رواية خان في لقاء تلفزيوني.
وأوضح المخرج الراحل أن زكي كان منتج الفيلم، وأن الحديث المتكرر عن المصروفات، إلى جانب الخلافات المتعلقة بتوفير احتياجات التصوير، أدى إلى تصاعد التوتر بينهما. ووصل الأمر، وفق روايته، إلى إيقاف التصوير وسفر خان خارج مصر لفترة قبل عودته واستكمال العمل.
وكان الفيلم مشروعًا مهمًا بالنسبة إلى أحمد زكي، الذي جسّد شخصية الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، بينما ارتبطت به أيضًا رؤية خان الإخراجية. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهت العمل، اكتمل الفيلم وعُرض عام 2001، ليظل أحد أبرز الأعمال التي جمعت بين المخرج والممثل.
الرقابة تعرقل مشروعات سينمائية
واجه محمد خان تحديات رقابية خلال مشواره، خصوصًا في المشروعات التي تناولت قضايا سياسية واجتماعية حساسة. ومن أبرزها مشروع فيلم «المسطول والقنبلة»، المأخوذ عن رواية للأديب نجيب محفوظ، والذي كان من المقرر أن يخرجه خان بالتعاون مع السيناريست مصطفى محرم.
وتناولت الرواية موضوعات تتصل بفساد السلطة وتزوير الانتخابات والظلم الاجتماعي، لكن المشروع واجه رفضًا رقابيًا، ولم يتحول إلى فيلم في صورته الأولى. وبعد ثورة يناير 2011، أعيد طرح المشروع، وجرى الحديث عن ترشيح روبي وآسر ياسين لبطولته، إلا أنه تعثر مجددًا ولم ير النور.
كما تحدث خان عن تعديلات طالت سيناريو فيلم «زوجة رجل مهم» بعد عرضه على جهات أمنية، في واقعة تعكس طبيعة التحديات التي واجهها صناع السينما عند تناول أحداث سياسية أو قضايا شائكة.
وتكشف هذه الوقائع عن جانب من الصعوبات التي أحاطت بمشروعات خان، الذي سعى إلى تقديم أفلام تتعامل مع الواقع الاجتماعي والسياسي، حتى عندما اصطدمت أفكاره باشتراطات الإنتاج والرقابة.
الجنسية المصرية.. معركة امتدت لسنوات
على الرغم من مولده في القاهرة لأب باكستاني وأم مصرية، ظل محمد خان لسنوات طويلة يحمل جنسية غير مصرية، رغم ارتباطه الوثيق بالمجتمع المصري وتقديمه أفلامًا استمدت شخصياتها وحكاياتها من الشوارع والأحياء المصرية.
وحصل خان على الجنسية المصرية عام 2014 بقرار من الرئيس المؤقت آنذاك عدلي منصور، وهو القرار الذي عبّر عن سعادته به في تصريحات صحفية. وقال في حوار مع «المصري اليوم» إن أفلامه كانت، بالنسبة إليه، شهادة موثقة على انتمائه إلى مصر، معربًا عن اعتزازه بها.
ولم تكن المسألة مجرد إجراء رسمي بالنسبة إلى المخرج، بل ارتبطت بشعوره بالانتماء إلى البلد الذي نشأ فيه وصنع فيه مشروعه السينمائي. وجاء حصوله على الجنسية قبل عامين فقط من رحيله، ليختتم فصلًا طويلًا من الانتظار الذي ظل حاضرًا في حواراته الصحفية.
«فتاة المصنع».. جدل حول المرأة والنهاية
في عام 2014، عاد خان إلى السينما بفيلم «فتاة المصنع» بعد فترة ابتعاد عن الإخراج السينمائي، مقدمًا حكاية فتاة تعمل في مصنع وتواجه أحكام المجتمع وضغوطه، في عمل ركز على حياة العاملات والقيود الاجتماعية المفروضة عليهن.
وتحدث خان عن اختياره لموضوع الفيلم، مؤكدًا أن حكاية البطلة لا تقتصر على فتاة مصرية بعينها، بل يمكن أن تعبر عن تجارب فتيات عاملات في أماكن مختلفة من العالم. كما أشار إلى أن شخصيات أفلامه تشبهه إلى حد كبير، وأن أفكاره السينمائية تنطلق من رؤيته الشخصية.
وأثار الفيلم نقاشًا حول مصير البطلة ونهاية الحكاية، خصوصًا في ضوء إصرار خان على منح شخصياته فرصة للتحرر من الألم والقيود. ولم يقتصر الجدل على القراءة الفنية، إذ تحدث المخرج أيضًا عن صعوبات واجهها أثناء التصوير في مواقع صناعية حقيقية، مشيرًا إلى تعرض فريق العمل لمضايقات في بعض المواقع، ما اضطره إلى تغيير مكان تصوير مشاهد منها.
وحصل الفيلم على جائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين «فيبريسي» في مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2013، في محطة مهمة من مسيرة خان المتأخرة.
أعمال فنية صنعت مكانته في السينما المصرية
ارتبط اسم محمد خان بمدرسة الواقعية الجديدة، التي اقتربت من تفاصيل الحياة اليومية، واعتمدت على التصوير في مواقع حقيقية وشخصيات تتحرك داخل بيئات اجتماعية مألوفة. ومن أبرز أعماله:
- «ضربة شمس» (1980): فيلمه الروائي الطويل الأول، الذي مثّل بداية انطلاقته الإخراجية، وقام ببطولته نور الشريف.
-«موعد على العشاء» (1981): عمل اجتماعي تناول علاقة المرأة بالسلطة داخل الأسرة، وشارك في بطولته سعاد حسني وحسين فهمي وأحمد زكي.
- «الحريف» (1983): من الأفلام التي ارتبطت بصورته الفنية، وقدم فيه عادل إمام شخصية مختلفة عن أدواره الكوميدية الشائعة.
- «خرج ولم يعد» (1984): تناول التحول في حياة موظف يبتعد عن ضغوط المدينة ويختبر نمطًا مختلفًا من الحياة.
- «زوجة رجل مهم» (1987): من أشهر أعماله، وقدم أحمد زكي فيه شخصية ضابط تتداخل سلطته المهنية مع حياته الشخصية.
- «أحلام هند وكاميليا» (1988): رصد حياة امرأتين تعملان في الخدمة المنزلية، وما تواجهانه من أزمات اجتماعية واقتصادية.
- «فارس المدينة» (1992): تجربة سينمائية واجهت صعوبات إنتاجية رغم الاهتمام النقدي بها.
- «في شقة مصر الجديدة» (2007): عمل استعاد من خلاله أجواء القاهرة وعلاقات البشر وأحلامهم.
- «فتاة المصنع» (2014): من أبرز أفلام مرحلته الأخيرة، وركز على المرأة العاملة وضغوط المجتمع.
- «قبل زحمة الصيف» (2015): آخر أفلامه الروائية الطويلة، وشارك في بطولته هنا شيحة وماجد الكدواني وأحمد داود.
إرث مخرج جعل الشارع بطلًا لأفلامه
تتجاوز أهمية محمد خان عدد الأفلام التي أخرجها أو الجوائز التي نالها؛ فقد ارتبط مشروعه الفني بتفاصيل المكان والناس، من الشوارع الشعبية إلى البيوت والمقاهي ووسائل المواصلات. وكانت الشخصيات التي قدمها تتحرك داخل واقع مليء بالتناقضات، بين الطموح والإحباط، وبين الرغبة في التغيير والقيود الاجتماعية.
وفي ذكرى ميلاده، تعود إلى الواجهة مواقفه وتصريحاته وخلافاته المهنية، لا باعتبارها حكايات منفصلة عن أعماله، بل بوصفها جوانب من شخصية مخرج تمسك برؤيته، وخاض صراعات من أجل مشروعاته، وترك أفلامًا لا تزال حاضرة في نقاشات السينما المصرية.

