رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

دخل السويس لتوزيع الصحف ولم يعد.. الحكاية الحقيقية وراء «حكايات الغريب»

إيجبتكِ

ارتبط فيلم «حكايات الغريب» بواحدة من الحكايات الإنسانية التي تكشف جانبًا من بطولات المقاومة الشعبية خلال حرب أكتوبر 1973، إذ استلهم أحداثه من قصة حقيقية لسائق مصري دخل مدينة السويس لتوزيع الصحف، قبل أن يجد نفسه محاصرًا وسط المعارك، ويصبح جزءًا من المقاومة التي تصدت للقوات الإسرائيلية.

وبينما جسد الفنان الراحل محمود الجندي شخصية عبد الرحمن على الشاشة، فإن البطل الذي استندت إليه الحكاية في الواقع هو عبد العزيز محمود، الذي ارتبط اسمه بتضحيات أبناء السويس خلال واحدة من أصعب مراحل الحرب. 

عبد العزيز محمود.. سائق الصحف الذي لم يغادر السويس

كان عبد العزيز محمود يعمل سائقًا ومندوبًا لتوزيع الصحف التابعة لمؤسسة الأهرام، واستمر في أداء مهمته خلال حرب أكتوبر، رغم المخاطر التي أحاطت بالطرق المؤدية إلى مدينة السويس.

ووفقًا لروايات نقلتها الصحافة عن الباحث في تاريخ أكتوبر إبراهيم خليل إبراهيم، أصر عبد العزيز على مواصلة توصيل الصحف إلى المدينة، حتى أُغلق الطريق بين القاهرة والسويس في 22 أكتوبر 1973، بينما كان داخلها، ليجد نفسه محاصرًا مع الأهالي والمقاتلين.

لكن وجوده في المدينة لم يكن نهاية مهمته؛ إذ انضم إلى المقاومة الشعبية، وشارك في مواجهة القوات الإسرائيلية، مستفيدًا من المعلومات التي حصل عليها بشأن كيفية التصدي للدبابات وإقامة الكمائن.

وتشير الروايات المنشورة عن قصته إلى أنه شارك في إخلاء المصابين ومساندة الفدائيين، قبل أن يواجه مصيره خلال أحداث 24 أكتوبر، اليوم الذي شهد محاولة القوات الإسرائيلية اقتحام السويس. 

 24 أكتوبر.. النهاية المأساوية للبطل الحقيقي

في اليوم الذي أصبح لاحقًا العيد القومي لمحافظة السويس، شارك عبد العزيز محمود في المقاومة التي تصدت للقوات الإسرائيلية المتقدمة نحو المدينة.

وتروي المصادر التي تناولت سيرته أنه واجه الدبابات الإسرائيلية عند أحد مداخل السويس، وأنه استشهد خلال المواجهات بعد أن أسهم في التصدي للقوات المهاجمة.

وتختلف التفاصيل المتداولة بشأن اللحظات الأخيرة من حياته، لذلك تظل الروايات الصحفية التي نقلت شهادات عن قصته هي الأساس المتاح لإعادة بناء تلك الأحداث، مع ضرورة التمييز بين ما ورد في الشهادات وما أضافته المعالجة الفنية لاحقًا.

وتكشف قصته عن جانب مهم من المقاومة الشعبية، يتمثل في مشاركة مواطنين لم يكونوا جنودًا محترفين في الدفاع عن مدينتهم، بعدما فرضت الحرب عليهم واقعًا استثنائيًا، فتحولوا من أصحاب مهن مدنية إلى مشاركين في معركة المصير.

«حكايات الغريب».. كيف وصلت القصة إلى الشاشة؟

في عام 1992، قدم التلفزيون المصري فيلم «حكايات الغريب»، المستوحى من العمل الأدبي للكاتب جمال الغيطاني، الذي استلهم بدوره قصة حقيقية عن سائق صحف اختفى خلال حصار السويس.

كتب السيناريو والحوار محمد حلمي هلال، وأخرجت الفيلم إنعام محمد علي، فيما جسد محمود الجندي شخصية عبد الرحمن، وشارك في البطولة شريف منير وحسين الإمام ومحمد منير وهدى سلطان ونهلة رأفت. 

ولا يبدأ الفيلم من قلب المعركة مباشرة، بل من واقعة اختفاء عبد الرحمن، وما يترتب عليها من تحركات للبحث عن مصيره. ومع انتقال الأحداث بين القاهرة والسويس، تتكشف حكايات الأشخاص الذين التقوا به خلال فترة الحصار، وتظهر صورة مختلفة للرجل الذي لم يكن معروفًا لدى الجميع بالاسم نفسه.

ومن خلال هذا البناء الدرامي، يتحول البحث عن موظف متغيب إلى رحلة لاستعادة ذاكرة المقاومة الشعبية، وكشف قصص أناس عاديين وجدوا أنفسهم في قلب الحرب، وشاركوا في الدفاع عن الأرض دون أن ينتظروا تكريمًا أو شهرة.

محمود الجندي.. أداء جسّد معنى البطولة الشعبية

قدم محمود الجندي شخصية عبد الرحمن باعتباره مواطنًا عاديًا عاش الإحباط بعد هزيمة 1967، قبل أن تتغير نظرته إلى نفسه وإلى وطنه مع حرب أكتوبر ومشاركة المصريين في مواجهة الاحتلال.

وتكمن أهمية الشخصية في تطورها خلال الأحداث؛ فهي لا تقدم البطل باعتباره مقاتلًا خارقًا منذ البداية، بل إنسانًا يمر بتجارب تغير نظرته إلى الحياة والمسؤولية، حتى يصبح جزءًا من ملحمة أكبر منه.

كما استعان الفيلم بأجواء المقاومة الشعبية والأغاني الوطنية لتقديم الحرب من زاوية إنسانية، بعيدًا عن الاقتصار على استعراض المعارك والأسلحة، وهو ما منح العمل طابعًا خاصًا في تناول ذكرى أكتوبر.

وفي تصريحات نقلتها صحيفة «الاتحاد»، أوضحت المخرجة إنعام محمد علي أن اهتمامها كان منصبًا على الأجيال التي لم تعاصر الحرب، وأنها أرادت تقديم الحكايات البطولية والأغاني الوطنية بوصفها مدخلًا لفهم تلك المرحلة. 

جمال الغيطاني.. من الحكاية الحقيقية إلى الرمز الأدبي

لم يتوقف أثر القصة عند حدود الفيلم؛ فقد منحها جمال الغيطاني بعدًا أدبيًا أوسع، إذ جعل من اختفاء عبد الرحمن مدخلًا للحديث عن المواطنين الذين عاشوا الحصار وشاركوا في المقاومة، ثم غابت تفاصيل كثيرة من حياتهم عن الذاكرة العامة.

ويقوم البناء الأدبي على تعدد الشهادات والروايات التي يحاول من خلالها الباحثون عن عبد الرحمن معرفة ما حدث له، فتتكون صورته تدريجيًا عبر ذاكرة الآخرين، ويتحول غيابه إلى وسيلة لاستحضار حكايات كثيرة عن الصمود والتضحية.

وهكذا لم تعد الحكاية مرتبطة بشخص واحد فقط، بل أصبحت رمزًا لكل من شارك في المقاومة الشعبية، ولكل إنسان عادي دفعته ظروف الحرب إلى اتخاذ موقف استثنائي.

السويس في عيدها القومي.. حكاية تستحق أن تُروى من جديد

تكتسب قصة عبد العزيز محمود أهمية خاصة مع حلول العيد القومي للسويس في 24 أكتوبر، لأنها تضع الضوء على نوع من البطولة لا يرتبط بالرتب العسكرية أو المناصب، وإنما بالإصرار على أداء الواجب والاستعداد للمشاركة في الدفاع عن الآخرين.

كما تكشف قصة «حكايات الغريب» عن الدور الذي يمكن أن يؤديه الفن في حفظ التاريخ؛ فالعمل السينمائي لم يكتفِ باستعادة أحداث الحرب، بل قدم مدخلًا إنسانيًا للتعرف على المقاومة الشعبية، وفتح الباب أمام أجيال لم تعاصر تلك المرحلة لفهم ما عاشه أبناء المدينة.

وبين عبد العزيز محمود في الواقع، وعبد الرحمن على الشاشة، تبقى الرسالة الأهم أن بطولات السويس لم يصنعها شخص واحد، وإنما مجتمع كامل تلاحم مع قواته المسلحة في لحظة فارقة من تاريخ مصر، وأن السينما استطاعت أن تحول قصة رجل مجهول لدى كثيرين إلى حكاية باقية في الذاكرة الوطنية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء