من رصاص المقاومة إلى نغم السمسمية.. حكايات السويس التي خلدتها الشاشة
مع حلول العيد القومي لمحافظة السويس في 24 أكتوبر، تعود إلى الذاكرة حكايات مدينة لم يكن صمودها مجرد حدث عسكري في حرب أكتوبر 1973، بل تجربة إنسانية ووطنية وثّقتها السينما المصرية، واستعادها التلفزيون من خلال الأفلام الوثائقية والبرامج التي كشفت جانبًا من بطولات أبنائها ومقاومتهم للقوات الإسرائيلية.
ومن معركة الأربعين التي أصبحت علامة بارزة في تاريخ المقاومة الشعبية، إلى حكايات الأهالي الذين عاشوا الحصار والتهجير، لم تقتصر صورة السويس على مشاهد الحرب والعبور، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومعاناة المواطنين، والتمسك بالأرض، والأغاني التي تحولت إلى سجل فني يحفظ ذاكرة المدينة.
«حكايات الغريب».. السويس بطلة في قلب الحكاية
يأتي فيلم «حكايات الغريب»، الذي عُرض عام 1992، ضمن أبرز الأعمال السينمائية التي استحضرت أجواء المقاومة الشعبية ومدن القناة خلال الفترة الممتدة من نكسة 1967 إلى حرب أكتوبر.
وتدور أحداث الفيلم حول عبد الرحمن، الذي يجسد شخصيته محمود الجندي، ويعيش تداعيات الهزيمة قبل أن تتغير حياته مع تصاعد الأحداث الوطنية. ومع انتقال الحكاية إلى مدن القناة، تصبح السويس جزءًا أساسيًا من المشهد، بما تحمله من معاني المقاومة والتضحية والتمسك بالأرض.
ويكتسب الفيلم مكانته من تناوله الجانب الإنساني للحرب، بعيدًا عن الاكتفاء بمشاهد المعارك؛ إذ يقترب من مشاعر المواطنين الذين عاشوا تلك المرحلة، ويقدم صورة لجيل انتقل من آثار الهزيمة إلى المشاركة في مسيرة المقاومة.
كما ارتبط الفيلم بأغنية «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي»، التي أصبحت واحدة من أبرز الأغنيات المرتبطة بذاكرة المدينة، لتلتقي الحكاية السينمائية بالأغنية الشعبية في التعبير عن علاقة أبناء السويس ببيوتهم وشوارعهم.
«العمر لحظة».. الفن في مواجهة آثار الحرب
يمثل فيلم «العمر لحظة» للمخرج محمد راضي، وبطولة ماجدة وأحمد مظهر، نموذجًا آخر للأعمال التي تناولت الحرب من زاوية إنسانية واجتماعية، مع التركيز على دور الصحافة والمشاركة المدنية في مواجهة آثار الصراع.
ويقدم الفيلم شخصية الصحفية نعمت، التي تنخرط في العمل الوطني، لتصبح الأحداث مدخلًا لمناقشة مسؤولية الفرد والمجتمع في أوقات الأزمات. وتبرز أهمية العمل في اهتمامه بالأشخاص الذين يعيشون الحرب وتداعياتها، وليس فقط بالمقاتلين في ساحات المواجهة.
وتحضر السويس في سياق هذا الإرث السينمائي المرتبط بالحرب، كما ارتبطت بعض مشاهد الفيلم بأماكن في المدينة وبمشاركة عناصر من فرقة السمسمية، في صورة تجمع بين الحدث الوطني والفن الشعبي.
«كتيبة الإعدام».. السويس في مواجهة الخيانة والذاكرة الثقيلة
في فيلم «كتيبة الإعدام»، الذي عُرض عام 1989، وكتبه أسامة أنور عكاشة وأخرجه عاطف الطيب، تنتقل المعالجة السينمائية إلى منطقة أخرى من آثار الحرب، تتمثل في الخيانة والصراع مع الماضي ومحاولة كشف الحقيقة.
وتدور الأحداث حول شخصية حسن عز الرجال، التي يؤديها نور الشريف، وسط اتهامات تتعلق بالخيانة خلال الحرب، لتتشابك الوقائع مع المصالح والذاكرة الشعبية والبحث عن العدالة.
وعلى الرغم من أن الفيلم لا يقدم إعادة مباشرة لمعركة السويس في 24 أكتوبر 1973، فإن ارتباطه بالمدينة وأجوائها يمنحه مكانًا في قراءة الأعمال التي تناولت آثار الحرب والمقاومة في الوعي الشعبي.
ويكشف العمل عن قدرة السينما على معالجة البطولة من زاوية مختلفة؛ فالمقاومة لا تتوقف عند المواجهة العسكرية، بل تشمل أيضًا الصراع على الحقيقة، ومواجهة الخيانة، واستعادة الثقة في المجتمع.
«صمود السويس».. التلفزيون يوثق شهادات الأبطال
على مستوى الشاشة التلفزيونية، يبرز الفيلم الوثائقي «صمود السويس»، الذي أعلنت قناة «الوثائقية» إنتاجه وعرضه في أكتوبر 2023، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر.
ويتناول الفيلم بطولات أهالي السويس في مواجهة القوات الإسرائيلية خلال محاولتها اقتحام المدينة يوم 24 أكتوبر 1973، مستندًا إلى مقابلات مع عدد من الفدائيين والأهالي الذين عاصروا تلك المرحلة.
ولا تتوقف أهمية الفيلم عند استعادة تفاصيل المواجهة، بل تمتد إلى توثيق الحياة تحت الحصار، والظروف القاسية التي عاشها السكان لأكثر من مئة يوم، وما واجهوه من انقطاع للاتصالات والكهرباء وصعوبات في توفير الاحتياجات الأساسية.
ومن خلال شهادات المشاركين والشهود، يقترب العمل من تفاصيل قد لا تنقلها الكتب العسكرية وحدها، ويمنح المواطنين الذين عاشوا التجربة مساحة لرواية ما حدث بذاكرتهم وتجاربهم.
وهنا تتجلى قيمة الوثائقيات التلفزيونية في حفظ الشهادات الحية، وربط الوقائع التاريخية بأصحابها، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة للتعرف على المقاومة الشعبية من خلال روايات من عاشوا أحداثها.
السمسمية وأغاني المقاومة.. حين تحولت الموسيقى إلى وثيقة تاريخية
لم تنفصل صورة السويس على الشاشة عن تراثها الموسيقي، الذي ارتبط بالبحر ومدن القناة والحياة اليومية، ثم اكتسب بعدًا وطنيًا مع الحروب والتهجير والمقاومة.
وتبرز أغنية «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي» بوصفها واحدة من أبرز العلامات الفنية المرتبطة بالمدينة، إذ تختصر مشاعر الانتماء إلى المكان، والتضحية من أجل بقائه، والتمسك بالعودة إليه مهما اشتدت الظروف.
كما ارتبطت فرقة «أولاد الأرض» بتقديم الأغاني الوطنية التي عبّرت عن تجارب أبناء مدن القناة خلال سنوات الحرب، لتصبح السمسمية وسيلة لحفظ الذاكرة الشعبية ونقلها عبر الأجيال.
وتزداد أهمية هذه الأغاني حين تُستخدم في الأفلام والبرامج الوثائقية، لأنها تمنح المشاهد إحساسًا بالمناخ الذي عاشه الناس، وتربط الصورة التاريخية بالمشاعر الإنسانية التي صاحبتها.
فالسمسمية لا تقدم خلفية موسيقية فحسب، بل تحمل حكايات مجتمع عاش الحرب والتهجير والمقاومة، وتحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى تعبير فني عن الصمود والأمل.
بين السينما والتلفزيون.. ماذا بقي من حكايات السويس؟
تكشف الأعمال التي تناولت السويس عن تعدد زوايا المعالجة الفنية؛ فبعض الأفلام ركز على التجربة الإنسانية للمواطنين، وأخرى تناولت آثار الحرب والصراع على الحقيقة، بينما اتجهت الأعمال الوثائقية إلى توثيق شهادات الفدائيين والأهالي وتفاصيل الحصار والمقاومة.
ومع ذلك، فإن الأعمال التي تخصص سردها بالكامل لمعركة السويس يوم 24 أكتوبر تظل أقل حضورًا من الأعمال التي تناولت حرب أكتوبر بصورة عامة. وهو ما يجعل إعادة تقديم قصص أبطال المدينة في أعمال سينمائية وتلفزيونية جديدة فرصة مهمة لاستكمال جوانب من ذاكرتها الوطنية.
وفي عيد السويس القومي، تستعيد الشاشة حكاية مدينة دافع أبناؤها عن بيوتهم وشوارعهم، وساندوا قواتهم المسلحة، وتركوا وراءهم تاريخًا من البطولة حفظته الشهادات والأفلام والأغاني.
ومن «حكايات الغريب» إلى «صمود السويس»، تظل السينما والتلفزيون وسيلتين أساسيتين لإبقاء هذه الذاكرة حية، بينما تواصل السمسمية أداء دورها في نقل روح المدينة، لتبقى السويس حاضرة في الوجدان المصري باعتبارها مدينة صنعت بطولتها بالصمود، وحفظت حكايتها بالفن.

