«يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي».. حكاية محمد حمام والأغنية التي خلدت بطولات المقاومة الشعبية
مع حلول العيد القومي لمحافظة السويس في 24 أكتوبر، تتجدد حكايات البطولة والصمود التي سطرها أبناء المدينة خلال حرب أكتوبر 1973، وتعود إلى الذاكرة الأغاني التي وثقت مشاعر المصريين تجاه الأرض، وفي مقدمتها أغنية «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي» بصوت المطرب محمد حمام، التي أصبحت واحدة من أبرز الأعمال المرتبطة بذاكرة المقاومة الشعبية.
لم تكن الأغنية مجرد عمل وطني عابر، بل حملت مشاعر مدينة عاشت الحرب والحصار، وتمسك أهلها ببيوتهم وشوارعهم، وواجهوا ظروفًا قاسية دفاعًا عن أرضهم. وبصوت محمد حمام وكلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وألحان إبراهيم رجب، تحولت الحكاية إلى عمل فني ظل حاضرًا في الوجدان المصري، واستعادته الأجيال باعتباره جزءًا من الذاكرة الوطنية للسويس.
محمد حمام.. مطرب حملت أغانيه صوت المقاومة
يُعد محمد حمام من الأصوات المصرية التي ارتبطت بالأغنية الوطنية والتراث النوبي، واستطاع أن يقدم لونًا غنائيًا يجمع بين التعبير الشعبي والرسالة الوطنية، ليصبح اسمه مرتبطًا بأعمال استحضرت تجارب المصريين خلال فترات الحرب والمقاومة.
واشتهر حمام بصوته المميز وأدائه الذي اقترب من الناس، وقدم عددًا من الأغاني التي عكست مشاعر الانتماء والأمل والتمسك بالأرض. ولم يقتصر حضوره على تسجيل الأغنيات، بل ارتبط اسمه بتجربة الغناء الوطني التي صاحبت سنوات حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، حين تحولت الموسيقى إلى وسيلة للتعبير عن الصمود ورفع الروح المعنوية.
وجاءت أغنية «يا بيوت السويس» في مقدمة الأعمال التي ارتبطت باسمه، لتظل حتى اليوم من أبرز الأغاني التي تستحضر بطولات المدينة وأهلها.
«يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي».. حكاية أغنية من قلب المقاومة
ارتبطت الأغنية بكلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وألحان إبراهيم رجب، وأداها محمد حمام بصوته الذي منحها طابعًا إنسانيًا خاصًا.
وتستمد الأغنية تأثيرها من ارتباطها بالمكان؛ فالبيوت هنا ليست مجرد مبانٍ، وإنما رمز للحياة والذكريات والانتماء، وما يمثله الدفاع عن المدينة من تمسك بالهوية والحق في البقاء على الأرض.
وتعبر الأغنية عن علاقة أبناء السويس بمدينتهم، وعن المشاعر التي عاشها السكان خلال الحرب، حين أصبح الدفاع عن البيوت والشوارع جزءًا من معركة أوسع لحماية الوطن.
ومع مرور السنوات، تجاوزت الأغنية زمنها الأصلي، لتصبح حاضرة في المناسبات الوطنية والفعاليات التي تستعيد تاريخ السويس، خصوصًا خلال الاحتفال بعيدها القومي في 24 أكتوبر من كل عام.
عبد الرحمن الأبنودي وإبراهيم رجب.. شراكة صنعت علامة فنية
كان للشاعر عبد الرحمن الأبنودي دور بارز في صياغة الأغنية الوطنية المصرية، إذ تميزت كلماته بالقرب من لغة الناس وقدرته على التعبير عن تجاربهم ومشاعرهم، بينما أسهم الملحن إبراهيم رجب في منح الكلمات طابعًا موسيقيًا يتناسب مع روحها الشعبية والوطنية.
وفي «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي»، التقت الكلمة باللحن والصوت لتقديم عمل يربط بين التجربة الإنسانية والحدث الوطني، دون أن يفقد بساطته أو قربه من الجمهور.
وتكشف الأغنية عن أهمية التعاون بين الشاعر والملحن والمطرب في صناعة أعمال تتجاوز حدود الترفيه، لتصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية، وتمنح الأحداث التاريخية بعدًا إنسانيًا يستطيع الجمهور استيعابه والتفاعل معه عبر الأجيال.
فرقة أولاد الأرض.. الفن في خدمة المقاومة الشعبية
لا يمكن تناول الأغنية الوطنية المرتبطة بالسويس دون الإشارة إلى تجربة فرقة «أولاد الأرض»، التي ارتبطت بأغاني المقاومة الشعبية في مدن القناة خلال سنوات الحرب.
وقدمت الفرقة أعمالًا عكست ظروف الحرب والتهجير ومعاناة السكان، إلى جانب التمسك بالأرض والاستعداد للدفاع عنها. وأصبحت الأغنية الشعبية في تلك المرحلة وسيلة للتواصل مع الجنود والفدائيين والمواطنين، وتوثيق مشاعرهم في مواجهة ظروف الحرب.
وتبرز أهمية هذه التجربة في أنها نقلت الأغنية الوطنية من الاستوديو إلى المجال العام، لتصبح جزءًا من الحياة اليومية للمصريين في زمن الحرب، وتعكس تلاحم الفن مع المجتمع في لحظات تاريخية فارقة.
كما أسهمت هذه التجارب في ترسيخ مكانة الموسيقى الشعبية بوصفها أحد أشكال التعبير عن المقاومة، إلى جانب الصور والشهادات والأعمال الوثائقية التي استرجعت أحداث تلك الفترة.
السمسمية.. التراث الذي حفظ ذاكرة السويس
إلى جانب الأغاني الوطنية، تحتل السمسمية مكانة خاصة في التراث الموسيقي لمدن القناة، إذ ارتبطت بالحياة الشعبية والبحر والصيادين والتجمعات الاجتماعية، ثم أصبحت جزءًا من المشهد الفني المرتبط بالمقاومة والصمود.
وقدمت السمسمية، بألحانها وإيقاعاتها الشعبية، وسيلة للتعبير عن تجارب أبناء السويس ومدن القناة، وحملت الأغاني المصاحبة لها حكايات عن الحرب والتهجير والعودة والأمل.
وتكمن أهمية هذا التراث في قدرته على نقل الذاكرة من جيل إلى آخر، من خلال أغانٍ قريبة من وجدان الناس، تستعيد تفاصيل الحياة اليومية وما شهدته المدينة من أحداث.
ومع الاحتفال بالعيد القومي للسويس، تظل أغاني السمسمية حاضرة باعتبارها جزءًا من هوية المدينة، وشاهدًا فنيًا على ارتباط الموسيقى بتاريخها الاجتماعي والوطني.
محمد حمام.. إرث فني يتجاوز أغنية واحدة
على الرغم من ارتباط اسمه الواسع بأغنية «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي»، فإن تجربة محمد حمام ارتبطت أيضًا بالأغنية الوطنية والتراثية، وامتدت إلى أعمال متنوعة تعكس ملامح من الثقافة الشعبية المصرية والنوبية.
وقد ساعد صوته وأسلوبه في تقديم الأغاني القريبة من الناس على ترسيخ حضوره ضمن الأصوات التي ارتبطت بالوجدان الوطني، خاصة في الأعمال التي استحضرت مشاعر المصريين خلال سنوات الحرب.
ورحل محمد حمام في 26 فبراير 2007، لكن أغنياته ظلت حاضرة في الذاكرة، لتعيد تقديم تجربته إلى أجيال لم تعاصر زمن المقاومة، وتمنحهم فرصة للتعرف على جانب من التاريخ من خلال الموسيقى.
السويس في عيدها القومي.. حين تتحول الأغنية إلى ذاكرة وطن
في 24 أكتوبر من كل عام، تستعيد محافظة السويس ذكرى صمود أبنائها أمام محاولة القوات الإسرائيلية اقتحام المدينة خلال حرب أكتوبر 1973، وهي المناسبة التي أصبحت رمزًا للمقاومة الشعبية والتلاحم بين الأهالي والقوات المصرية.
وفي هذه المناسبة، لا تستعيد المدينة بطولات المقاتلين والفدائيين فحسب، بل تستحضر أيضًا دور الفن في حفظ تلك الحكايات، من الأغاني الوطنية إلى السمسمية والأعمال الوثائقية التي أعادت تقديم تفاصيل الحرب للأجيال الجديدة.
وتظل «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي» أكثر من مجرد أغنية وطنية؛ فهي عمل ارتبط بوجدان مدينة دافعت عن أرضها، وأصبحت الموسيقى إحدى الوسائل التي حفظت حكايتها.
وبين كلمات عبد الرحمن الأبنودي وألحان إبراهيم رجب وصوت محمد حمام، بقيت الأغنية شاهدًا على قدرة الفن على توثيق التاريخ، وتحويل مشاعر الصمود والانتماء إلى ذاكرة حية تتجدد مع كل احتفال بعيد السويس القومي.

