في مثل هذه الأيام، وتحديدًا في الرابع عشر من أكتوبر عام ٢٠١٧، فوجئ رجال أمن مطار القاهرة بـ«ميشيل فرانكوم»، المستشار الزراعي بالسفارة الأمريكية لدى إثيوبيا، وقد وصل إلى مطار القاهرة قادماً من أديس أبابا دون تأشيرة دخول.
وعلى الفور جرى الاتصال بالسفير «أشرف منير»، نائب مساعد وزير الخارجية لشئون الجوازات، الذي سارع بعرض الأمر على السفير أيمن مشرفة، مساعد وزير الخارجية لشئون المراسم، فأمر على الفور بترحيل الدبلوماسي في أول رحلة إلى إثيوبيا، تنفيذاً لمبدأ المعاملة بالمثل!
لم تكن المرة الأولى.. بل حتى لم تكن المرة الأولى في عام ٢٠١٧ وحده.
لكننا آثرنا أن نبدأ من أديس أبابا، ففي فبراير من العام نفسه جرى ترحيل «أنطوني بيتس» و«دافيد مالديرون»، وهما دبلوماسيان يعملان في السفارة الأمريكية لدى الشقيقة السعودية، ومعهما «أنجيلا كاترينا توليداي»، التي تعمل سكرتيرًا ثالثاً بالسفارة البريطانية في أوكرانيا، وكانت قد وصلت إلى مصر للسياحة.
لكن مصر طبقت عليهم حق «المعاملة بالمثل»، وهو المبدأ الذي أقرته اتفاقية فيينا عام ١٩٦١، والتي تنظم الحصانات والامتيازات التي يتمتع بها الدبلوماسيون الأجانب لدى الدول المضيفة، وبالتالي تمنح بعض الدول حق الدخول دون تأشيرة، بما يجيز للدولة الأخرى منح دبلوماسيي هذه الدولة ذات الحق.
وهو الحق نفسه الذي تمارسه الدول في التعامل مع الدبلوماسيين؛ عند طرد دبلوماسي، أو حتى تقليص حصانته، حتى لو كانت بسبب غرامة مرور، يمنح ذلك الدولة المتضررة حق معاملة دبلوماسيي الدولة الأخرى بالمثل. ومعاملة مماثلة في كل شيء!
نقول ذلك ولدينا أمثلة عديدة على حفظ الكرامة الوطنية التي تمارسها مصر منذ عام ٢٠١٤، والاعتزاز بالسيادة الوطنية دون التماهي مع سياسات دولية أخرى.
فمصر ترفض، مثلاً، الحرب الروسية على أوكرانيا؛ لإيمانها برفض استخدام القوة، لكنها ترفض العقوبات الغربية على روسيا؛ لأنها لم تصدر من الأمم المتحدة.
والأمثلة تشهد عليها جلسات الجمعية العامة، بل ومجلس الأمن، وذلك السجال العنيف بين مندوب مصر ومندوب الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب خلاف على مهام وسلوك القوات المتعددة الجنسية.
وخاض مندوبنا، السفير الهمام وقتها عمرو ابو العطا في مارس من العام ٢٠١٦، معركة عنيفة كانت نيابة عن العالم الثالث كله، في مواجهة انتهاكات هذه القوات لقوانين البلاد الصغيرة.
وكانت الجلسة محل اندهاش الجميع، بينما كان موقفنا محل احترام الجميع!
نقول ذلك لننعش الذاكرة الوطنية بمواقف كبيرة ضد كبار، ولذلك ما أسهل المواقف الكبيرة أيضاً.. لكن ضد الصغار.. فما أسهلها وما أهونهم!
إنها مصر الكبيرة العظيمة، يا نيرون الحبشة! وربما لن تهدأ حتي تحرقها كما أحرق نيرون روما !
بالمناسبة:
الخسارة في ميادين القتال لن يجدي معها إلهاء الشعب الإثيوبي بمعارك في ميادين السياسة.. فخسارة المعركتين معًا واردة جداً.. جداً!