أنس القاضي من صنعاء عن تطورات المعركة: ما يحدث معركة من أجل السلام|خاص
في ظل التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة التي تشهدها اليمن، والتصعيد المرتبط بمعركة «فجر اليمن»، وما يرافقه من تحركات عسكرية في محيط مضيق باب المندب، تتزايد التساؤلات بشأن طبيعة الأهداف الحقيقية لهذه المواجهات، وحدود الدور الأمريكي، وحسابات المملكة العربية السعودية، وانعكاسات الصراع على مستقبل التسوية السياسية في البلاد.
وفي حوار خاص لـ«إيجبتك»، من العاصمة اليمنية صنعاء، يقدم الباحث السياسي اليمني أنس القاضي قراءته للمشهد اليمني، متناولا الموقف الأمريكي من التطورات العسكرية، وطبيعة الدعم الذي تتلقاه السعودية، وجذور الأزمة السياسية اليمنية الممتدة منذ عام 2011، فضلا عن رؤيته لأهداف معركة «فجر اليمن» والجهات المستفيدة منها، ودلالات التحركات العسكرية في محيط باب المندب، ومستقبل المواجهة بين الأطراف اليمنية.
الموقف الأمريكي في اليمن

كيف تقرأون الموقف الأمريكي من التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن، في ظل التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمال التدخل؟
أنس القاضي: منذ بداية هذه المعركة، تتخذ الولايات المتحدة موقفا يقوم على النأي بنفسها عن التدخل العسكري المباشر، ولم يطرأ حتى الآن تغيير جوهري على هذا الموقف.
أما تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي، فيمكن فهمه في إطار طبيعة الموقف الذي يجد نفسه مطالبا بتوضيحه أمام وسائل الإعلام؛ فهو يحتاج إلى تقديم إجابة للصحفي الذي يطرح السؤال، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يظهر بمظهر المتجاهل أو المتساهل تجاه دولة يعتبرها شريكا للولايات المتحدة.
ومن هنا جاء تصريح ترامب بأنه سيدرس الأمر، وهو تصريح لا يعني بالضرورة أن قرار التدخل العسكري قد اتُّخذ، أو أن واشنطن تتجه بالفعل إلى الانخراط المباشر في المواجهات.
في تقديري، لو كانت الولايات المتحدة تعتزم التدخل عسكريا بصورة مباشرة، لكان التوقيت الأرجح لذلك هو العاشر من سبتمبر، بالتزامن مع التطورات المتعلقة بتحرير مضيق باب المندب، نظرا إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق وحساسيته الأمنية والاقتصادية، وتأثيره المباشر على حركة التجارة والملاحة الدولية. ومع ذلك، لم تقدم واشنطن على هذا التدخل.
وهناك مجموعة من الظروف المعقدة التي تؤثر في الحسابات الأمريكية، من بينها الصراع المرتبط بمضيق هرمز، والحرب في أوكرانيا، فضلا عن طبيعة التوجهات الاستراتيجية الأمريكية في المرحلة الحالية.

كما أن سياسة الأمن القومي الأمريكية الأخيرة كانت واضحة، من حيث التأكيد على أن الولايات المتحدة ستدعم حلفاءها، لكنها لن تخوض الحروب نيابة عنهم. وهذا التوجه يفسر جانبا من طبيعة التعامل الأمريكي مع التطورات الجارية، إذ تفضل واشنطن تقديم الدعم لحلفائها بدلا من تحمل المسؤولية المباشرة عن إدارة المواجهات العسكرية.
وبناء على ذلك، فإن الموقف الأمريكي حتى اليوم لا يشير إلى وجود تدخل عسكري مباشر في هذه المعركة، وإن كان من الممكن أن يتغير خلال الأيام المقبلة تبعا لتطورات الميدان وحسابات المصالح الأمريكية.
أما فيما يتعلق بالدعم غير المباشر، فهناك، بحسب تصريحات قائد المنطقة المركزية الأمريكية نحو 200 ضابط أمريكي يقدمون دعما لوجستيا للسعودية من داخل المملكة.
ويتمثل دورهم في مساندة المنظومة العسكرية والدفاعية السعودية وتشغيل بعض مكوناتها، وهو ما يعني أن غياب التدخل العسكري الأمريكي المباشر لا ينفي وجود أشكال أخرى من الدعم والمساندة.
تبادل للإتهامات
تزامنا مع هذه التطورات، تحدث الإعلام الحوثي عن شن الطيران السعودي سبع غارات على مديرية حرف سفيان، بينها غارات استهدفت مزرعة دواجن ودمرتها بالكامل. كيف يمكن قراءة هذه التطورات في سياق المشهد العسكري اليمني؟
يؤكد القاضي إن ما أورده الإعلام الحوثي بشأن شن سبع غارات جوية على مديرية حرف سفيان، واستهداف مزرعة دواجن وتدميرها بصورة كاملة، يأتي في سياق التصعيد العسكري المستمر وما يصاحبه من تبادل للاتهامات بشأن طبيعة الأهداف التي تتعرض للهجمات.
ومن المهم، عند قراءة هذه التطورات، وضعها في إطار المشهد العسكري الأوسع، وعدم فصل العمليات الجوية عن الحسابات السياسية والعسكرية المرتبطة بالصراع في اليمن.
فالتطورات الميدانية لا تتعلق فقط بالمواقع التي تتعرض للقصف، بل ترتبط أيضا بمحاولات الأطراف المتصارعة التأثير في مسار المواجهة وفرض معادلات جديدة على الأرض.
وفي هذا السياق، تظل حماية المدنيين والمنشآت المدنية مسألة أساسية، كما أن تقييم نتائج الغارات وحجم الأضرار الناجمة عنها ينبغي أن يستند إلى معلومات موثقة بشأن طبيعة الأهداف والخسائر البشرية والمادية.
جذور الأزمة اليمنية
بعيدا عن التطورات العسكرية المباشرة، كيف تفسرون جذور الأزمة اليمنية؟ وهل ترون أنها أزمة طائفية أو مناطقية، كما يذهب بعض التحليلات؟
أنس القاضي: الأزمة اليمنية القائمة ليست، في جوهرها، أزمة طائفية أو مناطقية، وإنما هي أزمة شرعية سياسية ممتدة منذ عام 2011، ترتبط بمشكلة أعمق تتعلق ببناء الدولة اليمنية وطبيعة النظام السياسي الذي يحكم البلاد.
حتى اليوم، لدينا في صنعاء وعدن مجالس حكم نتجت عن ترتيبات وشراكات سياسية، وليس لدينا رئيس جمهورية منتخب شعبيا على مستوى البلاد كلها. وهذا الواقع يعكس عمق الأزمة السياسية التي لم تنجح الأطراف المختلفة في معالجتها بصورة نهائية.
لكن جذور المشكلة لا تبدأ في عام 2011 وحده، بل تمتد إلى مسألة بناء الدولة منذ قيام الوحدة اليمنية عام 1990. فدولة الوحدة، التي كان يفترض أن تكون دولة لجميع اليمنيين، لم تُبنَ حتى اليوم على أساس وطني جامع يضمن السيادة الوطنية والمواطنة المتساوية، ويؤسس لشراكة حقيقية بين مختلف مكونات المجتمع اليمني.
صياغة حلول سياسية
وحتى اليوم، لا تزال السعودية، وفق قراءتي، تحاول صياغة الحلول السياسية داخل اليمن بما يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية.
وبدلا من أن تبدأ التسوية من تحديد الأولويات الوطنية اليمنية، يُطلب من اليمنيين أولا البحث عن صيغة ترضي المملكة وتحافظ على نفوذها، ثم يأتي البحث عن المصالح اليمنية في مرحلة لاحقة.
وبهذا المعنى، يصبح ترتيب الأولويات في الأزمة اليمنية معكوسا؛ إذ تتقدم المصلحة السعودية على المصلحة اليمنية، وكأن المطلوب من اليمنيين أن يضمنوا مصالح الرياض أولا، ثم يبحثوا، إن بقي مجال لذلك، عن مصالحهم الوطنية.
وهذه هي إحدى الإشكاليات الأساسية التي ينبغي معالجتها إذا أردنا الوصول إلى تسوية حقيقية للأزمة اليمنية، لأن أي حل لا ينطلق من مصالح اليمنيين وحقهم في بناء دولة مستقلة ذات سيادة، سيظل عرضة للتعثر وإعادة إنتاج الصراع.
مضيق باب المندب السر
وهنا يبرز السؤال: لماذا يجري التركيز على هذه المنطقة تحديدا، بدلا من إعطاء الأولوية للجبهات التي يُفترض أنها تمثل معركة الحكومة التي يرأسها العليمي؟
أرى أن الإجابة ترتبط بالحسابات الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية، وبالأهمية التي يمثلها الساحل الغربي ومضيق باب المندب في موازين القوة الإقليمية والدولية.
فهذا الموقع لا يمثل مجرد منطقة جغرافية يمنية، بل يشكل ممرا بحريا استراتيجيا بالغ الأهمية لحركة التجارة العالمية والملاحة الدولية. والسيطرة عليه تمنح الجهة التي تتحكم فيه وزنا إضافيا في الحسابات السياسية والعسكرية، وتوفر لها أوراق ضغط يمكن استخدامها في المفاوضات الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنطلق، أرى أن محمد بن سلمان يسعى إلى تحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز مسألة استعادة مناطق يمنية بعينها، إذ تتصل هذه الأهداف بموقع مضيق باب المندب ودوره في موازين النفوذ الإقليمي، فضلا عن محاولة استعادة أوراق ضغط فقدتها الرياض في سياق الصراع مع صنعاء.
ومن بين هذه الأوراق، ما يتعلق بوقف صنعاء تصدير النفط السعودي، والقيود التي أثرت في الحركة الجوية السعودية، وفق توصيفي للتطورات القائمة. ولذلك أرى أن معركة الساحل تخدم حسابات سعودية أوسع من الأهداف التي يُفترض أن تتحرك الحكومة اليمنية لتحقيقها.
أما رشاد العليمي، فإنني أرى أن موقعه في هذه المعادلة يثير تساؤلات بشأن مدى استقلال قراره السياسي والعسكري، ومدى قدرته على تحديد أولويات المعركة بعيدا عن الحسابات السعودية.
ولهذا أقول إن «فجر اليمن»، في تقديري، أقرب إلى أن تكون معركة مرتبطة بحسابات بن سلمان الاستراتيجية منها إلى أن تكون معركة العليمي لاستعادة المناطق التي يفترض أن حكومته تسعى إلى بسط سيطرتها عليها.
فجر اليمن واستعادة صنعاء

لكن اسم «فجر اليمن» يوحي بأنها معركة تهدف إلى إنهاء سيطرة حكومة صنعاء واستعادة الدولة. فهل ترون أن الأهداف المعلنة تختلف عن الأهداف الفعلية للعمليات العسكرية؟
أنس القاضي: قد يحمل اسم «فجر اليمن» إيحاء سياسيا بأننا أمام معركة تهدف إلى إسقاط ما يصفه الطرف الآخر بالانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، وهو الخطاب الذي يجري الترويج له عند الحديث عن أهداف العمليات العسكرية.
لكن تقييم أي معركة لا ينبغي أن يعتمد على الاسم الذي تحمله أو الشعارات التي تُرفع بشأنها، بل يجب أن يستند إلى طبيعة العمليات العسكرية، والمواقع المستهدفة، وحجم الدعم المقدم لكل جبهة، والأهداف التي يجري العمل على تحقيقها ميدانيا.
وعندما ننظر إلى الجغرافيا التي تتركز فيها عمليات «فجر اليمن»، نجد أنها تتجه بصورة أساسية نحو الساحل الغربي والمناطق القريبة من مضيق باب المندب، وليس نحو جبهات ريف تعز والمدينة بالقدر الذي يفترضه الخطاب المتعلق باستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء.
ويظهر هذا التباين أيضا عند النظر إلى طبيعة الإسناد الجوي الذي تحصل عليه القوات المشاركة في العمليات المختلفة.
فبحسب ما أشرت إليه، دفعت السعودية بنحو 100 طائرة في الساحل لدعم معركتها هناك، وهو ما اعتبره مؤشرا على حجم الأهمية التي توليها الرياض لهذه الجبهة. وفي المقابل، لم تحصل القوات التابعة للحكومة في جبهات ريف تعز على إسناد جوي مماثل، الأمر الذي يعكس، من وجهة نظري، تفاوتا واضحا في توزيع الدعم العسكري.
كما أن قوات العمالقة في الساحل تحظى، وفق قراءتي، بمستوى من الإسناد لا يتوافر بالدرجة نفسها للقوات الموجودة في جبهات تعز، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن هناك أولويات مختلفة يجري العمل على تحقيقها في كل جبهة.
ومن هنا، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف في توزيع القوات، بل بطبيعة الأهداف الاستراتيجية التي تسعى الأطراف الداعمة إلى تحقيقها.
فإذا كانت الأولوية الفعلية هي استعادة الدولة اليمنية وبسط سلطة الحكومة على المناطق التي فقدتها، فمن المفترض أن تنعكس هذه الأولوية على خريطة العمليات العسكرية وحجم الإسناد المقدم للجبهات المختلفة.
ولا أستبعد أن تتجه المواجهات مستقبلا نحو مدينة تعز نفسها، التي أصف وضعها الحالي بأنه محاصر، لكنني أرى أن السعودية ستواصل التركيز على معركتها في محيط المضيق الاستراتيجي، سعيا إلى السيطرة عليه من خلال القوات المحلية المتحالفة معها.
وبالتالي، فإن الفارق بين الشعارات المعلنة والوقائع الميدانية يظل عنصرا أساسيا في فهم طبيعة هذه المعركة، وتحديد ما إذا كانت أهدافها تنطلق من أولويات يمنية داخلية أم من حسابات إقليمية أوسع.
تحركات في باب المندب
تحدثتم عن تحركات عسكرية في محيط مضيق باب المندب. ما تفاصيل ما جرى اليوم، وما طبيعة الهجمات التي تقولون إنها استهدفت المنطقة؟
أنس القاضي ما حدث اليوم، بحسب المعلومات المتداولة في هذا السياق، هو هجوم استهدف المناطق الواقعة جنوب ذوباب، وانطلق من منطقة المضاربة ورأس العارة في محافظة لحج، باتجاه المناطق المحيطة بمضيق باب المندب.
وقد وقع الهجوم الأول، وتمكنت القوات المدافعة، وفق المعلومات التي أستند إليها، من كسره والتصدي له. وبعد مرور ساعات، وقع هجوم آخر في المنطقة نفسها، لكن المحاولة الثانية جرى التصدي لها أيضا وإفشالها.
وهذه التطورات تشير إلى أن المنطقة لا تزال تشهد محاولات عسكرية متتابعة، وأن المضيق يمثل نقطة محورية في الحسابات الميدانية للأطراف المنخرطة في الصراع.
وبحسب تقديري، فإن الهدف من هذه التحركات هو محاولة الوصول إلى المنطقة الاستراتيجية المحيطة بباب المندب والسيطرة عليها، لما تمثله من أهمية كبيرة في حركة الملاحة الدولية وموازين النفوذ الإقليمي.
احتمالات التصعيد
في ظل هذه المواجهات، ما موقفكم من احتمالات التصعيد المقبل؟ وهل تتوقعون انتقال المعارك إلى مدينة تعز أو مناطق أخرى؟
أنس القاضي: لا يمكن استبعاد اتساع نطاق المواجهات، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها الساحل الغربي ومضيق باب المندب بالنسبة إلى الأطراف المتصارعة.
فإذا استمرت محاولات السيطرة على المضيق، فمن الممكن أن نشهد هجمات إضافية في المناطق المحيطة به، وقد تتغير طبيعة العمليات وفقا لنتائج المواجهات القائمة وقدرة كل طرف على الحفاظ على مواقعه.
وفي الوقت نفسه، تظل مدينة تعز ومحيطها من المناطق التي قد تتأثر بالتطورات العسكرية، لا سيما في ظل الأوضاع القائمة في ريف المحافظة والتباينات المتعلقة بحجم الإسناد المقدم للجبهات المختلفة.
لكن ينبغي التمييز بين احتمال توسع العمليات العسكرية وبين وجود قرار نهائي بالانتقال إلى جبهة بعينها. فذلك يرتبط بحسابات ميدانية وسياسية لا يمكن الجزم بنتائجها مسبقا.
ما أؤكده هو أن استمرار التركيز على السيطرة على المناطق الاستراتيجية قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب، إذا لم تترافق العمليات العسكرية مع مسار سياسي واضح يعالج جذور الأزمة ويضع حدا للتدخلات الخارجية التي تؤثر في القرار اليمني.
كما أن أي تصعيد جديد ينبغي أن يُقيَّم من زاوية تكلفته الإنسانية، وليس فقط من زاوية المكاسب العسكرية التي قد يحققها أحد الأطراف.
مستقبل تعز
مع استمرار العمليات العسكرية، كيف تنظرون إلى مستقبل مدينة تعز، وما الخيارات المتاحة لتجنب المزيد من الخسائر البشرية؟
أنس القاضي: نأمل أن يجري التعامل مع الوضع في مدينة تعز ومحيطها بطريقة تفضي إلى حقن الدماء وتجنب المزيد من الخسائر البشرية، وأن يتم تسليم المواقع العسكرية بصورة سلسة، بما يتيح معالجة الأوضاع القائمة من دون توسيع نطاق المواجهات.
وفي هذا الإطار، أرى أن العفو العام يمكن أن يمثل إحدى الآليات الممكنة لمعالجة أوضاع الأفراد الذين شاركوا في المواجهات، وفتح المجال أمام تسوية تتيح تجاوز آثار الصراع، شريطة أن تكون هناك ترتيبات واضحة تضمن عدم تجدد القتال وتحافظ على أمن السكان.
ومن المهم التأكيد أن الحرب، وفق موقفنا، ليست حربا ضد سكان مدينة تعز، كما أنها ليست حربا ضد سكان المخا أو مناطق الحجرية. فهذه المناطق جزء من الجغرافيا اليمنية، وسكانها جزء من الشعب اليمني الذي ينبغي أن يكون شريكا في مستقبل البلاد.
المسألة، كما أراها، تتعلق ببسط السيطرة على الجغرافيا اليمنية وإنهاء وجود القوات التي تدعمها السعودية وتراهن عليها باعتبارها أوراق ضغط يمكن استخدامها لمواصلة الحرب والحصار.
ولذلك، فإن التعامل مع الوضع في تعز يجب أن يميز بين السكان المدنيين وبين التشكيلات العسكرية المنخرطة في القتال، حتى لا يتحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة يدفع ثمنها المواطنون الذين يعانون بالفعل من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
وأرى أن تسليم المواقع العسكرية، وفتح المجال أمام المصالحات، وتفعيل آليات العفو العام، يمكن أن تساعد في تقليل الخسائر إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة لذلك.
والهدف في النهاية ينبغي أن يكون إنهاء المواجهات الداخلية، وتهيئة الظروف أمام تسوية يمنية شاملة، وليس نقل الحرب من منطقة إلى أخرى أو إعادة إنتاجها بأشكال مختلفة.
معركة من أجل السلام
تصفون المواجهة الحالية بأنها معركة من أجل السلام، رغم استمرار العمليات العسكرية. كيف تفسرون هذا التوصيف؟
أنس القاضي: عندما أصف هذه المواجهة بأنها معركة من أجل السلام، فإنني أنطلق من تصور مفاده أن الضغط العسكري والسياسي يمكن أن يدفع السعودية إلى مراجعة سياساتها تجاه اليمن، ووقف العمليات العسكرية ورفع الحصار والعودة إلى طاولة المفاوضات.
ومن وجهة نظري، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد تحقيق مكاسب ميدانية، وإنما باستخدام هذه المكاسب والضغوط لتغيير المعادلة التي حكمت الصراع خلال السنوات الماضية، والتي أرى أنها أتاحت للسعودية الاحتفاظ بأوراق نفوذ داخل اليمن واستخدامها للتأثير في القرار السياسي والعسكري.
وفي هذا السياق، تترافق المواجهات العسكرية مع أشكال أخرى من الضغط، تشمل، بحسب ما يرد في الخطاب الصادر عن الأطراف المنخرطة في الصراع، استهداف مطارات سعودية ومنشآت مرتبطة بقطاع النفط، إلى جانب فرض قيود على مرور السفن النفطية السعودية.
كما تحدثت عن توقف الرحلات الجوية في السعودية ضمن توصيفي للتطورات الراهنة، لكن تقييم حجم هذا التأثير ومداه الفعلي يظل مرتبطا بالمعلومات المتاحة عن حركة الطيران والإجراءات التشغيلية في المطارات السعودية.
وأرى أن تزامن الضغوط العسكرية والاقتصادية يمكن أن يؤثر في حسابات الرياض، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاعات شديدة الحساسية بالنسبة إلى الاقتصاد السعودي، مثل النفط والملاحة الجوية والبحرية.
وبحسب هذا التصور، فإن الضغط على المصالح السعودية، بالتوازي مع تقليص قدرتها على استخدام الأدوات المحلية داخل اليمن، قد يدفعها في نهاية المطاف إلى وقف العمليات العسكرية ورفع الحصار والعودة إلى المفاوضات.
لكنني أؤكد أن الهدف النهائي الذي ينبغي السعي إليه هو الوصول إلى تسوية سياسية يمنية يمنية، يكون اليمنيون أطرافها الأساسيين، ويتفاوضون فيها على مستقبل دولتهم ومؤسساتهم ونظامهم السياسي، بعيدا عن فرض الإملاءات الخارجية.
إنهاء الحرب
كيف يمكن تحويل هذه المواجهة إلى فرصة حقيقية لإنهاء الحرب والوصول إلى تسوية سياسية يمنية شاملة؟
أنس القاضي: إن الوصول إلى تسوية حقيقية يتطلب إعادة ترتيب الأولويات، بحيث تصبح المصلحة الوطنية اليمنية هي الأساس الذي تنطلق منه المفاوضات، بدلا من جعل مصالح القوى الخارجية هي المحدد الرئيسي لشكل الحل السياسي.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار الحرب لم يؤد إلى معالجة جذور الأزمة اليمنية، بل ساهم في تعقيدها وتوسيع آثارها الإنسانية والاقتصادية والسياسية، كما أدى إلى تعدد مراكز القوة والنفوذ داخل البلاد.
ولهذا، فإن أي تسوية مقبلة يجب أن تتعامل مع الأزمة بوصفها أزمة شرعية سياسية وبناء دولة، لا مجرد صراع عسكري بين أطراف متنافسة على السيطرة.
وينبغي أن تتضمن التسوية ضمانات واضحة لاستقلال القرار اليمني، واحترام السيادة الوطنية، وتأسيس شراكة سياسية حقيقية بين مختلف المكونات، بما يضمن عدم احتكار السلطة أو إقصاء أي طرف من العملية السياسية.
كما يتعين أن تتيح التسوية إعادة بناء المؤسسات الوطنية على أساس جامع، وتحديد قواعد واضحة لتوزيع المسؤوليات والصلاحيات، وإرساء مبدأ المواطنة المتساوية، بحيث يشعر جميع اليمنيين بأن الدولة تمثلهم وتحمي حقوقهم.
اليمن وتسوية عادلة
ما الرسالة التي توجهونها في ختام هذا الحوار إلى الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية في ظل التطورات الراهنة؟
أنس القاضي: رسالتي الأساسية هي أن استمرار الحرب لن يؤدي إلى بناء دولة يمنية مستقرة، وأن الحل لا يمكن أن يقوم على إخضاع طرف يمني لطرف آخر أو على تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن اليمن يحتاج إلى تسوية تعالج جذور الأزمة السياسية، وتضمن استقلال القرار الوطني، وتؤسس لشراكة حقيقية بين جميع أبنائه، بعيدا عن الانقسامات الطائفية والمناطقية التي لا تعبر، في تقديري، عن جوهر المشكلة.
كما أن على الأطراف اليمنية أن تدرك أن استمرار المواجهات يحمل كلفة إنسانية واقتصادية باهظة، وأن حماية المدنيين والحفاظ على المنشآت الحيوية وتجنب توسيع نطاق الحرب يجب أن تكون من الأولويات الأساسية.
أما الأطراف الإقليمية والدولية، فعليها أن تدعم مسارا سياسيا يتيح لليمنيين تقرير مستقبلهم، بدلا من توظيف الصراع لتحقيق مصالح جيوسياسية على حساب استقرار البلاد.
وأعتقد أن الطريق إلى السلام يبدأ بوقف الحرب ورفع الحصار، ثم الدخول في مفاوضات جادة تفضي إلى تسوية وطنية شاملة، تضمن العدالة والسيادة والشراكة، وتفتح المجال أمام بناء دولة تستوعب جميع اليمنيين وتحمي حقوقهم.
وفي نهاية المطاف، فإن المطلوب ليس مجرد إنهاء جولة من المواجهات العسكرية، بل معالجة الأسباب التي أدت إلى اندلاع الصراع واستمراره، حتى لا يجد اليمن نفسه أمام حرب جديدة بعد سنوات من المعاناة.
إن بناء بلد لكل اليمنيين، يتمتع بالسيادة والاستقلال والعدالة، ويقوم على المواطنة المتساوية والشراكة الوطنية، يظل الهدف الذي ينبغي أن تتجه إليه جميع الجهود السياسية، إذا كان المطلوب حقا تحقيق السلام وإنهاء دوامة الصراع.



