الفايكنج..حاربوا الأندلسيين وتاجروا مع العباسيين ووصلواأمريكا قبل كولومبوس
ارتبط اسم الفايكنج في أذهان كثيرين بصورة المحاربين الذين اجتاحوا السواحل الأوروبية بسفنهم الطويلة، لكن تاريخهم يكشف وجهاً أكثر تعقيدًا؛ فقد كانوا إلى جانب كونهم مقاتلين، تجارًا ومستكشفين وبناة سفن بارعين، أسهموا في تشكيل مسارات التجارة والسياسة في أوروبا، ووصلوا إلى قارة أمريكا الشمالية قبل الرحلة الشهيرة لكريستوفر كولومبوس بنحو خمسة قرون، كما أقاموا علاقات تجارية مع الدولة العباسية وخاضوا مواجهات مع المسلمين في الأندلس.
من هم الفايكنج؟
الفايكنج هم شعوب جرمانية نوردية استوطنت مناطق شمال أوروبا، وبالتحديد في النرويج والسويد والدنمارك، وعُرفوا في المصادر الأوروبية باسم "النورثمان" أي الشماليين. ويرجح عدد من الباحثين أن كلمة "فايكنج" مشتقة من كلمة "فيك" التي تعني الخليج الصغير، بينما يرى آخرون أنها تعود إلى منطقة "فيكين" في النرويج.
وامتد عصر الفايكنج بين عامي 793 و1066 ميلادية، وهي الفترة التي شهدت توسعهم في مناطق واسعة من أوروبا، حيث وصلوا إلى إنجلترا وأيرلندا وفرنسا وروسيا، كما عبروا البحار نحو آيسلندا وجرينلاند، ووصلوا لاحقًا إلى أمريكا الشمالية.
وانقسم الفايكنج إلى ثلاثة فروع رئيسية؛ فالسويديون اتجهوا شرقًا عبر بحر البلطيق نحو روسيا، بينما توسع النرويجيون في آيسلندا وجرينلاند وأيرلندا، أما الدنماركيون فقد هاجموا إنجلترا والأندلس وشمال أفريقيا وجنوب إيطاليا.
من الغارات إلى بناء الإمبراطوريات
بدأ عصر الفايكنج فعليًا عام 793 ميلادية عندما هاجموا دير "ليندسفارن" في شمال شرق إنجلترا، وهو الهجوم الذي اعتبره المؤرخون بداية مرحلة جديدة من الغارات البحرية التي أرعبت أوروبا لقرون.
ورغم الصورة الدموية التي ارتبطت بهم، فإن المؤرخين يرون أن دوافع توسعهم لم تقتصر على الحروب، بل ارتبطت أيضًا بزيادة عدد السكان، وضيق الأراضي الزراعية، وقسوة المناخ، الأمر الذي دفعهم إلى البحث عن أراضٍ جديدة ومصادر للثروة خارج بلادهم، كما ساعدهم تفوقهم في صناعة السفن على الإبحار لمسافات طويلة، فتمكنوا من الوصول إلى مناطق بعيدة لم تكن معروفة لدى معظم الشعوب الأوروبية في ذلك الوقت.
ديانة الفايكنج ومعتقداتهم
اعتنق الفايكنج قبل دخول المسيحية الديانة النوردية القديمة، التي قامت على عبادة عدد كبير من الآلهة، أبرزهم "أودين" إله الحكمة والحرب، و"ثور" إله الرعد، و"فريا" إلهة الحب والجمال، إلى جانب عشرات الآلهة الأخرى التي شغلت مكانة كبيرة في حياتهم اليومية.
وكانوا يؤمنون بأن المحارب الذي يموت في ساحة القتال ينتقل إلى "فالهالا"، وهي الجنة التي يقيم فيها مع الإله أودين استعدادًا لمعركة نهاية العالم في معتقداتهم، واعتمدت ديانتهم على الروايات الشفهية ولم تمتلك كتابًا مقدسًا، كما كانوا يقيمون طقوسهم في الغابات والأماكن الطبيعية أكثر من المعابد، وقدموا القرابين التي شملت أحيانًا الحيوانات، بل والبشر أيضًا.
مجتمع منظم رغم سمعته القتالية
تكون مجتمع الفايكنج من ثلاث طبقات رئيسية؛ النبلاء الذين ضموا الملوك وكبار المحاربين، والأحرار الذين عملوا في الزراعة والتجارة والحرف، ثم طبقة العبيد التي ضمت أسرى الحروب ومن ولدوا في الرق.
ورغم سيطرة الرجال على المجتمع، فإن المرأة تمتعت بحقوق لم تكن متاحة في كثير من المجتمعات الأوروبية آنذاك، إذ امتلكت حق إدارة الممتلكات أثناء غياب الزوج، وكان لها حق طلب الطلاق في حالات معينة، كما شاركت بعض النساء في القتال، وتولت أخريات أدوارًا دينية واجتماعية بارزة، كما عرف الفايكنج بنظام قانوني خاص، ورغم عدم وجود قوانين مكتوبة، فإنهم كانوا يعقدون اجتماعات دورية للفصل في النزاعات وإصدار الأحكام، ويعد كثير من الباحثين أن كلمة "Law" الإنجليزية ترجع في أصلها إلى اللغة النوردية القديمة.
اقتصاد يعتمد على التجارة والعبيد
اعتمد اقتصاد الفايكنج على الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك وبناء السفن، إلا أن التجارة شكلت أحد أهم مصادر قوتهم، إذ جاب تجارهم البحار والأنهار حاملين الفراء والعسل والعاج والأخشاب والكهرمان وغيرها من السلع.
وشكلت العبودية جزءًا مهمًا من اقتصاد الفايكنج، إذ كان الأسرى الذين يقع عليهم الاختيار خلال الغارات يتحولون إلى عبيد يعملون في الزراعة وبناء السفن والأعمال المنزلية، كما كان يتم بيع الكثير منهم في أسواق الرقيق المنتشرة آنذاك.
وساهمت تجارة العبيد في توفير مصدر دخل مهم للقبائل الإسكندنافية خلال عصر ازدهارها، إلى جانب التجارة الواسعة التي ربطتهم بمناطق أوروبا والشرق الأوسط.
الفايكنج والمسلمون
لم تقتصر تحركات الفايكنج على أوروبا، بل وصلت إلى العالم الإسلامي أيضًا، حيث هاجموا الأندلس عام 844 ميلادية، وتمكنوا في البداية من السيطرة على مدينة لشبونة، قبل أن يتقدموا نحو إشبيلية.
إلا أن القوات الأموية بقيادة محمد بن رستم تمكنت من إلحاق هزيمة كبيرة بهم في معركة "طلياطة" أو "تابلادا"، حيث قتل عدد كبير من مقاتليهم وأُحرقت عشرات سفنهم، ما أجبرهم على الانسحاب وطلب الصلح.
وفي المقابل، شهد العصر العباسي نشاطًا تجاريًا واسعًا بين الفايكنج والعالم الإسلامي، إذ تبادل الطرفان الفراء والأخشاب والعسل والجلود مقابل الفضة والمنتجات الشرقية، وعُثر على آلاف الدراهم العباسية في مناطق الدول الإسكندنافية، وهو ما يؤكد قوة العلاقات التجارية بين الجانبين، كما دون الرحالة أحمد بن فضلان واحدة من أهم الشهادات التاريخية عن الفايكنج، بعدما التقاهم خلال رحلته الشهيرة، وقدم وصفًا دقيقًا لعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم وطقوس دفن موتاهم، لتصبح رحلته من أبرز المصادر التي اعتمد عليها الباحثون في دراسة حضارة الفايكنج.
سبقوا كولومبوس إلى أمريكا
تؤكد المصادر التاريخية أن الفايكنج كانوا أول الأوروبيين الذين وصلوا إلى أمريكا الشمالية، بعدما قاد المستكشف ليف إريكسون رحلة بحرية نحو سواحل القارة الجديدة قرابة عام 1000 ميلادية، أي قبل وصول كريستوفر كولومبوس بنحو خمسة قرون.
وأقام الفايكنج مستوطنة في منطقة "فينلاند"، التي يرجح الباحثون أنها تقع في جزيرة نيوفاوندلاند الكندية، كما أثبتت الحفريات الأثرية التي أجريت خلال القرن العشرين وجود آثار لمستوطناتهم هناك، وهو ما أكد صحة الروايات النوردية القديمة.
نهاية عصر الفايكنج
بدأ نفوذ الفايكنج يتراجع مع انتشار المسيحية في الدول الإسكندنافية، وقيام ممالك مركزية قوية في النرويج والسويد والدنمارك، وهو ما أنهى مرحلة الغارات البحرية التي اشتهروا بها.
ويعتبر المؤرخون معركة "جسر ستامفورد" عام 1066، التي قُتل فيها الملك النرويجي هارالد هاردرادا، نهايةً فعلية لعصر الفايكنج، لتتحول شعوبهم تدريجيًا إلى مجتمعات مستقرة أصبحت فيما بعد من أكثر دول العالم تقدمًا واستقرارًا.



