رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لا تفهمونا غلط 

أنا عاشق لتراب الكنانة أقرأ كل ما كتب على جدران المعابد وأدرك قيمة الحضارة والتاريخ والبطولات المصرية العظيمة، فقد قرأت كثيراً عن ما بعد نكسة 67 وكيف وصلنا إلى نصر أكتوبر المجيد وكيف عادت سيناء الحبيبة إلينا، وكما قالت الفنانة الراحلة العظيمة شادية "مصر اليوم في عيد"، وأنا أعرف تماماً دور المثل والقدوة والعطاء لهذا البلد الكريم، وخلال احتفالاتنا بانتصارات أكتوبر وأقصد انتصارات بلغة الجمع، أعادت الشاشات المصرية أعمالاً درامية خالدة مثل رأفت الهجان ودموع في عيون وقحة والسقوط في بئر سبع، وغيرها، هذه الأعمال الدرامية نحفظها عن ظهر قلب وأحرص على متابعتها مع كل عرض لها وكثيراً ما أشاهدها عبر السوشيال ميديا واليوتيوب، وأرى أن هذه الأعمال تقدم نماذج مضيئة من أبناء مصر وبطولات حفرت على جدران التاريخ، ولدينا الكثير والكثير من هذه البطولات التي بدأت بعد أيام معدودة من نكسة 67 وهي بداية حروب الاستنزاف في 1 يوليو عام 1967 في معركة رأس العش الخالدة، بطولات سطرها دماء أبناء مصر الأبرار واستمرت هذه الملاحم حتى حققنا النصر العظيم وعادت الأرض مصانة، ولكن بطولات الجيش المصري لم ولن تنتهي قط، ورأينا نماذج كثيرة ومشرفة للغاية في حروبنا الباسلة ضد الإرهاب الأسود، ومنها قصة المجند المصري البطل الذي حضن الإرهابي المفخخ بفدائية نادرة ليفتدي زملاءه بروحه الطاهرة، وكذلك المجند المصري البطل قائد الدبابة الذي صعد فوق السيارة المفخخة لمنع وصولها لهدفها الخبيث ليفدي الوطن بروحه، وبطولات أخرى كثيرة تذخر بها سجلاتنا العسكرية العريقة بكل تفاصيلها المشرفة وأنا أعرف هذا جيداً، وقال لي صديقي الكاتب والسيناريست الكبير محمد جلال عبد القوي إن لديه أكثر من عمل فني عن هذه البطولات الخالدة، وغيره من الكتاب المصريين لديهم أعمال عن هذه البطولات.

إن الملفات والسجلات العسكرية المصرية مليئة بالبطولات المذهلة حتى الآن، وحين نعطي حرب الاستنزاف حقها التاريخي، ندرك تماماً أنها لم تكن مجرد مناوشات عادية، بل كانت حرباً ضارية أحدثت تأثيراً استراتيجياً كبيراً وموجعاً على العدو الإسرائيلي وكبدته خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وأثبتت أن الجندي المصري قادر على قهر المستحيل، وهناك أسماء وأبطال أساطير اقتحموا العمق الإسرائيلي ذاته وعادوا بغنائم وأسرى وأسلحة تدرس في الأكاديميات العسكرية العالمية، مثل أبطال عمليات الاستطلاع خلف خطوط العدو وعمليات الصاعقة الجريئة التي هزت أركان الكيان الصهيوني وأفقدته صوابه، ولقد حكى لي الصديق العزيز الفنان الكبير الراحل لطفي لبيب وهو أحد مقاتلي الكتيبة 26 الباسلة، أن لديه سيناريو عظيماً عن بطولات الكتيبة 26 وكان يتمنى إنتاجه ليخلد تلك الملاحم العبقرية وأهداني نسخة منه بعدما تحول لكتاب، وهذا ما أكده لي أيضاً صديقي الفنان الكبير الراحل نور الشريف وأنه تمنى بكل جوارحه إنتاج فيلم سينمائي ضخم لسيناريو لطفي لبيب عن الكتيبة 26 ليبقى زاداً للأجيال القادمة.


ونحن اليوم في فترة عصيبة تجد مصر نفسها في لحظة فارقة حاسمة من تاريخها الحديث، إذ تقف عند مفترق طرق تتداخل فيه التعقيدات الجيوسياسية الشديدة مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، فبينما يشتعل المحيط الإقليمي بالصراعات والأزمات الممتدة من غزة والشام شمالاً، إلى السودان جنوباً، وصولاً إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر شرقاً وغرباً، تخوض الدولة صراعاً متواصلاً ومحورياً للحفاظ على استقرارها ومواصلة مسارها التنموي في بيئة عالمية وإقليمية شديدة الاضطراب والتحول، ومن هنا فإننا نحتاج بشدة إلى تقديم المثل والقدوة والعطاء والفداء لأبناء مصر والأجيال الصاعدة، وهذا لا يتم إلا من خلال إنتاج أعمال درامية وسينمائية ضخمة ومتميزة عن هذه البطولات الخالدة، وقد رأينا جميعاً التأثير العميق لفيلم الممر ومسلسل الاختيار وغيرهما من الأعمال الوطنية البارزة في الشارع المصري والعربي، ورأينا ردود الأفعال الجماهيرية الهائلة التي أكدت تعطش الجمهور الحقيقي لهذا الفن الراقي، وأذكر أني حضرت فيلم الممر أكثر من 10 مرات لمتابعة ردود أفعال الجماهير والنجاح الساحق الذي حققه وتكذيب مقولة المشاهد عايز كده التي انتشرت وتم ترديدها كلما نادينا بأعمال تخاطب الوعي والعقل المصري، فالسطحية تهدم، وأذكر بوضوح أن طفلاً صغيراً في أحد دور العرض أثناء مشاهدتي لفيلم الممر كان يردد بكل حماس ما يقوله بطل الفيلم المقدم نور الذي أدى دوره ببراعة الفنان أحمد عز، وعن سؤال والدته لي قالت إنه حضر فيلم الممر 3 مرات وإنه كان يطلب ذلك بإلحاح من أسرته.


إن دراما البطولات والسينما الوطنية هما الحصن المتبقي لترسيخ الهوية والانتماء والوطنية في وجدان وعقل شعب مصر العظيم لأنه بكل بساطة جيشها العظيم والدرع المدافع عن بقائها وكرامتها عبر العصور، وإن توثيق هذه البطولات وتخليدها على الشاشات ليس مجرد رفاهية فنية أو ترفيه تاريخي، بل هو درع واق لوعي الأجيال وكلمة السر الباقية لبقاء هذا الوطن حصناً منيعاً شامخاً أمام كل الرياح العاتية؛ فتراب الكنانة الذي روي بدماء الأبطال الطاهرة سيظل دائماً مصنعاً للرجال ومنارة للكرامة، ولن ينهزم وطن توارث أبنائه العزيمة والفداء كابراً عن كابر، وإن المعركة الحقيقية التي تخوضها مصر اليوم لا تقتصر على حدود الجغرافيا أو أرقام الاقتصاد فحسب، بل هي معركة واعية على الهوية والانتماء والعقول، وإن الشخصية المصرية تملك هذه المقومات في داخلها، وهي الشخصية التي حيرت كل من حاولوا استهداف مصر، وظهر هذا واضحاً عبر التاريخ ومع الوقوف ضد الربيع العبري وإلى الآن، فمراكز الدراسات لكل من شاركوا في المؤامرات ضد مصر درسوا الشخصية المصرية واحتاروا في الوصول لأسباب حبها الجارف لوطنها، وإن إهمال توثيق هذه الملاحم العسكرية العظيمة في أعمال درامية وسينمائية ضخمة يعد تفريطاً في ذاكرة الأمة وكنوزها الحقيقية التي لا تقدر بثمن، فالتاريخ العسكري المصري المليء ببطولات الاستنزاف وصولاً إلى صقور القوات المسلحة في حرب الإرهاب هو الدرع الحقيقي لبناء جيل واثق بنفسه ومدرك لقيمة وطنه، وإن شاشاتنا وثقافتنا الوطنية تظل بحاجة ماسة وملاحقة لإنتاج أعمال كسيناريو الكتيبة 26 وغيره من دراسات وبطولات الأبطال الحقيقيين لتبقى راسخة في وجدان وضمير الأجيال الناشئة، وليعلم الجميع أن تراب الكنانة الذي أنجب أبطال الأمس واليوم سيظل دائماً منبعاً لا ينضب للرجولة والفداء، وأن مصر المتمسكة بمجدها وتاريخها وجيشها العظيم ستعبر حتماً كل هذه المحطات الصعبة وتنتصر على كافة التحديات الماثلة لتبقى دائماً وأبداً كما أرادها أبناؤها العشاق قلعة للكرامة ومنارة للأمل والسلام.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء