رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

- تلقيت بحمد الله بعض ردود الفعل الطيبة على مقالي الأول لهذا الموقع المحترم بعنوان "الانتصار أم الاندثار؟"، وتلقيت في الوقت نفسه ملاحظات نقدية من بعض من أحترم آراءهم دارت أساسًا حول فكرة "اندثار إسرائيل"، على أساس أنها تبدو فكرة مناقضة للواقع ومستحيلة الحدوث.

- ⁠فمن ناحية لا يحتاج المرء إمعان نظر لاكتشاف أن إسرائيل تمر حاليًا بنقطة الذروة في منحنى قوتها، خاصة وأنها مدعومة على نحو مطلق بالقوة الأمريكية الأولى في العالم عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، وهاهي تقتل وتدمر في غزة دون توقف منذ ثلاث سنوات بالتمام والكمال دون أن يقدر أحد على إيقافها، وهي تعربد في الضفة الغربية تدميرًا وتهجيرًا واعتقالًا ومصادرة للأراضي وسرقة وحرقًا للممتلكات تحت سمع العالم وبصره دون أن يقدر عليها أحد، وهي تعربد أيضًا في لبنان قتلًا وتدميرًا واحتلالًا رغم ما توصلت إليه مع حكومتها من اتفاق، وحتى سوريا التي لم تدع سلطتها الجديدة مجالًا لشك في نواياها السلمية تجاه الجميع عامة وإسرائيل بصفة خاصة لم تسلم من أذاها، ما بين مزيد من احتلال الأرض وتدمير الجيش والتدخل في الشؤون الداخلية.

- ⁠وبالمقابل فإن الصف الفلسطيني يعاني من انقسامات مؤسفة ضلت طريقها حتى الآن نحو الحل، وكلما بدا أن فصائل المقاومة قد وضعت أقدامها على بداية هذا الطريق؛ سرعان ما تتعثر هذه الخطى، بل وتتوقف تمامًا، ولا يقل حال الصف العربي سوءًا من منظور غياب أي رؤية موحدة لدرء الخطر الإسرائيلي، بل أن البعض لا يراه خطرًا أصلًا.

- ⁠أما الانتقاد الثاني فدار أساسًا حول مصير اليهود في فلسطين المحتلة الذين يزيد عددهم عن ٧مليون نسمة وفقًا لتقديرات٢٠٢٦ تُقَدَّر نسبة من ولدوا منهم على أرض فلسطين المحتلة بأكثر قليلًا من أربعة أخماسهم، فأين يذهب هؤلاء إذا كان لإسرائيل أن تندثر وهم لا يعرفون لهم وطنًا سوى ذلك الذي يُقيمون عليه؟ وقد سعدت كثيرًا بالانتقادات السابقة لأنها تساعد على توضيح أكثر لفكرة نهاية إسرائيل أو اندثارها ووضعها في إطارها الصحيح. 

- ⁠وبداية فإن أساس الحديث عن نهاية إسرائيل هو الخبرة التاريخية لحركات التحرر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية، والتي نجحت جميعها دون استثناء في تحقيق هدف الاستقلال، ذلك أن طبيعة العملية الاستعمارية بحد ذاتها تخلق تناقضًا رئيسيًا بين السلطات الاستعمارية والشعوب الخاضعة لها، فجوهر العملية الاستعمارية هو استغلال المستعمِر (بكسر الميم) للمستعمَر (بفتحها)، ويفضي هذا التناقض ولو بعد حين؛ إلى ظهور حركات مقاومة من الشعوب المستعمَرة تبدأ ضعيفة، ثم تقوى بالتدريج نتيجة الإيمان بقضيتها، وتَوَفُّر الحاضنة الشعبية لها، واتباعها أسلوبًا غير تقليدي في القتال، وهو ما يُسَمَّى بالحروب غير المتماثلة أو حروب العصابات، وأحيانًا تتلقى هذه الحركات دعمًا خارجيًا يلعب دورًا إيجابيًا في تقريب لحظة الانتصار،
- ⁠وهكذا جرت معارك تاريخية للتحرر الوطني، وعلى الأرض العربية مثلًا وقعت هذه المعارك في مواقع عديدة أهمها الجزائر وجنوب اليمن وغيرهما في خمسينات القرن الماضي وستيناته وانتهت بانتصارات تاريخية، ويقول البعض إن الاستيطان في القارتين الأمريكية والاسترالية مثلًا قد نجح على حساب السكان الأصليين، وهذه واقعة صحيحة تاريخيًا ولكن في مرحلة تاريخية مختلفة، حيث جرت عمليات تصفية الشعوب الأصلية بعيدًا عن الأعين، فلم تكن الثورة الاتصالية قد وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، كما كان النظام الدولي متجانسًا بلا أقطاب تعارض هذه السياسات، وبالتالي غابت فكرة الدعم الخارجي تمامًا للشعوب الأصلية، ولم يكن الحديث عن رأي عام دولي يرفض هذه العملية واردًا، ولهذا لا يصح في تقديري الاستعانة بنماذج تاريخية وقعت منذ قرون في تحليل عمليات تاريخية تجري الآن.
- 
- ⁠أما فيما يتعلق بتفوق القوة الإسرائيلية على نحو تبدو معه لدى البعض أوحتى الكثيرين قوة خارقة تحارب باقتدار على سبع جبهات وفقًا لنتنياهو في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فإننا لا يجب أن ننسى؛ أولًا المكون الأمريكي في هذه القوة على نحو غير مباشر بالدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي والإعلامي المطلق، ثم لا يجب أن ننسى ثانيًا؛ الدعم المباشر كما في إرسال بطاريات صواريخ الدفاع الجوي الأمريكية ثاد للمرة الأولى بأطقم تشغيلها منذ أكتوبر٢٠٢٤ وحتى الآن، والتي جرى تعزيزها ببطارية ثانية في أبريل٢٠٢٥، والمشاركة الأمريكية المباشرة في دعم المجهود الحربي الإسرائيلي بقصف الحوثيين في اليمن الذين نجحوا في عرقلة حركة الملاحة لميناء إيلات في إسرائيل أثناء حربها على غزة، 
- ⁠وقد جرى هذا القصف مرتين الأولى في يناير٢٠٢٤ من خلال غارات جوية لما عُرِف بتحالف "حارس الازدهار"، واتخذت الثانية شكل حملة واسعة انفردت بها الولايات المتحدة، ودامت قرابة شهرين (مارس-مايو٢٠٢٥)، وانتهت بتوقيع اتفاق وقف إطلاق نار بوساطة عمانية، ثم شاركت الولايات المتحدة في المرحلة الأخيرة من العدوان الإسرائيلي على إيران في يونيو٢٠٢٥ بضرب مواقع نووية إيرانية أهمها موقع فوردو الحصين، 
- ⁠وأخيرًا كان العدوان على إيران في نهاية فبراير الماضي عملًا أمريكيًا-إسرائيليًا مشتركًا منذ لحظته الأولى يذكرنا بالتواطؤ البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي في العدوان على مصر في خريف١٩٥٦، وقد تعمدت ذكر تفاصيل الدعم الأمريكي في هذه المرحلة بالكامل للاستفادة بها في تحليل التداعيات المحتملة لتراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل مستقبلًا.
- 
- ⁠ولا يقل أهمية عن المكون الأمريكي في القوة الإسرائيلية الحديث عن جدوى هذه القوة، ذلك أن هذه الجدوى متمثلة فقط حتى الآن في القدرة الهائلة على القتل والتدمير، فعلى مدار ثلاث سنوات من انفجار عملية "طوفان الأقصى" في ٧أكتوبر٢٠٢٣ وحتى الآن قتل الجيش الإسرائيلي باعتباره أكثر الجيوش أخلاقية في العالم ما لا يقل عن ٧٥ألف فلسطيني في غزة وحدها، ودمر ما تتراوح نسبته بين ٨٢و٩٠٪؜ من مبانيها وبنيتها التحتية، ومع ذلك فإن هدفه الاستراتيجي لم يتحقق، وهو فرض الرؤية الإسرائيلية على كامل أرض فلسطين، ويكفي أن إسرائيل المدعومة أمريكيًا على نحو مطلق وقفت عاجزة عن هزيمة المقاومة في غزة المعزولة عن أي دعم خارجي لسنتين كاملتين، والحقيقة أن هذه الحقيقة تتسق مع فكرة العقم السياسي للقوة العسكرية، بمعنى أنك تستطيع أن تقتل وتدمر كما تشاء، لكنك لا تستطيع بالضرورة ترجمة هذا التفوق في القتل والتدمير إلى حقائق سياسية، وهو النموذج البادي حتى الآن في العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، بل إن المشروع الصهيوني في فلسطين هو خير شاهد على ذلك، فقد مر على تدشين هذا المشروع في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) قرابة قرن وثلث القرن دون إمكان الادعاء بأنه استقر وقُبِلَت شرعيته في المنطقة رغم أن عمر دولة إسرائيل يقترب من الثمانين سنة.

- ⁠وبعد التوضيحات السابقة عن حدود القوة الإسرائيلية رغم ما تبدو عليه من تفوق تأتي الإجابة على الانتقاد الثاني المهم: أين يذهب ال٧ملايين يهودي الموجودون في فلسطين الآن إذا كان لإسرائيل أن تندثر؟ خاصة وأن أربعة أخماسهم على الأقل ولدوا على أرض فلسطين؟ ومتى يحدث هذا؟

- ⁠وهذه أسئلة تحتاج إجابات متأنية يضيق بها حيز هذا المقال، فإلى مقال آخر بإذن الله.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء