رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليست الزيارات التي يقوم بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العواصم الخليجية مجرد تحرك دبلوماسي تقليدي، بل تمثل في جوهرها تعبيرًا عن لحظة استراتيجية فارقة، تتقدم فيها مصر لاستعادة موقعها الطبيعي كفاعل رئيسي في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، في منطقة تعاد هندستها تحت ضغط التحولات الدولية وتسارع الأحداث.

من الإمارات العربية المتحدة إلى قطر، وصولًا إلى المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، تبدو التحركات المصرية وكأنها ترسم خريطة اتصالات واعية، لا تُدار برد الفعل، بل تنطلق من قراءة عميقة لطبيعة التهديدات، ولحدود الممكن في لحظة دولية مضطربة.

اللافت في هذه الجولة ليس فقط تنوع محطاتها، بل طبيعة الرسائل التي تحملها. فحفاوة الاستقبال، وتكثيف اللقاءات، وسرعة التنسيق، جميعها مؤشرات على إدراك خليجي متنامٍ بأن مصر تمثل ركيزة الاستقرار، وأن حضورها ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تفرضها حسابات الأمن والمصالح.

لحظة استراتيجية فارقة، تتقدم فيها مصر لاستعادة موقعها الطبيعي

هنا، لا نتحدث عن مجاملات دبلوماسية، بل عن اعتراف صريح بثقل الدولة المصرية، وقدرتها على التأثير في مسارات الأحداث.

في القراءة الاستراتيجية، يمكن فهم هذه التحركات باعتبارها انتقالًا من مرحلة "إدارة الأزمات" إلى مرحلة "بناء التوازنات"؛ فالإقليم لم يعد يحتمل مقاربات جزئية أو تحركات منفردة، بل يحتاج إلى مركز ثقل قادر على الربط بين الملفات، وضبط الإيقاع بين القوى، ومنع الانزلاق نحو سيناريوهات الفوضى الممتدة.

 

مصر، في هذا السياق، لا تتحرك بحثًا عن دور، بل تمارس دورها التاريخي. فهي الدولة التي تمتلك من عناصر القوة ما يؤهلها لذلك: موقع جغرافي حاكم، مؤسسة وطنية متماسكة، وخبرة سياسية متراكمة في التعامل مع تعقيدات الإقليم، والأهم من ذلك، رؤية تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى عبر شبكة مصالح متوازنة، وشراكات قائمة على الوعي المشترك بالتحديات.

الرسالة الأعمق التي تحملها هذه الجولة تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، لتفتح الباب أمام تساؤل استشرافي: هل نحن أمام تشكل نظام إقليمي عربي أكثر تماسكًا؟ المؤشرات الأولية توحي بأن هناك إدراكًا متزايدًا لدى العواصم المؤثرة بأن المرحلة المقبلة لا تحتمل التباينات الحادة، وأن كلفة التشرذم أصبحت أعلى بكثير من كلفة التوافق.

 

في هذا الإطار، يمكن قراءة التحركات المصرية باعتبارها محاولة لتأسيس "كتلة استقرار" قادرة على حماية المصالح العربية في مواجهة الضغوط الدولية، والتحديات الأمنية، والتحولات الاقتصادية؛ كتلة لا تقوم على الشعارات، بل على التنسيق الفعلي، وتبادل المصالح، وبناء الثقة بين الأطراف الفاعلة.

 التحركات المصرية باعتبارها محاولة لتأسيس "كتلة استقرار" 

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق هذه المسارات، بل في استدامتها. فالتوازنات الإقليمية بطبيعتها هشة، وقابلة للاهتزاز تحت تأثير المتغيرات السريعة؛ وهنا تبرز أهمية الدور المصري، ليس فقط كوسيط أو شريك، بل كضامن لاستمرارية هذه التفاهمات، وكطرف قادر على إعادة ضبط المسار كلما انحرف.

 

في المحصلة، نحن أمام مشهد يتجاوز فكرة "جولة رئاسية" إلى ما هو أبعد: إعادة تموضع لدولة، واستعادة لدور، وصياغة لمرحلة.. مرحلة قد تعيد تعريف مفهوم القوة في الإقليم، ليس باعتبارها هيمنة، بل باعتبارها قدرة على تحقيق التوازن.

 

هكذا تتحرك الدول الكبرى، وهكذا تُصاغ الجغرافيا السياسية حين تقرر دولة بحجم مصر وقائدها أن تمارس دورها، لا أن تكتفي بمراقبة المشهد.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء