- تناولت في المقال الماضي بعنوان "الجدل حول اندثار إسرائيل" انتقادين موضوعيين لفكرة نهاية إسرائيل يتعلق أولهما باستبعاد الفكرة في ضوء القوة الظاهرة لإسرائيل المدعومة بالقوة العظمى عالميًا، والثاني بتساؤل يجمع بين البعدين الإنساني والعملي،
- بمعنى أنه إذا كان لإسرائيل أن تندثر فأين يذهب يهودها الذين يتجاوز عددهم السبعة ملايين بقليل، خاصة وأن أكثر من أربع أخماسهم وُلِدوا على أرض فلسطين، وليسوا من المهاجرين،
- وقد يتبسم البعض أو حتى يسخر من هذا الجدل الذي يناقش مصير يهود إسرائيل بعد نهايتها بينما تبدو هي في أقوى صورها، خاصة بالنظر للانقسام الفلسطيني، وغياب رؤية عربية موحدة للتعامل مع إسرائيل،
- غير أن المسألة لا يجب أن تبدو غريبة، لأن النقاش يدور حول فكرة تاريخية قد لا تتحقق إلا بعد خمسين سنة مثلًا، وإن كانت الإشارة مهمة إلى أنه من الوارد أن تتحقق في المدى المنظور، إن تحققت شروط معينة غير السائدة الآن، وقد عالج المقال الماضي التحفظ الأول الخاص بالقوة الإسرائيلية، ويعالج هذا المقال إشكالية مصير اليهود وأين يذهبون؟!
- ولا يثير هذا السؤال أي مشكلة في محاولة الإجابة عليه، فاليهود لن يذهبوا إلى أي مكان، لسبب واضح وهو أنهم باقون في فلسطين، فجوهر الحل ليس تصفية الكيان الإسرائيلي ماديًا، وإنما تصفيته سياسيًا وأيديولوجيًا، ولقد ركزت دعاية إسرائيل قبل عدوان١٩٦٧ على أن العرب يريدون إلقاءها في البحر، علمًا بأن الخطاب السياسي العربي كان يركز على استعادة حقوق الشعب الفلسطيني المكفولة بموجب التاريخ والقانون الدولي !
- ولم يُعْثَر لأي قائد عربي بمن فيهم جمال عبد الناصر قائد مرحلة التحرر العربي على خطاب واحد يتحدث عن إلقاء إسرائيل في البحر، وربما كانت إجابة الملك عبد العزيز آل سعود على سؤال للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت أثناء لقائهما على متن المدمرة الأمريكية كوينسي في فبراير١٩٤٥ هي الأقرب لهذا المعنى، وإن كانت إجابة منطقية وعادلة على طلب روزفلت نصيحة عبد العزيز بشأن مشكلة اللاجئين اليهود الذين طُرِدوا من ديارهم في أوربا وكيفية إيجاد وطن لهم، فقد رد الملك عبد العزيز بوضوح أن الحل العادل هو أن يعود هؤلاء اليهود للعيش في الأراضي والبلدان التي طُرِدوا منها في أوربا.
- وبغض النظر عن أن الإجابة كانت منطقية ولا تنطوي على نزعة عدائية أو عنصرية تجاه اليهود فإننا نتحدث اليوم في سياق مختلف تمامًا الآن، فبعد ثلاث سنوات من تصريح الملك عبد العزيز نشأت دولة إسرائيل، وترتبت على نشأتها التداعيات المعروفة بحق الشعب الفلسطيني وصولًا إلى الوضع القائم اليوم، والذي يطرح أحد حلين لا ثالث لهما للقضية :
- إما حل الدولتين المُعَزَّز بقرار مجلس الأمن رقم١٥١٥ لسنة٢٠٠٣، والذي يفخر نتنياهو دائمًا بأنه كان قادرًا دومًا على إسقاطه أو على الأقل تخريبه،
- وإما حل الدولة الواحدة الذي طرحته حركة "فتح" منذ ستينات القرن الماضي، وهو حل يرفض منطق التقسيم، ويتحدث عن دولة واحدة ديمقراطية علمانية تجمع العرب واليهود معًا، وفي الحالتين لن يغادر أحد يهوديًا كان أو عربيًا أرض فلسطين !
- ففي حل الدولتين ستكون هناك دولة للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وقد تُجْرَى مواءمات محدودة لمعالجة قضية الاستيطان اليهودي غير المشروع في الضفة، وفي هذه الحالة ربما تنتهي هذه المواءمات إلى القبول بمستوطنين يهود في الضفة، فلا اتفاقية أوسلو١٩٩٣ نصت على وقف الاستيطان، ولا المبادرة العربية٢٠٠٢ أبقت على مطالبة مبادرة فاس١٩٨٢ بتفكيك المستوطنات التي أُقيمت في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عدوان١٩٦٧، أي أن الفلسطينيين هم الذين قد ينتهي الحال ببعضهم إلى الخروج من أرضهم، فيما يبقى من اغتصب حقوقهم مقيمًا على هذه الأرض متنعمًا فيها.
- هكذا سيكون الحال إذًا لو قُدِّر لحل الدولتين أن يخرج إلى النور، وهو ما تستميت النخبة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة من أجل إجهاض أي محاولة لتجسيده، ما يفتح الطريق للحديث عن حل الدولة الواحدة واحتمالاته، وحل الدولة الواحدة على كامل التراب الفلسطيني كما سبقت الإشارة؛ يمثل رؤية فلسطينية طرحتها حركة "فتح" في أواخر ستينات ومطلع سبعينات القرن العشرين، وتعيش في هذه الدولة جميع مكونات المجتمع من يهود ومسيحيين ومسلمين دون أي تمييز في الحقوق والواجبات بسبب الدين أو العرق،
- - وبطبيعة الحال فإن تحقيق هذا الحل أصعب بكثير من تحقيق حل الدولتين، فإذا كانت غالبية المجتمع الإسرائيلي ترفض حل الدولتين، لأنها لا تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني أصلًا، فما بالنا بحل الدولة الواحدة الذي سوف تتم بموجبه تصفية الطابع العنصري لدولة إسرائيل، أي أن نموذج الدولة الإسرائيلية سوف يختفي، ليحل محله نموذج مماثل لدولة جنوب أفريقيا بعد تصفية نظامها العنصري في تسعينات القرن الماضي، ولنا أن نتصور درجة المقاومة الشرسة التي سيواجه بها غلاة الصهاينة هذا الحل، خاصة وأن الطابع اليهودي للدولة سوف يختفي، غير أنه على الرغم من هذه المقاومة الشرسة المتوقعة فإن التاريخ لابد وأن يقول كلمته ولو بعد عقود، فهذا ما ينبئنا به القانون العلمي للتحرر الوطني، إذ أنه وفقًا لقوانين الطبيعة؛ لكل فعل رد فعل مضاد له في الاتجاه ومساوٍ له في المقدار، غير أن المساواة في المقدار في حركات التحرر الوطني لا تكون فورية، وإنما يكون الميزان مختلًا في البداية بينها وبين السلطات الاستعمارية، ثم يأخذ هذا الخلل في التآكل بالتدريج بسبب إيمان المقاومين بقضيتهم، والحاضنة الشعبية التي يتمتعون بها، وأسلوب "الحروب غير المتماثلة" أو "حروب العصابات" الذي يتبعونه، والدعم الخارجي الذي يتمتعون به أحيانًا،
- وعندما تزيد تكلفة الاحتلال عن عائده تكون لحظة التحرر قد حانت، وهذا ما حدث في حالات تاريخية كحرب التحرير الجزائرية (١٩٥٤-١٩٦٢)، وفي جنوب اليمن (١٩٦٣-١٩٦٧)، وكذلك حالة جنوب أفريقيا التي تم تفكيك النظام العنصري فيها في١٩٩٤، وهي أقرب الحالات للحالة الفلسطينية، ويُلاحظ أن تصفية ذلك النظام جاءت نتيجة تفاعل عاملين هما النضال البطولي للأغلبية السوداء بالكفاح المسلح أولًا ثم بالكفاح المدني، وهو النضال الذي قوبل من السلطات العنصرية بأشد أنواع البطش، الأمر الذي أدى بالتدريج إلى فقدان النظام العنصري للدعم الدولي، فقد بدأت إدانة النظام في مجلس الأمن في١٩٦٠، وبعد ثلاث سنوات دعا المجلس لوقف تصدير الأسلحة لنظام جنوب أفريقيا، وفي١٩٧٧ تحولت الدعوة لقرار ملزم لجميع الأعضاء، ولم يستغرق الأمر سوى ١٤سنة كي تتم التصفية الكاملة للنظام، بعد أن أُجريت في١٩٩٤ أول انتخابات ديمقراطية بموجب الدستور الجديد، ووصلت الأغلبية السوداء للحكم،
- وهو نفس المسار الذي بدأت تتخذه إسرائيل الآن بعد أن مارست أقصى درجات القتل والتدمير والقهر ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، الأمر الذي أفقدها تأييد قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي المؤيد تقليديًا لها، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة التي رأينا أهميتها الحاسمة بالنسبة لمقومات القوة الإسرائيلية، ومن الأهمية بمكان أن أحد الأسباب المهمة لسقوط الممالك والدويلات الصليبية في المشرق العربي كان تراجع الدعم الخارجي الأوربي، ومن المنظور التاريخي سوف يتكرر هذا النموذج لا محالة في الحالة الفلسطينية، وإن كان توقيت حدوثه سوف يتوقف على استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وحدوث الحد الأدنى من التنسيق العربي، ويُلاحظ أن تصفية النظام العنصري في جنوب أفريقيا لم تؤد إلى خروج واسع للبيض منها، فقد بقيت الأغلبية الساحقة منهم (من ٨٥-٩٠٪)،
- ولذلك فإن التساؤل عن مصير اليهود في فلسطين بعد تحريرها من العنصرية؛ يبدو سؤالاً بلا أساس من منظور الخبرة التاريخية.
