رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن اختيار التوقيت وليد المصادفة أو مجرد انفراط عابر للسان، بل جاء ينضح بخصومة متأصلة وإفلاس وطني وأخلاقي نادر النظير؛ فاللجوء إلى افتعال الصخب والتطاول أمام مقر السفارة المصرية في هولندا بالتزامن مع غمرة احتفالات الشعب المصري بذكرى نصر أكتوبر المجيد، إنما يجسد محاولة خبيثة لسرقة فرحة وطن يعتز بأعظم انتصاراته العسكرية والدبلوماسية، ولفت الانتباه عن دلالات هذا اليوم الخالد.


إن هذه الوقفات والتحركات المشبوهة، التي تصدرها بعض السفهاء ممن يحملون الجنسية المصرية وارتضوا الانسلاخ عن النخوة والكرامة، لا تعدو كونها سلوكيات مدسوسة وأدوارًا مأجورة ضمن أجندات ممولة تخدم أطرافًا معادية تستهدف التقليل من هيبة الدولة وتشويه مقدراتها. لقد جاء التطاول اللفظي وترديد الألفاظ النابية بحق رجال الأمن والعاملين في البعثة الدبلوماسية ليؤكد حالة العجز التام لدى هذه الفئة المنتسبة للشيطان، في المقابل ضرب رجال البعثة أروع الأمثلة في الثبات وتمسكوا بأعلى درجات ضبط النفس والحفاظ على رقي المؤسسة التي يمثلونها.


أمام هذه المشاهد المؤلمة، كان لزامًا البحث والتساؤل حول الآليات القانونية الكفيلة بملاحقة هؤلاء ومحاسبتهم على ما اقترفوه من تجاوزات في حق مصر وحق بعثتها الدبلوماسية. وبالتواصل مع نخبة من الدبلوماسيين والسفراء ذوي الخبرة في السلك الدبلوماسي، جاء التأكيد المباشر على أن هذا التجاوز السافر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمر دون ملاحقة أو أن يطويه السكون، غير أن الغضب المحمود والمستحق ينبغي ألا يعمينا عن فهم آليات إدارة مثل هذه الأزمات على المستوى المؤسسي.

 فالسكوت الذي يراه البعض في اللحظات الأولى ليس تخليًا عن حق ولا تغاضيًا عن جرم، بل هو هدوء تكتيكي وإدارة عقلانية تسير بآليات قانونية ودبلوماسية صارمة بعيدًا عن الصخب اللحظي الذي يسعى إليه هؤلاء الصغار.


إن الهدف الأساسي لأي متطاول يعمد إلى بث مقاطعه المصورة عبر منصات التواصل هو السعي المريض وراء الانتشار والاستقطاب، واستفزاز أجهزة الدولة للدخول في سجال علني يمنحه حجمًا لا يستحقه ويحوله إلى بطل زائف وسط أقرانه، والرد السريع العاطفي يحقق مراد هؤلاء بالتحول إلى ظاهرة رقمية والادعاء الكاذب بأنه يتم استهدافهم لآرائهم، في حين أن الواقع يؤكد ارتكابهم لجرائم جنائية صريحة تنحصر في السب والقذف والتعدي اللفظي.


كما أن المحاسبة القانونية داخل الدولة المضيفة تتطلب مسارًا هادئًا يُدار في صمت وبخطوات متزنة، تبدأ بتوثيق المقاطع وتفريغها تحريزًا للأدلة، ثم تحديد الهوية القانونية للفاعلين وموقفهم من الإقامة، وصولًا إلى تقديم بلاغات رسمية أمام الشرطة والنيابة العامة الهولندية بتهم التحرش والإهانة العلنية لموظفين عموميين أثناء تأدية واجبهم، والتنسيق عبر البروتوكول الدبلوماسي لضمان اتخاذ السلطات المحلية خطوات رادعة بحقهم وفقًا للقانون الجنائي هناك.


يضاف إلى ذلك أن ضوابط العمل الدبلوماسي تفرض على أعضاء السفارة وحراسها ضبط النفس الشديد وتفادي الاحتكاك المباشر، إذ إن أي رد فعل عاطفي أمام الكاميرات قد يُستغل قانونيًا لصالح المتعدين. وإن بث تلك المقاطع المسيئة لا يعد استعراضًا للقوة، بل هو وثيقة إدانة قاطعة تحاصر أصحابها في المحاكم الهولندية، وسيترتب عليها عقوبات جنائية وتأديبية تشمل الغرامات الباهظة، والتسجيل في الصحيفة الجنائية مما يعصف بمستقبلهم الإقامي والوظيفي، إلى جانب استصدار قرارات قضائية بحظر اقترابهم من المقرات الدبلوماسية، ليبقى الهدوء المؤسسي هو الأداة الأقوى لبناء ملف قضائي متكامل لا يستطيع الجاني الفكاك منه.


وفي ختام المطاف، فإن صون كرامة الدولة المصرية وهيبتها بالخارج ليس مجرد مسألة تنظيمية أو إجراء بروتوكولي عابر، بل هو التزام متين يقع في قلب مفهوم السيادة الوطنية. ولا بد من التأكيد على أن أي تساهل أو إغفال في التعامل مع مثل هذه السلوكيات الموتورة أمام سفاراتنا قد يشجع ذوي النفوس الضعيفة على تكرارها، مما يجعل تحريك الملفات القضائية ومتابعتها بدقة خط دفاع أول لحماية هيبة البعثات المصرية والعاملين بها.


ومن هذا المنطلق، تتجه الأبصار بالرسالة والرجاء إلى معالي وزير الخارجية، بوصفه المعبّر عن الدبلوماسية المصرية والقائم على رعاية أبنائها وممثليها في عواصم العالم، بمخاطبة نظيره الهولندي والسلطات الرسمية في لاهاي بشكل مباشر وحازم. إن هولندا، وفق أحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، ملزمة صراحة بضمان أمن البعثة المصرية وحماية حرمتها ومنع أي مساس بكرامتها أو تعرض لموظفيها، وتفعيل المساءلة القانونية الرادعة بحق هؤلاء المتجاوزين ليكونوا عبرة لمن يسعى لانتهاك حرمة المؤسسات الرسمية أو التطاول على رموز الوطن.
[email protected]

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء