رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من «بورسعيد» إلى «أوراق مصرية».. كيف وثقت الشاشة المصرية رحلة الجلاء؟

إيجبتكِ

في مثل هذا اليوم، 19 أكتوبر عام 1954، وقّع جمال عبد الناصر، رئيس وزراء مصر آنذاك، اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، التي نصت على انسحاب القوات البريطانية من الأراضي المصرية خلال 20 شهرًا. ولم يكن هذا الاتفاق نهاية القصة في لحظته، إذ استمر تنفيذ الانسحاب على مراحل، حتى غادر آخر جندي بريطاني مصر في 18 يونيو 1956، وهو اليوم الذي ارتبط بذكرى عيد الجلاء. 

وبعد هذه المحطة التاريخية، استلهمت السينما المصرية والدراما التليفزيونية مراحل مختلفة من رحلة التحرر الوطني؛ فظهرت أعمال تناولت مقاومة الاحتلال، وأخرى رصدت التحولات السياسية والاجتماعية التي صاحبت ثورة يوليو، فيما عالجت أعمال أخرى العدوان الثلاثي وما ارتبط به من مقاومة شعبية. لكن من المهم التمييز بين الأعمال التي تناولت اتفاقية الجلاء مباشرة، وتلك التي استحضرت السياق التاريخي المحيط بها.

«بورسعيد».. المقاومة الشعبية في مواجهة العدوان

يأتي فيلم «بورسعيد»، الذي عُرض عام 1957 وأخرجه عز الدين ذو الفقار، ضمن أبرز الأعمال التي استحضرت مرحلة الصراع مع القوى الأجنبية في أعقاب تأميم قناة السويس. وتدور أحداثه خلال العدوان الثلاثي على المدينة، من خلال قصة مقاومة أهل بورسعيد للمؤامرات وشبكات التجسس، ويجسد فريد شوقي شخصية تقود مجموعة من المقاومين، بينما تشارك ليلى فوزي في الأحداث بشخصية مرتبطة بشبكة التجسس.

ورغم أن الفيلم لا يتناول توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954 بوصفه محوره الأساسي، فإنه يقدم صورة درامية للمقاومة الشعبية في مرحلة تالية، ويعكس استمرار الصراع على السيادة الوطنية بعد الاتفاقية. 

«رد قلبي» و«شروق وغروب».. تحولات ما قبل الثورة وما بعدها

وفي فيلم «رد قلبي»، الذي عُرض عام 1957، اتجهت السينما إلى تصوير المجتمع المصري قبل ثورة يوليو، من خلال قصة حب تجمع شابًا من أسرة بسيطة بأميرة، وسط الفوارق الطبقية والصراعات الاجتماعية. ومع تطور الأحداث، تظهر آثار الثورة والتحولات التي أحدثتها في بنية المجتمع.

أما فيلم «شروق وغروب»، الذي عُرض عام 1970، فيستعيد جانبًا من أجواء العهد الملكي وصراعات السلطة والنفوذ، ويقدم قراءة درامية للتحولات السياسية التي مهدت لمرحلة جديدة في تاريخ مصر.

ولا يعرض الفيلمان اتفاقية الجلاء باعتبارها حدثًا منفصلًا، لكنهما يساعدان في فهم المناخ السياسي والاجتماعي الذي سبقها، والمرحلة التي أعقبت ثورة يوليو، وما حملته من تغيرات في علاقة الدولة بالمجتمع. 

«أوراق مصرية».. الجلاء داخل حكاية التاريخ السياسي

على شاشة التليفزيون، قدم مسلسل «أوراق مصرية» معالجة درامية ممتدة لمحطات من التاريخ السياسي المصري. وتناول الجزء الثالث، الذي عُرض عام 2004، أحداثًا تبدأ من إلغاء معاهدة 1936، مرورًا بقيام ثورة يوليو وتطورات السلطة بعدها، وصولًا إلى الجلاء وتأميم قناة السويس.

وتمنح هذه المعالجة اتفاقية الجلاء موقعًا داخل سياق تاريخي أوسع، بدلًا من الاكتفاء بلحظة التوقيع وحدها؛ إذ تربط بين المفاوضات السياسية، والتحولات التي أعقبت الثورة، والأحداث التي أسهمت في إعادة تشكيل علاقة مصر ببريطانيا.

ويمثل «أوراق مصرية» مثالًا على قدرة المسلسل التاريخي طويل الحلقات على تتبع الأحداث المتعاقبة، وتقديم الشخصيات والقرارات السياسية ضمن شبكة من الظروف التي سبقتها والنتائج التي ترتبت عليها. 

 من التوثيق الدرامي إلى الأفلام التسجيلية

إلى جانب الأعمال الروائية، تظل الأفلام التسجيلية والمواد الأرشيفية التلفزيونية وسيلة أساسية لاستعادة تفاصيل اتفاقية الجلاء، من خلال صور التوقيع، وأرشيف الصحف، وشهادات المؤرخين، وتوثيق مراحل انسحاب القوات البريطانية.

وتزداد أهمية هذا النوع من المحتوى عند تناول الأحداث السياسية التي قد تختلط تفاصيلها في الذاكرة العامة؛ فهناك فارق بين توقيع الاتفاقية في أكتوبر 1954، وبين استكمال الانسحاب في يونيو 1956. كما أن تناول العدوان الثلاثي في فيلم «بورسعيد» لا يعني أن أحداثه تدور حول توقيع الاتفاقية، بل حول مرحلة تاريخية لاحقة.

وفي ذكرى 19 أكتوبر، تكشف هذه الأعمال كيف تعاملت الشاشة المصرية مع رحلة الجلاء من زوايا متعددة: مقاومة شعبية، وتحولات اجتماعية، وصراعات سياسية، وتوثيق للحظات فارقة. وبينما لم تتجه كل الأعمال إلى إعادة تمثيل مراسم توقيع الاتفاقية نفسها، فإنها ساهمت في إبقاء السياق التاريخي حاضرًا في الذاكرة الفنية المصرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء