«غنّي يا سمسمية لرصاص البندقية».. حكاية الكابتن غزالي الذي قاوم الاحتلال بالأغاني
مع حلول العيد القومي لمحافظة السويس، الذي يوافق 24 أكتوبر من كل عام، تستعيد الذاكرة المصرية أسماء ارتبطت بملحمة المقاومة الشعبية، ومن بينها الكابتن غزالي، الذي اختار الكلمة واللحن وسيلة لمساندة المقاتلين، وتحفيز أهالي مدن القناة على الصمود في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لتتحول أغانيه إلى جزء من الذاكرة الوطنية المرتبطة بحرب الاستنزاف وانتصارات أكتوبر.
لم يكن محمد أحمد غزالي، المعروف باسم «الكابتن غزالي»، مجرد شاعر أو مطرب شعبي، بل كان أحد أبرز رموز المقاومة الفنية في السويس، ومؤسس فرقة «أولاد الأرض» التي جمعت بين الأغنية الوطنية وآلة السمسمية، وقدمت أعمالًا استهدفت رفع الروح المعنوية للجنود والفدائيين والمواطنين في سنوات الحرب.
من نكسة 1967 إلى تأسيس «أولاد الأرض»
بدأت رحلة الكابتن غزالي مع المقاومة الفنية عقب نكسة يونيو 1967، حين تحرك مع مجموعة من شباب السويس لتأسيس تجربة غنائية تعبر عن رفض الهزيمة وتدعم روح المقاومة. وبدأت المجموعة تقديم أغانيها بإمكانات بسيطة، حتى ارتبطت بداياتها باسم «بطانية ميري»، قبل أن تعرف لاحقًا باسم «أولاد الأرض».
اعتمدت الفرقة على الأغاني والأشعار التي تخاطب الناس بلغة قريبة من حياتهم اليومية، وتحمل رسائل مباشرة عن الصمود واستعادة الأرض ومساندة الجنود. ولم تقتصر عروضها على السويس، بل امتدت إلى مواقع عسكرية ومناطق مختلفة، كما قدمت عروضًا تطوعية في القرى والمراكز، وفقًا لما ورد في شهادات صحفية عن تجربة الفرقة.
السمسمية.. نغمة تحولت إلى رمز للمقاومة
احتلت آلة السمسمية مكانة أساسية في تجربة الكابتن غزالي، باعتبارها إحدى العلامات الموسيقية المميزة لمدن القناة. ومن خلالها، امتزج التراث الشعبي بالكلمات الوطنية، لتخرج أغانٍ عبّرت عن وجدان المقاتلين وأهالي السويس، واستحضرت تضحياتهم وأحلامهم في العودة والانتصار.
ومن أشهر الأعمال المرتبطة بتجربة «أولاد الأرض» أغنية «غنّي يا سمسمية لرصاص البندقية»، التي جسدت بوضوح فكرة تحويل الفن إلى وسيلة للمقاومة المعنوية، وربطت بين النغمة الشعبية وروح المواجهة. كما أصبحت السمسمية جزءًا من الهوية الفنية التي ارتبطت بذاكرة المقاومة في مدن القناة.
«أولاد الأرض».. الفن في خدمة المقاتلين
قدمت الفرقة مجموعة كبيرة من الأغاني الوطنية التي خاطبت الجنود والفدائيين، وساندت أهالي المدن التي عانت من ويلات الحرب والتهجير. وكان الكابتن غزالي يكتب أشعاره مستلهمًا تفاصيل الحياة اليومية وتجارب الناس، مؤمنًا بأن الرسالة تصل بصورة أعمق حين تُصاغ بلغة بسيطة يفهمها الجميع.
وشهدت تجربة الفرقة مشاركة عدد من الأسماء الفنية والشعرية، من بينها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي والمطرب محمد حمام والملحن إبراهيم رجب، بحسب ما أوردته تقارير صحفية عن تاريخ المجموعة. وارتبطت بها أعمال وطنية تناولت الصمود والعودة والانتصار، وأسهمت في نقل مشاعر أبناء السويس إلى جمهور أوسع خارج حدود المدينة.
إرث فني يتجاوز زمن الحرب
رحل الكابتن غزالي في 2 أبريل 2017، بعد أن ترك تجربة تجمع بين الشعر والغناء والمقاومة الشعبية، وظلت أغاني «أولاد الأرض» حاضرة في استعادة أحداث حرب الاستنزاف وانتصارات أكتوبر.
وتبقى أهمية تجربته في أنها تقدم نموذجًا لدور الفن وقت الأزمات؛ فالأغنية لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للتعبير عن الرفض والصمود، وتوثيق مشاعر الناس، وتعزيز الروح المعنوية في لحظات صعبة من تاريخ مصر.
ومع الاحتفال بالعيد القومي للسويس، تعود سيرة الكابتن غزالي لتؤكد أن معارك الأوطان لا تسجلها الأسلحة وحدها، بل تحفظها أيضًا الكلمات والألحان والذاكرة الشعبية التي تنقل حكايات البطولة من جيل إلى آخر.


