رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صحيفة الشعب الصينية تحتفي بمرور 70 عاما على العلاقات مع مصر

كاتب المقال فو تشي
كاتب المقال فو تشي مينج

بمناسبة مرور 70 عاما على العلاقات المصرية الصينية تحتفي صحيفة الشعب اليومية أحد أبرز الصحف الصينية وأكثرها انتشارا برواد الصين الأوائل، الذين تعلموا اللغة العربية وأدخلوها في المدارس والجامعات الصينية.

 حيث كتب الكاتب الصيني فو تشي مينغ والذي قضي فترة طويلة من حياته في مصر مقالا أشار فيه إلى هؤلاء وكيف أنهم درسوا اللغة العربية في مصر أوائل الثمانينات وتعلموها في الجامعات المصرية ثم فيما بعد عادوا لبلادهم وأدخلوها لجامعاتهم ومدارسهم.

وكتب فوتشي: نحتفي هذا العام بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، وعندما رددت هذه العبارة بصوت عالٍ أثناء كتابة هذا المقال، تداعى إلى ذهني شريط طويل من الذكريات، يعود أوله إلى عام 1983 عندما بدأت دراسة اللغة العربية في جامعة بكين. كنت أسمع من أساتذتي آنذاك قصصًا عن مصر وعن أجيال من أساتذة العربية الصينيين ارتبطت حياتهم العلمية والعملية بها. 

70 عاما من العلاقات

واليوم، ونحن نستعيد سبعين عامًا من العلاقات بين البلدين، يبدو تاريخ قسمنا زاوية خاصة يمكن من خلالها قراءة جانب من هذه المسيرة؛ فقد تأسس تخصص اللغة العربية بجامعة بكين عام 1946، قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية الصينية المصرية بعشر سنوات، وكانت مصر حاضرة في تكوين بعض رواده منذ البداية.

الدكتور محمد مكين
الدكتور محمد مكين

وتبدأ هذه القصة مع الدكتور محمد مكين، مؤسس تخصص اللغة العربية بجامعة بكين وفي الجامعات الصينية بأسرها وأحد أبرز رواد الدراسات العربية والإسلامية في الصين الحديثة. كان محمد مكين ضمن أول بعثة من الطلاب الصينيين الذين توجهوا إلى مصر في ثلاثينيات القرن الماضي لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية.

 

 درس في الأزهر ثم واصل دراسته في دار العلوم بالقاهرة، وقضى في مصر سنوات تركت أثرًا واضحًا في مسيرته العلمية. وترجم «محاورات كونفوشيوس» من الصينية إلى العربية خلال إقامته هناك، وصدرت الترجمة في القاهرة عام 1935، فكانت من المحاولات المبكرة لنقل هذا النص الكلاسيكي الصيني مباشرة إلى القارئ العربي.

 

وواصل محمد مكين عمله في التعليم والبحث والترجمة بعد عودته إلى الصين، والتحق بجامعة بكين عام 1946 وأسهم في تأسيس تخصص اللغة العربية فيها، ليصبح أقدم تخصص جامعي للعربية في مؤسسات التعليم العالي الصينية. 

 

كما كتب عن الثقافة الإسلامية، وترجم «تاريخ العرب» للمؤرخ فيليب حتّي إلى الصينية، وعمل سنوات طويلة على ترجمة معاني القرآن الكريم. وهكذا كانت مصر حاضرة في تاريخ تخصص العربية بجامعة بكين قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعقود؛ فقد عاد محمد مكين من القاهرة بما اكتسبه فيها من معرفة باللغة والثقافة العربية، وأسهم بهذه الخبرة في تأسيس تخصص سيخرج منه لاحقًا أجيال من العاملين في التعليم والترجمة والتواصل مع مصر والعالم العربي.

علاقات رسمية

وعندما اقتربت الصين ومصر من إقامة علاقاتهما الرسمية، كان أساتذة تخصصنا حاضرين أيضًا. فقد التقى رئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي بالزعيم جمال عبد الناصر على هامش مؤتمر باندونغ في إندونيسيا في أبريل عام 1955، في واحد من اللقاءات المهمة التي مهدت للتقارب بين البلدين. 

 

وكان المترجم في ذلك اللقاء الدكتور ليو لين روي، المعروف عربيًا باسم رضوان، وهو من الأساتذة المؤسسين لتخصص اللغة العربية بجامعة بكين، وكان قد أمضى سنوات طويلة في مصر ودرس في الأزهر بين عامي 1938 و1946. وأقامت الصين ومصر علاقاتهما الدبلوماسية بعد نحو عام في 30 مايو 1956، لتصبح مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

واصل ليو لين روي بعد ذلك مسيرته في التعليم والترجمة، وشارك في أعمال عديدة للتعريف بالصين وثقافتها في العالم العربي، كما نقل إلى العربية عددًا من الأعمال الأدبية الصينية المهمة، من بينها رواية «منتصف الليل» لماو دون وأعمال للروائي با جين. 

 

وفي ذلك الجيل المبكر كان تعليم العربية والترجمة والعمل الخارجي متداخلًا بدرجة كبيرة؛ فعدد المتخصصين في اللغة العربية كان محدودًا، وكان أساتذة الجامعة يشاركون أحيانًا في الترجمة والاتصال الخارجي والتبادل الثقافي، ثم يعودون إلى قاعات الدرس لتكوين جيل جديد من دارسي العربية.

نؤيد مصر وليسقط الإستعمار

طلبة صينيين مع الأديب نجيب محفوظ
طلبة صينيين مع الأديب نجيب محفوظ

ومن أبناء ذلك الجيل الجديد الدكتور صاعد، تشونغ جي كون، الذي ارتبطت بدايته مع اللغة العربية بمصر أيضًا، ولكن بصورة مختلفة. التحق بتخصص اللغة العربية في جامعة بكين عام 1956، وهو العام الذي أمم فيه جمال عبد الناصر قناة السويس وتعرضت مصر بعد ذلك للعدوان الثلاثي. 

 

وقد روى الدكتور صاعد لاحقًا أن من أولى العبارات العربية التي تعلمها آنذاك: «نؤيد مصر.. وليسقط الاستعمار». وكان يهتف بهذه الكلمات مع زملائه في المظاهرات التي خرجت في بكين تأييدًا لمصر، وعندما مرت المظاهرة أمام السفارة المصرية رأى السفير المصري آنذاك حسن رجب يلوح لهم بيده.

 

ولم تبق تلك العبارة مجرد ذكرى من سنوات الدراسة؛ فقد أمضى تشونغ جي كون بعد ذلك عقودًا في دراسة الأدب العربي ونقله إلى الصينية. وعمل في جامعة بكين أستاذًا بعد تخرجه، ثم توجه بين عامي 1978 و1980 إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة لمواصلة دراسته، وهناك ازداد اقترابه من الأدب المصري وكتابه، والتقى خلال تلك الفترة الأديب المصري الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ. 

في بيتنا رجل

وأسهم في نقل عدد من الأعمال المصرية المهمة إلى الصينية، من بينها «في بيتنا رجل» لإحسان عبد القدوس و«ميرامار» لنجيب محفوظ، إلى جانب مختارات من القصة المصرية القصيرة وأعمال أخرى من الأدب العربي. 

 

وحصل تقديرًا لمسيرته العلمية والترجمية على عدد من الجوائز العربية الرفيعة، من بينها الجائزة الشرفية لجائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة، وجائزة الشيخ زايد للكتاب لشخصية العام الثقافية عام 2011.

هذه القصص وغيرها هي التي كنا نسمعها من أساتذتنا عندما بدأنا دراسة العربية في جامعة بكين. كنا نعرف مصر من الكتب وأحاديث الأساتذة والأخبار والأدب، ثم جاء السفر إليها ليحوّل تلك المعرفة إلى تجربة يومية. 

الكاتب فوتشي

ولهذا شددت الرحال أنا أيضًا إلى مصر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ودرست في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتعلمت العامية المصرية، وعشت تفاصيل الحياة اليومية في مصر، واكتسبت معرفة لا تستطيع الكتب وحدها أن تمنحها لطالب اللغة.

 

وأتاحت لي إقامتي في القاهرة ومشاركتي أكثر من مرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الاحتكاك بمصريين من بيئات مختلفة، فكنت أجيب عن أسئلتهم حول الصين بقدر ما أتعلم منهم عن مجتمعهم وحياتهم اليومية وعاداتهم. وأصبحت مصر بالنسبة إلي مع مرور الوقت مكانًا للدراسة والمعرفة وذكريات شخصية كثيرة لا تزال حاضرة في ذهني حتى اليوم.

وحملت معي هذه الخبرة إلى طلابي عندما عدت إلى جامعة بكين. درّست العامية المصرية سنوات طويلة، وحرصت على أن يتعرف الطلاب إلى العربية كما تستخدم في الحياة اليومية إلى جانب ما يتعلمونه من العربية الفصحى في قاعات الدرس. 

وسافرت معهم إلى مصر في برامج ومعسكرات تعليمية ليتعاملوا مع المصريين في الشارع والجامعة والمقهى والسوق، ويختبروا بأنفسهم اللغة والمجتمع اللذين ظلوا يدرسون عنهما في بكين. وبعد ذلك ذهب عدد من طلاب القسم إلى جامعة القاهرة للدراسة، فيما عاد آخرون إليها لجمع المادة العلمية لرسائل الماجستير والدكتوراه.

البحث الأكاديمي

وأصبحت مصر أيضًا مجالًا للبحث الأكاديمي المتخصص داخل القسم مع اتساع هذه الصلات. ومن الأمثلة على ذلك الدكتورة شياو كون، التي درست في جامعة القاهرة في بداية القرن الحالي، ثم اختارت التاريخ المصري مجالًا لبحثها الأكاديمي، مع اهتمام خاص بنظام المماليك وتطوره في مصر.

 

وواصلت العمل على هذا الموضوع سنوات طويلة، إلى أن نشرت عام 2023 كتابها «دراسة نظام المماليك في مصر»، الذي تناول هذا النظام عبر مراحله التاريخية المختلفة. وبذلك امتد ارتباط القسم بمصر من تعلم اللغة والاحتكاك بالمجتمع إلى دراسة تاريخها اعتمادًا على المصادر العربية والبحث الأكاديمي المتخصص.

وأخذت الصلة بمصر طابعًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا مع دخول القرن الحادي والعشرين، وامتدت من الدراسة والترجمة والبحث إلى التعاون التعليمي بين الجامعات. فقد عمل عدد من أساتذة القسم في المؤسسات الصينية المعنية بالتعاون مع مصر، ومن بينهم الدكتور لين فنغ مين، المعروف عربيًا باسم عامر، الذي كان قد درس في جامعة القاهرة في تسعينيات القرن الماضي، ثم عمل مسؤولًا تعليميًا في السفارة الصينية لدى مصر بين عامي 2004 و2009.

علاقات تبادل الطلاب

 وخلال تلك الفترة شهد تعليم اللغة الصينية في مصر توسعًا واضحًا؛ فأنشئ قسم اللغة الصينية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم تأسس معهد كونفوشيوس بالجامعة بالتعاون مع جامعة بكين، وشارك أساتذة من جامعتنا في إدارته والتدريس فيه ودعم التعاون بين الجامعتين.

وهكذا أصبح بعض من تعلموا العربية لفهم مصر والعالم العربي يشاركون أيضًا في مساعدة الطلاب المصريين على تعلم الصينية وفهم الصين. واستمرت هذه العلاقات من خلال التبادل الطلابي وزيارات الأساتذة والأنشطة العلمية المشتركة، وتوسعت لتشمل جامعات ومؤسسات أكاديمية مصرية مختلفة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء