في ذكرى ميلاده.. أحمد بدرخان بين صدامات الرقابة وأسرار صناعة روائع السينما
تحل اليوم 18 أكتوبر ذكرى ميلاد المخرج أحمد بدرخان، أحد رواد السينما المصرية الذين أسهموا في تشكيل ملامحها الأولى، وارتبط اسمه بالأفلام الغنائية التي جمعت كبار المطربين بنجوم التمثيل، إلى جانب أعمال وطنية واجتماعية تركت بصمتها في تاريخ الشاشة.
ولد بدرخان عام 1909 في حي الخليفة بالقاهرة، وبدأ شغفه بالسينما منذ طفولته، قبل أن يدرس الإخراج في باريس ويعود إلى مصر حاملًا طموحًا بتطوير صناعة سينمائية محلية تقوم على أسس فنية أكثر تنظيمًا. لكن مسيرته لم تقتصر على النجاحات والأفلام الشهيرة، إذ شهدت محطات من الخلافات المهنية والصدام مع الرقابة، كشفت عن جانب آخر من علاقته بالسينما وقضايا المجتمع.
خلاف مع إدارة استوديو مصر بسبب «وداد»
تعود إحدى المحطات المبكرة في مسيرة أحمد بدرخان إلى فيلم «وداد»، الذي قامت ببطولته أم كلثوم، وكان أول إنتاج روائي طويل لاستوديو مصر، وعُرض عام 1936.
شارك بدرخان في كتابة سيناريو الفيلم خلال دراسته في فرنسا، وكان من المفترض أن يتولى إخراجه، لكن خلافًا نشب بينه وبين أحمد سالم، مدير الاستوديو آنذاك، انتهى بإسناد المهمة إلى المخرج الألماني فريتز كرامب.
ورغم هذه البداية التي حرمته من إخراج العمل الذي شارك في كتابته، لم تتوقف علاقته بأم كلثوم، إذ اختارته لاحقًا لإخراج فيلم «نشيد الأمل» عام 1937، لتبدأ مرحلة مهمة في مشواره، رسخت مكانته في مجال الأفلام الغنائية.
وتكشف هذه الواقعة عن التحديات المهنية التي واجهها بدرخان في بداياته، حتى داخل المؤسسات التي شارك في وضع أسسها الفنية.
«مصطفى كامل».. معركة مع الرقابة بسبب فيلم وطني
من أبرز المواقف التي ارتبطت باسم أحمد بدرخان صدامه مع الرقابة بسبب فيلم «مصطفى كامل»، الذي أخرجه وأنتجه عام 1952، متناولًا سيرة الزعيم الوطني مصطفى كامل ودوره في مقاومة الاحتلال البريطاني.
واجه الفيلم اعتراضات رقابية حالت دون عرضه بالصورة التي أرادها صُنّاعه، وظلت أزمة إجازته للعرض قائمة حتى جاءت ثورة يوليو 1952، التي أسهمت في تجاوز العقبات التي واجهته.
وتبرز أهمية هذه المحطة في أنها لم تكن مجرد خلاف حول عمل سينمائي، بل ارتبطت بمضمون وطني وتاريخي أراد بدرخان تقديمه إلى الجمهور، في وقت كانت فيه الرقابة تؤثر في فرص وصول بعض الموضوعات السياسية والوطنية إلى الشاشة.
ولم يتوقف اهتمامه بالقضايا الوطنية عند هذا الفيلم، إذ أخرج «الله معنا» عام 1955، الذي تناول تداعيات حرب 1948 على الجيش المصري، ليقدم معالجة سينمائية لمرحلة مهمة من التاريخ المصري.
من أم كلثوم إلى فريد الأطرش.. حكاية رائد الفيلم الغنائي
ارتبط اسم أحمد بدرخان بعدد كبير من نجوم الغناء، وفي مقدمتهم أم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان ومحمد فوزي ونجاة الصغيرة، إذ استطاع أن يقدم الأغنية داخل البناء الدرامي للفيلم، مع اهتمام واضح بالديكورات الواسعة واللقطات البانورامية والمشاهد الاستعراضية.
وأخرج معظم أفلام أم كلثوم، باستثناء فيلم «سلامة» الذي أخرجه توجو مزراحي، كما تولى إخراج تسعة أفلام لفريد الأطرش، من بينها «انتصار الشباب» عام 1941، الذي شهد الظهور السينمائي الأول لفريد الأطرش وشقيقته أسمهان.
ومن أبرز أعماله الغنائية أيضًا «نشيد الأمل» و«دنانير» و«فاطمة» لأم كلثوم، إلى جانب أعمال قدمها مع محمد فوزي وعدد من المطربين الآخرين.
ولم يحصر بدرخان نفسه في هذا النوع من السينما، بل تنقل بين الميلودراما والكوميديا والأفلام الاجتماعية والتاريخية، وأخرج «سيد درويش» عام 1966، الذي تناول سيرة الموسيقار المصري، و«أفراح» عام 1968، الذي ارتبط ببداية بروز نجلاء فتحي في البطولة.
مواقف فنية ووطنية صنعت صورته في تاريخ السينما
لم يكن إسهام أحمد بدرخان مقتصرًا على الإخراج، فقد اهتم بالكتابة عن السينما والدعوة إلى إنشاء صناعة مصرية قادرة على إنتاج الأفلام بصورة منتظمة. وأسهمت كتاباته ودراساته في لفت انتباه الاقتصادي طلعت حرب، الذي كلفه بإعداد دراسة بشأن إنشاء استوديو سينمائي، في خطوة ارتبطت بتأسيس استوديو مصر.
كما تولى بدرخان رئاسة نقابة السينمائيين في أكثر من مناسبة، وشارك في تأسيس المعهد العالي للسينما، ليجمع بين العمل الإبداعي والمساهمة في بناء المؤسسات التي تدعم الأجيال الجديدة من صُنّاع الأفلام.
وتكشف هذه المواقف عن جانب يتجاوز شهرته كمخرج للأفلام الغنائية؛ إذ كان من المهتمين بتأسيس بنية مهنية وتعليمية للسينما المصرية، بالتوازي مع تقديم أعمال تستلهم التاريخ والمجتمع.
«نادية».. آخر أفلام أحمد بدرخان
يُعد فيلم «نادية»، بطولة سعاد حسني وأحمد مظهر ونور الشريف، آخر أعمال أحمد بدرخان، وعُرض عام 1969. ورحل المخرج في العام نفسه قبل استكمال مراحل العمل النهائية، ليتولى ابنه المخرج علي بدرخان استكمال المونتاج.
وترك أحمد بدرخان وراءه رصيدًا سينمائيًا يضم عشرات الأفلام، امتدت موضوعاتها من الأغنية والرومانسية إلى القضايا الوطنية والاجتماعية، وظل اسمه حاضرًا بوصفه أحد المخرجين الذين أسهموا في ترسيخ تقاليد الفيلم الغنائي وتطوير الصناعة السينمائية المصرية.
وفي ذكرى ميلاده، تستعاد تجربته باعتبارها مسيرة جمعت بين الطموح الفني والصراعات المهنية والرقابية، وبين الانشغال بنجوم الغناء والإيمان بدور السينما في التعبير عن التاريخ والواقع.


