الجنرال النحيف الذي أخاف إسرائيل.. حكاية المشير الجمسي من النكسة إلى النصر
ارتبط اسم المشير محمد عبد الغني الجمسي بواحدة من أهم المحطات العسكرية في تاريخ مصر الحديث، باعتباره أحد أبرز العقول التي أسهمت في التخطيط لحرب أكتوبر 1973، حتى أطلقت عليه جولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة لقب «الجنرال النحيف المخيف»، في إشارة إلى مكانته العسكرية وما شكله على القيادة الإسرائيلية من تحد.
وامتدت مسيرة الجمسي إلى ما مفاوضات ما بعد الحرب، ولم تقتصر فقط على التخطيط العسكري وإدارة العمليات، حيث واجه مواقف صعبة تمس أمن القوات المصرية ومكاسبها العسكرية، وعاش لحظات إنسانية مؤثرة كشفت عن الجانب الآخر من شخصية القائد الذي ارتبط اسمه بالانضباط والحزم.
نكسة 1967
وعقب هزيمة يونيو 1967، تقدم باستقالته بعد النكسة، رغبة في إفساح المجال لجيل جديد يتولى مسؤولية استعادة الأراضي المصرية المحتلة، لكن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رفض الاستقالة، وأسند إليه مسؤوليات تتعلق بإعداد القوات المسلحة وتدريبها استعدادًا للمعركة المقبلة.
ومنذ ذلك الوقت، اتجه الجمسي إلى العمل على إعادة بناء القدرات العسكرية المصرية، لتتحول هزيمة 1967 إلى محطة فارقة في مسيرته، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973.
وكان الجمسي من أبرز المسؤولين عن التخطيط لعمليات حرب أكتوبر، وتولى رئاسة هيئة العمليات بالقوات المسلحة عام 1972، قبل أن يصبح رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة في ديسمبر 1973، ثم وزيرًا للحربية والقائد العام للقوات المسلحة في ديسمبر 1974.
كشكول الجمسي
ومن أبرز إسهاماته إعداد دراسة عسكرية تناولت أنسب توقيتات شن الهجوم، عُرفت باسم «كشكول الجمسي»، وأسهمت في تحديد الموعد الملائم لبدء العمليات، وفق اعتبارات عسكرية وطبيعية ارتبطت بظروف المعركة.
وفي السادس من أكتوبر عام 1973، انطلقت القوات المسلحة المصرية في حرب العبور، وتمكنت من عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، لتسجل القوات المصرية واحدة من أبرز محطات تاريخها العسكري.
وبفضل خبرته في دراسة القدرات العسكرية الإسرائيلية وتحليل طبيعة المواجهة، أصبح الجمسي أحد الأسماء البارزة المرتبطة بالتخطيط للحرب وإدارة مراحلها.
مفاوضات الكيلو 101
اختير الجمسي لتمثيل مصر في المفاوضات العسكرية مع الجانب الإسرائيلي، التي عرفت بمفاوضات الكيلو 101، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وبحث ترتيبات الفصل بين القوات.
وخلال هذه المفاوضات، ظهر الجمسي بوصفه مفاوضًا شديد التمسك بالموقف المصري، مستندًا إلى ما حققته القوات المسلحة على أرض المعركة، وإلى ضرورة الحفاظ على أمن القوات المصرية ومكتسباتها.
ومع انتقال المفاوضات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، بدأت الضغوط السياسية تتداخل مع الحسابات العسكرية، لتظهر خلافات بشأن حجم القوات المصرية التي ستبقى شرق قناة السويس بعد تنفيذ ترتيبات فك الاشتباك.
دموع الجمسي أمام كيسنجر
في يناير 1974، وخلال المباحثات التي جرت في أسوان بشأن فك الاشتباك، فوجئ الجمسي بوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر يعرض أمام الوفد المصري ما توصل إليه من اتفاق مع الرئيس أنور السادات بشأن خفض حجم القوات المصرية الموجودة على الضفة الشرقية لقناة السويس إلى نحو 7 آلاف جندي و30 دبابة، إلى جانب عدد محدود من قطع المدفعية.
اعترض الجمسي بشدة على هذا التوجه، معتبرًا أن الترتيبات المقترحة تمنح إسرائيل ضمانات لتأمين قواتها، في حين لا توفر القدر نفسه من الضمانات للقوات المصرية.
وبحسب ما أورده الجمسي في مذكراته، قال لكيسنجر “إنك تعطي إسرائيل كل ما يضمن تأمين قواتها، وتحرمنا من كل ما يضمن تأمين قواتنا”، مؤكدًا رفضه الاتفاق بصورته المطروحة، وعدم قدرته على تبريره أمام القوات المسلحة.
ورد كيسنجر بأنه يعمل على وضع استراتيجية للسلام في المستقبل، لكن الجمسي تمسك بالفصل بين الاعتبارات السياسية ومتطلبات الأمن العسكري، قائلًا إنه يتحدث عن تأمين القوات، لا عن استراتيجية السلام، وغادر الجمسي قاعة الاجتماع متأثرًا، بعدما اغرورقت عيناه بالدموع، واتجه إلى دورة المياه قبل أن يعود إلى الاجتماع ويلتزم الصمت حتى نهايته.
وكان ذلك المشهد من أكثر اللحظات تأثيرًا في مسيرته؛ إذ عكس حجم الصراع الذي عاشه بين مسؤوليته العسكرية وتمسكه بسلامة القوات المصرية، في مرحلة كانت فيها القيادة السياسية تتجه نحو تسوية أوسع تنهي حالة الحرب.
من خلافات التفاوض إلى استراتيجية السلام
لم يكن اعتراض الجمسي تعبيرًا عن رفض مبدأ السلام، بقدر ما ارتبط بمخاوفه من تداعيات الترتيبات العسكرية المقترحة على أمن القوات المصرية. وفي المقابل، كان السادات ينظر إلى الاتفاقات باعتبارها جزءًا من مسار سياسي أوسع يستهدف استعادة الأرض وإنهاء الصراع.
ومع استمرار المفاوضات، دخلت مصر وإسرائيل مرحلة جديدة من التفاهمات التي مهدت لاتفاقيات فك الاشتباك، ثم لاتفاقيتي كامب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام عام 1979.
وهكذا، وجد الجمسي نفسه أمام معادلة صعبة، وهي الحفاظ على المكاسب العسكرية التي تحققت في أكتوبر، مع التعامل مع قرارات سياسية تتجاوز حدود ميدان القتال.
أكتوبر 1978.. نهاية مرحلة في قيادة القوات المسلحة
في الثالث من أكتوبر عام 1978، استدعى الرئيس السادات الجمسي إلى استراحة القناطر، حيث أبلغه بالتوجه نحو إجراء تغييرات في قيادة الدولة ومؤسساتها، شملت تغيير الحكومة والقيادة العسكرية.
وكان الجمسي يتوقع أن يدور اللقاء حول ترتيبات الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر، لكنه فوجئ بإبلاغه أن الفريق كمال حسن علي سيتولى المسؤولية خلفًا له، وأنه سيعين مستشارًا عسكريًا للرئيس.
وفي الرابع من أكتوبر 1978، انتهت فترة الجمسي وزيرًا للحربية والقائد العام للقوات المسلحة، قبل أن يؤدي التغيير الحكومي في اليوم التالي إلى ابتعاده عن موقعه القيادي مع اقتراب الذكرى الخامسة لنصر أكتوبر.
وعبر الجمسي في مذكراته عن شعوره بالضيق والأسف لاختيار هذا التوقيت، إذ رأى أن إبعاد القيادات التي أدارت الحرب عن القوات المسلحة خلال احتفالات النصر قد يؤثر في الروح المعنوية للمقاتلين. وأكد في الوقت نفسه إدراكه حق القيادة السياسية في إجراء التغييرات التي تراها مناسبة للمرحلة الجديدة.
رفع العلم على العريش.. لحظة بقيت في ذاكرته
بعد أشهر من التغيير، شارك الجمسي في الاحتفال باستعادة مدينة العريش ورفع العلم المصري عليها في مايو 1979، في مشهد حمل دلالة مهمة على استعادة السيادة المصرية على أجزاء من سيناء في إطار الانسحاب الإسرائيلي المرحلي.
واستعاد الجمسي تلك المناسبة بوصفها إحدى اللحظات المهمة في حياته العسكرية، إذ ارتبطت في وجدانه بثمار الانتصار الذي تحقق في أكتوبر، وبعودة الأرض المصرية.
وفي عام 1980، رقي الجمسي إلى رتبة مشير، ليظل اسمه حاضرًا في سجل أبرز القادة العسكريين المصريين، ممن جمعوا بين التخطيط للعمليات وخبرة التفاوض في مرحلة ما بعد الحرب.
المشير الجمسي.. سيرة ومسيرة
تجمع سيرة المشير محمد عبد الغني الجمسي بين دقة التخطيط العسكري، والصلابة في مواجهة الخصم، والحرص على أمن القوات المصرية، إلى جانب لحظات إنسانية كشفت عن تأثره العميق بما مرت به البلاد خلال النكسة والحرب والمفاوضات.
فمن إعادة بناء الجيش بعد هزيمة 1967، إلى الإسهام في الإعداد لحرب أكتوبر، ثم خوض مفاوضات الكيلو 101 ومواجهة الخلافات بشأن ترتيبات فك الاشتباك، ظل الجمسي نموذجًا للقائد الذي رأى في حماية الجنود وصون نتائج المعركة جوهر مسؤوليته.
ورغم اختلاف الحسابات العسكرية والسياسية في مرحلة ما بعد الحرب، بقي اسمه مرتبطًا بواحدة من أهم صفحات التاريخ المصري الحديث، بوصفه أحد أبرز مهندسي نصر أكتوبر، وصاحب مسيرة امتدت من ميادين القتال إلى طاولات التفاوض.









