في ذكرى رحيل "عبد الناصر"...
من ردهات السجون إلى قاعات القضاء.. كيف انتزع "الناصريون" حلم شرعية الحزب الناصري؟
ميلاد مؤجل.. وحلم لم يغب
في خضم التعددية الحزبية المُقننة التي شهدتها مصر في مطلع التسعينيات، لم يكن ميلاد الحزب العربي الديمقراطي الناصري مجرد إضافة سياسية عادية، بل كان بمثابة تتويج لنضال عقائدي امتد لعقود.
فبعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، ظلت قوى التيار القومي تائهة بين التجمعات السرية ومحاولات الاندماج الفاشلة، تقاوم التهميش وتنتظر لحظة الاعتراف.
هذه اللحظة لم تأتِ بمرسوم رئاسي، بل انتُزعت بـحكم قضائي تاريخي في عام 1992، مُعلناً عن ميلاد الحزب بصفته الكيان الرسمي الوحيد المعبر عن الأيديولوجية الناصرية في مصر.
في هذا التقرير عبر إيجبتكِ في ذكرى وفاة الزعيم جمال عبد الناصر نرصد لكم حكاية تأسيس الحزب الناصري.

صراع الإرادات.. ناصرية تُطرق أبواب اللجنة وتُغلق بوجهها
لم تكن طريق الناصريين إلى تشكيل حزب سهلًا، بل كانت مليئة بعثرات الرفض الإداري والسياسي.
فبعد سنوات من تشرذم التيار، اجتمعت مجموعة من قامات المرحلة الناصرية، كان على رأسها فريد عبد الكريم بعد خروجه من السجن، والوزير الحربي الأسبق الفريق محمد فوزي، والرمز ضياء الدين داود، لتشكيل نواة الحزب.
لكن "لجنة شؤون الأحزاب"، التي كانت المانع الرئيسي في ذلك الوقت، ظلت تُغلق الباب أمامهم، لاعتبارات تتعلق بالخشية من إحياء التيار القومي الذي كان يحظى بشعبية جارفة، أو بحجة أن مبادئ الحزب تتعارض مع أسس التعددية القائمة.
هذا الرفض لم يكسر إرادة المؤسسين، بل دفعهم لخوض معركة قضائية أصبحت فيما بعد فصلاً هاماً في تاريخ العمل الحزبي المصري.

المحكمة الإدارية العليا تُجهز الضربة القاضية لـ"الناصريين".. رفض تأسيس الحزب لـ"النزعة الشمولية" و"الشرعية الثورية"
حلم مؤجل بختم قضائي
بعد 7 سنوات من الانتظار والصراع القانوني، أسدلت المحكمة الإدارية العليا الستار على محاولة تأسيس أول كيان حزبي رسمي للتيار الناصري في مطلع التسعينيات.
ففي حكم تاريخي صدر في 14 أبريل 1990، أيدت المحكمة قرار "لجنة شؤون الأحزاب السياسية" برفض تأسيس حزب "الناصري – تنظيم تحالف قوى الشعب العامل".
المحكمة، برئاسة المستشار محمد أنور محفوظ، أكدت أن الفكر الناصري المعروض في وثائق الحزب يحمل "نزعة شمولية" و"يتعارض مع المقومات الأساسية للديمقراطية القائمة على التعددية" التي أقرها دستور 1971.
جوهر الأزمة.. صراع بين "الشرعية الثورية" و"الشرعية الدستورية"
تعود جذور القضية إلى عام 1983، عندما تقدم كمال أحمد محمد وستين مواطناً بطلب تأسيس الحزب.
وقد ارتكز رفض اللجنة الأول على أن وثائق الحزب تستند إلى مفاهيم "التنظيم الواحد" و"حركة الجماهير الواحدة"، مما يوحي بـ"طابع شمولي" يتجاوز مبدأ تعدد الأحزاب.

الأسباب الجوهرية لرفض التأسيس (رؤية اللجنة):
- الشمولية وتغييب التعددية: اعتبار الحزب شموليًا لا يؤمن بالديمقراطية الحزبية.
- مناهضة الشرعية: الدعوة إلى "الشرعية الثورية" كبديل عن الشرعية الدستورية.
- شبح الماركسية: تفسير "الاشتراكية العلمية" على أنها تتعارض مع "النظام الاشتراكي الديمقراطي" الدستوري.
- الارتباط بالماضي: الاستناد إلى وثائق تاريخية (مثل الميثاق الوطني 1962) وتجاوز التطورات الدستورية اللاحقة.

دفوع القيادات الناصرية: اتهام بـ"تفسير متعسف" و"مفبرك"
طوال مسار القضية (الطعن رقم 777 لسنة 30 قضائية)، دفع مؤسسو الحزب ببطلان قرار اللجنة.
وطالب الطاعنون، بعدم حيدة رئيس اللجنة لانتمائه للحزب الحاكم آنذاك (الوطني الديمقراطي)، ووصفوا أسباب الرفض بأنها "مفبركة" وتفسير "متعسف" لنصوص البرنامج، مؤكدين أن برنامجهم يتميز بوضوح سياسي عن الأحزاب الأخرى.
وقد توقفت القضية مؤقتاً لإحالتها للمحكمة الدستورية للفصل في دستورية بعض نصوص قانون الأحزاب، قبل أن تعود الإدارية العليا لاستكمال النظر فيها.
حيثيات الحكم: النزعة الشمولية تقوض الدستور
على الرغم من قبول الطعن شكلياً، قضت المحكمة الإدارية العليا برفض الطعن موضوعياً وتأييد قرار اللجنة، مؤكدة أن قرار الرفض جاء قائماً على سبب سائغ وكافٍ قانونياً.
واستندت المحكمة في حيثياتها إلى أن:
- الجمود أمام التطور الدستوري: الفكر الناصري في وثائق الحزب "يقف عند مرحلة تاريخية سابقة (ما قبل 1970)" ويركز على مفاهيم تتعارض مع دستور 1971، الذي يؤسس لسيادة القانون والتعددية الحزبية.
- مفهوم خاص للديمقراطية: مفهوم الحزب للديمقراطية هو "مفهوم خاص" مشروط بتحقيق ظروف اجتماعية واقتصادية معينة، مثل "تجريد الرجعية من أدواتها". ورأت المحكمة أن هذا الشرط يمنح الحزب "سلطة وصاية على المجتمع"، وهو ما يمثل "نزعة شمولية" تتنافى مع الديمقراطية السليمة.
- تهديد السلام الاجتماعي: اعتبرت المحكمة أن الدعوة إلى "تجريد الرجعية" واعتبار الثورة هي "الوسيلة الوحيدة" للتحول يهدد السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية.
وبناءً عليه، ألزمت المحكمة الطاعن بالمصروفات، لتسدل الستار على محاولة التأسيس هذه، تاركة التيار الناصري يبحث عن صيغة جديدة للتعبير عن أفكاره دون الاصطدام بالمقومات الأساسية للنظام الدستوري المصري القائم.
أبريل 1992 المطرقة العدلية تُنهي عقود الانتظار
كانت المحكمة الإدارية العليا هي الساحة الأخيرة التي احتضنت قضية الناصريين.
فبعد تقديم كافة الأسانيد القانونية والسياسية التي تثبت أحقية التيار في الوجود، أصدرت المحكمة حكمها الحاسم في 19 أبريل 1992.
هذا الحكم لم يكن مجرد تصريح قانوني، بل كان بمثابة إقرار رسمي بأن الأيديولوجية الناصرية لها الحق الكامل في التعبير عن نفسها ضمن الساحة السياسية المفتوحة.
وبموجبه، أُعلِن عن تأسيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري، ليكون بمثابة "البيت الكبير" الذي يجمع أجيال التيار القومي، من القادة القدامى إلى الشباب المتحمس، ومنهم أسماء صعدت لاحقاً كـسامح عاشور الذي تولى رئاسة الحزب لاحقًا.

الكيان الناصري.. إحياء لـ"الاشتراكية العربية" والوحدة القومية
لم يأتِ الحزب ببرنامج جديد كلياً، بل جاء حاملاً لواء المبادئ الأساسية التي قامت عليها ثورة يوليو:
- القومية والوحدة: التأكيد على الهوية العربية والسعي نحو الوحدة.
- العدالة الاجتماعية: تبني مفاهيم الاشتراكية العربية والاعتماد على التخطيط الشامل وتفعيل دور القطاعات الثلاثة (العام، الخاص، التعاوني).
- الحرية والديمقراطية: التأكيد على أن التنمية والتقدم لا يمكن أن يتحققا دون ضمان الحريات السياسية والاقتصادية للمجتمع.
وبهذا التأسيس، انتهت مرحلة النضال السري والعلني غير المُرخص، لتبدأ مرحلة جديدة من التعبير الحزبي المنظم، وإن كانت مسيرة الحزب قد ظلت تشهد تجاذبات وصراعات داخلية مستمرة بين أقطابه، إلا أن لحظة عام 1992 تظل هي اللحظة المضيئة التي انتزع فيها الناصريون اعترافًا بوجودهم كقوة سياسية لا يمكن تجاوزها.
إحياء الذكرى 55 لوفاة الزعيم جمال عبد الناصر">إحياء الذكرى 55 لوفاة الزعيم جمال عبد الناصر: "الناصري" يتذكر القائد أمام ضريحه
وقفة وفاء في ذكرى الـ 55
في مشهد سنوي متجدد للوفاء، أحيا قيادات الحزب العربي الديمقراطي الناصري اليوم ذكرى مرور 55 عامًا على وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
تجمع الوفد الناصري أمام ضريح الزعيم لتقديم التحية والتأكيد على استمرارية مبادئ القومية والعدالة الاجتماعية التي أرساها.
قيادات وشخصيات عامة تحضر المراسم
شهدت مراسم إحياء الذكرى حضورًا لافتًا لقيادات الحزب وشخصيات عامة بارزة. تقدم الحضور رئيس الحزب الدكتور محمد أبو العلا. كما كان المهندس عبد الحكيم جمال عبد الناصر، نجل الزعيم الراحل، من أبرز المشاركين في إحياء ذكرى والده.
ومن الشخصيات العامة والسياسية التي شاركت في الفعالية:
الإعلامي مصطفى بكري.
الدكتور جمال شقرا، أستاذ التاريخ الحديث.
مجاهد ذكي، أمين التنظيم بالحزب.
أسماء كمال حسنين، أمينة المرأة.
محمد صلاح عبد الدايم، عضو المكتب السياسي.
الدكتورة همت فرج، أمينة المرأة بالمنوفية.
أبو المجد عبد الخالق، أمين المنوفية.
الكاتبة الصحفية علياء الهواري.





