رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كيف نقوم بالتربية السليمة دون ممارسة الضغط العاطفي والنفسي على أبنائنا؟

إيجبتكِ

حذّر خبراء في الطب النفسي والتربية من خطورة الابتزاز العاطفي الذي قد يمارسه بعض الآباء والأمهات على أبنائهم دون إدراك لتأثيراته النفسية والتربوية، مؤكدين أن استخدام مشاعر الحب والذنب والتضحية وسيلةً لإجبار الأطفال على الطاعة قد ينعكس سلبًا على ثقتهم بأنفسهم، وقدرتهم على اتخاذ القرارات، وعلاقاتهم بالآخرين مستقبلًا.

جاء ذلك خلال مناقشة إعلامية تناولت أساليب التربية الخاطئة، بمشاركة الدكتورة صفاء حمودة، أستاذة الطب النفسي للأطفال بجامعة الأزهر، والدكتور عاصم حجازي، أستاذ التقويم التربوي بجامعة القاهرة، حيث سلطا الضوء على أبرز صور الابتزاز العاطفي، وتأثيراته على شخصية الطفل، وسبل بناء علاقة أسرية صحية تقوم على الحب والاحترام والحوار.

«ضحيت بحياتي علشانكم».. عبارات تتحول إلى ضغط نفسي

من جانبها، أوضحت الدكتورة صفاء حمودة أن الابتزاز العاطفي يظهر عندما يستخدم الوالدان مشاعر الطفل وسيلة للضغط عليه، من خلال عبارات مثل: «لو بتحبني اعمل كده»، و«أنا ضحيت بحياتي علشانكم»، و«أنا تعبت بسببكم»، أو التهديد بحرمانه من الحب والرعاية أو إشعاره بأنه المسؤول عن معاناة والديه.

وأضافت أن من أبرز صور الابتزاز العاطفي تهديد الطفل بخسارة علاقته بوالديه، أو تحميله مسؤولية تضحياتهما، أو استخدام المرض والتعب النفسي وسيلة لإجباره على تنفيذ رغباتهما، فضلًا عن التهديد بالحرمان من الميراث أو الطرد من المنزل.

وأكدت أن هذه الأساليب قد تجعل الطفل يشعر بأن الحب ليس حقًا طبيعيًا، وإنما شيء يجب أن يدفع ثمنه بالطاعة والتنازل عن رغباته واحتياجاته، وهو ما قد يؤثر على نظرته إلى نفسه وعلى علاقاته المستقبلية.

الابتزاز العاطفي يضعف الثقة بالنفس ويهدد التفوق الدراسي

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور عاصم حجازي أن الابتزاز العاطفي المتكرر قد يؤثر سلبًا على الأداء الدراسي للطفل، حتى إن كان يتمتع بقدرات عقلية مرتفعة وإمكانات تؤهله للتفوق.

وأوضح أن الطفل الذي يتعرض باستمرار للضغط والمقارنات قد يبدأ في النظر إلى نفسه باعتباره شخصًا ضعيفًا أو فاشلًا، ويتراجع إيمانه بقدرته على تحقيق أهدافه، بما يؤدي إلى الإحباط وفقدان الرغبة في بذل الجهد.

وأشار إلى أن مقارنة الأبناء بإخوتهم أو أقاربهم أو زملائهم من أكثر الأساليب التي تزيد الضغط النفسي، خاصة عندما تركز الأسرة على نقاط ضعف الطفل بدلًا من مساعدته على تطوير قدراته.

وأضاف أن المبالغة في توقعات الوالدين، مثل الإصرار على التحاق الطفل بكلية معينة دون مراعاة قدراته وميوله، مع استمرار مقارنته بآخرين، قد تدفعه إلى تبني صورة سلبية عن ذاته، وربما الانسحاب من العملية التعليمية إذا شعر بأنه غير قادر على تلبية تلك التوقعات.

الطاعة المطلقة ليست دليلًا على نجاح التربية

وشدد حجازي على أن موافقة الطفل على جميع طلبات والديه دون اعتراض لا تعني بالضرورة نجاح التربية، موضحًا أن الطاعة المطلقة قد تكون مؤشرًا على عدم قدرة الطفل على التعبير عن رأيه أو الدفاع عن احتياجاته الشخصية.

وأكد أهمية منح الأبناء مساحة مناسبة لأعمارهم للتعبير عن آرائهم ومناقشة القرارات، بما يساعدهم على بناء شخصية مستقلة والقدرة على اتخاذ القرارات والتعامل مع الضغوط خارج المنزل.

وأضاف أن الطفل الذي ينشأ على الخوف من الاعتراض أو إغضاب الآخرين قد يواجه صعوبة في وضع حدود صحية في علاقاته المستقبلية، سواء مع شريك الحياة أو زملاء العمل أو المديرين، بينما قد يتجه بعض الأطفال إلى التمرد الحاد نتيجة تراكم الضغوط والشعور المستمر بالتقييد.

الشعور الدائم بالذنب قد يمتد إلى العلاقات الزوجية والعملية

من جانبها، حذرت الدكتورة صفاء حمودة من أن تحميل الأبناء مسؤولية الحالة النفسية للوالدين، من خلال عبارات مثل «أنت السبب في تعبي» أو «أنت اللي مزعلني»، قد يدفع الطفل إلى الشعور الدائم بالذنب وتحميل نفسه مسؤولية مشكلات الآخرين.

وأوضحت أن هذه المشاعر قد تستمر إلى مرحلة البلوغ، فيصبح الشخص أكثر ميلًا إلى إرضاء الآخرين على حساب احتياجاته، ويشعر بأنه مسؤول عن أي خلاف أو توتر في علاقاته، سواء داخل الأسرة أو في محيط العمل.

وأضافت أن تكرار هذا النمط من التعامل قد يسهم في انخفاض تقدير الذات وتكوين صورة سلبية عن النفس، مشيرة إلى أن بعض الحالات قد تتطور إلى مشكلات نفسية خطيرة، وهو ما يستدعي التعامل بجدية مع الضغوط النفسية التي يتعرض لها الأطفال، وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.

كيف يربي الآباء أبناءهم دون ابتزاز عاطفي؟

وأكدت حمودة أن التربية السليمة لا تعني التخلي عن القواعد أو الثواب والعقاب، وإنما تقوم على الفصل بين حب الطفل وتقييم سلوكه، بحيث يدرك أن والديه يحبانه بصورة ثابتة، حتى عندما يخطئ أو يخالف التعليمات.

وأوضحت أهمية التعبير عن الحب بصورة مباشرة، دون ربطه بتحقيق إنجاز معين أو تنفيذ طلبات الوالدين، مع وضع قواعد واضحة ومتفق عليها بشأن المذاكرة والنوم واللعب والمسؤوليات اليومية.

وشددت على ضرورة تطبيق العواقب التربوية بهدوء وثبات، بعيدًا عن الانفعال والانتقام، مع مراعاة التناسب بين الخطأ والعقوبة، وعدم تغيير القواعد وفقًا للحالة المزاجية للوالدين.

كما دعت إلى الاستماع إلى الأبناء واحترام آرائهم، ومنحهم خيارات مناسبة لأعمارهم، بما يعزز شعورهم بالمسؤولية والاستقلالية، ويساعدهم على التعلم من أخطائهم بدلًا من الخوف المستمر من العقاب.

الحوار الأسري طريق لاستعادة الثقة

وأكد الخبراء أهمية تخصيص وقت للحوار داخل الأسرة، يتيح للأبناء التعبير عن مشاعرهم ومشكلاتهم بحرية، مع حرص الوالدين على الاستماع إليهم باهتمام، بعيدًا عن اللوم والتهديد والمقارنات.

وأشاروا إلى أن تصحيح أساليب التربية الخاطئة ممكن، حتى بعد سنوات من الضغط النفسي، من خلال تغيير نمط التعامل داخل الأسرة، وتوحيد مواقف الأب والأم بشأن القواعد والعواقب، وتعزيز الحوار والاحترام المتبادل.

واختتمت المناقشة بالتأكيد على ضرورة نشر الوعي بمخاطر الابتزاز العاطفي، ومراجعة بعض الأنماط التربوية المتوارثة التي قد تُمارس بدافع الحب والخوف على الأبناء، لكنها تتحول مع التكرار إلى مصدر للضغط والأذى النفسي، بما يهدد قدرتهم على بناء شخصية متوازنة وعلاقات صحية في المستقبل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء