رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تعد وسائل التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي أحد أبرز أدوات التأثير الجماعي وصياغة الرأي العام، حيث تحولت صفحات المحتوى الافتراضي إلى منصات مفتوحة يعبر فيها الجميع عن آرائهم وانطباعاتهم دون قيود أو ضوابط، بأسلوب يتنافى في كثير من الأحيان مع مفهوم حرية الرأي والتعبير المسؤول.

وعلى الرغم من الفرص الهائلة التي تتيحها هذه المنصات في مجال التعبير الحر وتبادل المعرفة، فإنها أفرزت ظاهرة خطيرة تتمثل في دخول غير المتخصصين في تحليل السياسات الخارجية والقضايا الدولية المعقدة، وتصدير تفسيرات سطحية أو مغلوطة لمواقف الدول، وهو ما يخلق مساحات واسعة من التوتر واللبس، ويهدد في كثير من الأحيان علاقات الشعوب والدول ببعضها البعض.

تتجلى الخطورة في الحالة المصرية بشكل خاص، نظرًا للمكانة المحورية والمركزية التي تتمتع بها مصر في منطقتها وفي الإقليم بأكمله، حيث تحظى أية تحركات أو تصريحات تُنسب إليها باهتمام بالغ ومتابعة حثيثة.

وفي هذا السياق، يقوم بعض صانعي المحتوى والمحللين من الهواة غير المتخصصين على وسائل التواصل الاجتماعي بطرح تحليلات وتفسيرات شخصية للأحداث السياسية، حيث يستمد هؤلاء الهواة موضوعاتهم التي يقومون بتحليلها من منصات السوشيال ميديا نفسها، فتكون المادة الخام التي يبنون عليها آراءهم مجتزأة وغير دقيقة ومشكوكًا في مصادرها، إذ يكون الهدف الأساسي منها هو اللهاث وراء إثارة الجدل وصناعة التريند وحصد المشاهدات على حساب الدقة والموضوعية.

وفي كثير من الأحيان، يتم استغلال هذه التفسيرات المضللة من قبل أطراف معادية أو مغرضة، وترويجها على أنها تعبر عن الموقف الرسمي للدولة المصرية أو تعكس توجهاتها الحقيقية.

ويمتد هذا العبث الرقمي ليشمل ملفات استراتيجية في غاية الحساسية، مثل العلاقات المصرية مع الدول الشقيقة والصديقة، حيث تطفو على السطح حملات مغرضة وتفسيرات خالية من أي سند موثوق، كالتشكيك في المواقف الاستراتيجية وشن حملات شنعاء ضد حلفاء مصر الإقليميين.

وكمثال على ذلك، ما يثار أحيانًا ضد القيادة الصومالية، في وقت يخوض فيه البلدان تنسيقًا أمنيًا وسياسيًا رفيع المستوى، وفي اللحظة التي يتواجد فيها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في العلمين للقاء القيادة المصرية والتأكيد على وحدة الهدف، حيث أثبتت الشواهد أن الصومال وقيادته لم ولن يُقدما على خطوات تضر بالأمن القومي المصري أو تخرج عن إطار التوافق المشترك.

ولا تتوقف خطورة هذه الطروحات السطحية عند حدود التحليل الخاطئ، بل تمتد لتُحدث شرخًا مجتمعيًا وإقليميًا بالغ الخطورة، إذ تسهم هذه التفسيرات في استثارة غضب شعوب الدول الشقيقة والصديقة واستفزاز مشاعرها، مما يفجر موجات من التلاسن والملاسنات الكلامية الحادة بين المستخدمين على منصات التواصل.

وتجد الكتائب الإلكترونية والجهات المعادية لمصر في هذا التلاسن بيئة خصبة وفرصة سانحة للاستغلال، فتتدخل لتأجيج الفتن، وتضخيم الخلافات الفردية، وتحويلها إلى أزمات رأي عام توحي بوجود جفاء أو عداء بين الشعب المصري والشعوب الشقيقة، وهو ما ينافي الواقع والروابط التاريخية تمامًا.

كما ينصب جُزء غير يسير من هذه التحليلات السطحية على ملف التسليح والعقيدة العسكرية المصرية، حيث يتداول غير المتخصصين معلومات مغلوطة وتفسيرات غير دقيقة حول أبعاد التسليح المصري أو انتشار القوات المسلحة على أرض سيناء العزيزة، أو التحركات العسكرية داخل مصر وخارجها، مستعرضين قدرات الجيش المصري ومعداته بمعزل عن الفهم العسكري والاستراتيجي الشامل.

ويغفل هؤلاء المنادون بالتريند أن سياسة مصر العسكرية هي جزء لا يتجزأ من منطق السلم والاستقرار، وأن التسليح المصري وتواجد القوات على الأراضي الوطنية يهدفان في المقام الأول إلى حماية التراب الوطني، وصون الأمن القومي، وردع أي تهديد، دون أن يكون ذلك موجهًا للعدوان أو التدخل في شؤون الآخرين.

إن هذا الخلط العمدي أو غير العمدي بين الرأي الفردي غير المسؤول والموقف السياسي والرسمي يلحق أضرارًا بالغة بالعلاقات الخارجية، إذ إن السياسة الخارجية والعسكرية المصرية تتسم بالرزانة والهدوء، وتستند منذ عقود طويلة إلى مبادئ ثابتة وواضحة لا غموض فيها، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والعمل الدؤوب على دعم الاستقرار الإقليمي والدولي وتغليب الحلول السلمية والدبلوماسية للأزمات.

وتصدر هذه التوجهات الرسمية عبر قنوات محددة ومعروفة للجميع، تمثلها وزارة الخارجية والبيانات الرسمية والمؤسسات السيادية للدولة.

إن الانسياب غير المنضبط للآراء على وسائل التواصل الاجتماعي يستدعي وعيًا متزايدًا من جمهور المتابعين، وتفرقة واضحة بين ما يطرحه الهواة والمحللون غير المتخصصين، وبين التوجهات الفعلية للدولة المصرية.

فالسياسة الخارجية لا تُصنع في أروقة منصات التواصل، ولا تعبر عنها التغريدات أو المنشورات الفردية مهما بلغت درجة انتشارها أو حصدت من تفاعلات، بل تعبر عنها المواقف الميدانية والقرارات الدبلوماسية الدقيقة التي تراعي المصالح العليا للوطن والأمن القومي، وتلتزم بمبادئ القانون الدولي وحسن الجوار.
ختامًا، يظل التحدي الأكبر مواجهة هذا التضليل وتحصين الرأي العام الداخلي والخارجي، وذلك عن طريق استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية والموثوقة، وتجنب الانسياق وراء التفسيرات التي تسعى لبث الوقيعة بين الشعوب أو الإساءة للعلاقات المتينة التي تجمع مصر بأشقائها وأصدقائها حول العالم، فمسؤولية الكلمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي باتت واجبًا وطنيًا وإنسانيًا يتعين على الجميع الالتزام به لحماية الاستقرار ونشر الحقائق.

ويتطلب علاج هذه الظاهرة مواجهة شاملة متعددة الأركان تتجاوز حدود الوعي الفردي، وتبدأ بضرورة التوسع في تقديم الخطاب الإعلامي الرسمي، وتكثيف الإحاطات الصحفية اليومية للرد الفوري والمستمر على الشائعات وحسم القضايا المثارة حولها الجدل فور وقوعها، مع ضرورة تفعيل الأطر والتشريعات المنظمة للمحتوى الرقمي لردع الحسابات والكتائب التي تستهدف ضرب الاستقرار والأمن القومي.

كما يبرز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ مهارات الوعي الرقمي والتفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة لتفكيك الخطاب المضلل وتمييز الغث من السمين، فضلًا عن أهمية بناء جبهة إعلامية متخصصة ومحترفة قادرة على تقديم التحليل السياسي الواعي الذي يثري العقول ويسد الطريق أمام محاولات الهواة وصنّاع التريند لاستغلال الفراغ المعرفي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء