الكاتب السوداني حذيفة الجنيد: الزوجة هي محطة الرجل الأخيرة للهلاك | حوار
حذيفة الجنيد لـ “إيجبتك”
*مطبخي غرفتي ومائدته فراشي وأوانيه أقلامي وأفكاري
*أفطر على السجائر والتمر والماء البارد بعد صيام طويل
*رمضان في السودان خشن الطبع وفي مصر عالم آخر
*رمضان في مصر حركة مستمرة وأنس وضحك
*عانيت الصيام في البلاد الأوروبية وحالة المسلمين فيها تعاسة وشقاء
*أعشق سورة يس فهي صانعة معجزات وتذهب الضيق والابتلاءات
شهر رمضان بالنسبة له بداية مسيرة أدبية ولا يقتصر فقط على الصيام وإنما هو شهر المودة وتتجلى فيه صور الإخاء والترابط بين الناس، صام في بلاد أوروبا وقال عنها حال المسلمين خلال الصيام هناك تعاسة وشقاء لطول عدد الساعات، أما رمضان في الخليج فبرغم التسهيلات الموجودة إلا أن رمضان في مصر شيء آخر، والزواج بالنسبة له القطار الذي ينقله إلى محطته الأخيرة التي وبلا شك ستكون معها بداية الهلاك، وللتقرب منه أكثر ولمعرفة كواليس طقوس الكتابة كان لـ “إيجبتك”، حوار مع الكاتب السوداني والطبيب البشري الدكتور حذيفة الجنيد، وإليكم نص الحوار:
في البداية.. نود التعرف على طقوس حضرتك في الكتابة خلال شهر رمضان، والروحانيات؟
بدأت مسيرتي الكتابية في رمضان، ولا يقتصر الأمر فيه على الصيام والعبادات فقط، بل هو شهر التحاب والمودة وفيه تتعظم وتتجلى معالم وصور الإخاء ويزيد الترابط بين الناس والأصحاب وفي الجمع بركات وتحلو الاجتهادات والعبادات وجلسات الذكر والفضيلة وبحسن مجالسة الناس ورفقتهم في رمضان بركة في القول والعمل.
وهنا في الخليج العربي وفي بيئة العمل لدينا بالأخص، تكثر الأنشطة الرياضية بانتظام رمضاني مرتب ومُعد سلفا في دورات ومسابقات سنوية على امتداد شهر رمضان المبجل، نلتم جميعنا بمختلف أجناسنا وجنسياتنا ولغاتنا وحتى الأديان في ليالي رمضان ونتشارك ونحلل ونترجم وتأخذنا لياليه الطويلة بعيدًا فنتسامر ويسرقنا الوقت للسحور ومن هنا نشأت الفكرة أصلًا! وصقلت ثم خرجت إلى النور.
الإبداع وبكل المفاهيم تتناقله ألسنة الناس، فالأفكار لا تولد من العدم، وإن كانت أطياف و خيالات!، وذاك هو المطلوب والأساس في ذاته، كلما ازداد التصاقك بالناس وبكلامهم والاستماع إلى أحاديثهم ومع نقاشاتهم تنشأ الرؤى وبإحكام !، ساعات النوم في رمضان قليلة ومتقطعة وبين اليقظة والأحلام دائما العاطفة والجمال والهيام ، شهر رمضان له دور كبير في النجاح الأدبي وطابعه المميز.
كيف تخلع الأديب أو الشاعر؟ وهل تفرض قوانينك على مائدة الإفطار أم أن "ديمقراطية البيت" هي الغالبة؟
عباءة الكاتب أوالروائي يصعب خلعها باختلاف الظروف وتعددها، فالروائي هو باحث ومفكر ومطلع ومبتكر ودائمًا ما تجده منشغلًا ويعمل وحيدًا ويفضل الانطواء، يميل إلى العزلة والانفراد، ولقد اعتاد ذلك منذ النشأة وذلك هو قدره ولن يترك قلمه وإن تعددت واختلفت الظروف.
يرى الكاتب الكون بصورة غير التي يراها أي شخص آخر، أعينه كعدسات الكاميرات، تصور وتسجل كل شيء، خلع الكاتب من أدبه كنزع الظفر لحمه لحمه، ليس حلًا قاطعًا ونزيها بل سينمو مجددًا وبأفضل حال عن ما سبقه، لأن في قلب الراوي تحديدا نيران وسيطان من جحيم، حقائق لا بد وأن تبدو وتظهر للعامة.
ولا يمكن تجريد الحاكي أو القصصي عن ماهو عليه وما خلق له، الروائي قلمه من حديد ولا يخاف ولا يهاب!، لا تشله العاطفة بل يمضي في سرد الحقائق دون محسوبيات او تحفظات، تلك نعمة ونقمة في آن واحد !. ستبقى قدرك الذي اختاره الله لك واختصه بك متفردا عن الغير ومميزا عن الجميع ولا يمكنك منعه، وأفضل ما تخلده اللحظات هي العدسات وأسطر الكلمات، عليك أن تواجه حقيقتك كروائي وأن ابيتها وحاربتها فأنت الخسران ولن يسعك سوى الرضوخ والاستسلام لشخصك وحقيقتك .
من هو الشخص (الجندي المجهول) الذي يعتبر "بوصلة" يومك الرمضاني وتلجأ إليه حين تشتد ضغوط العمل مع الصيام؟
كنت أتمنى أن أقر بالاعتراف كسائر الخلق من الرجال بأن زوجتي هي سر نجاحي وإن كان كذبًا! وبلاشك في ذلك !. المرأة تعشق الإطراء والمدح والثناء وإن كان باب المزح أو المجاملة أو بخلاف ماهو عليه، كلهم سيقرون بذلك لإرضاء مطالب زوجاتهم وبلا شك في ذلك، فالمرأة هي مطلب الرجل مغشيًا عليه يرفض إنكار المآسي والنهايات الكارثية التي أودت بحياة الرجال أمثاله منذ الأزل ونسبت أسباب مثل ذلك الضياع الى المرأة تاريخيًا مازال الرجل يصارع ويعاند ويصر على خوض التجربة الإنتحارية لا يرض ولا يقتنع بالنقاش وبلا اكتراث.
الزوجة وبلا منازع هي محطة الرجل الأخيرة لكني مازلت أقف عليقا خائفا مرتجفا وحيدا انتظر ذلك القطار ليقلني الى محطتي الاخيرة التي وبلا شك ستكون معها بداية التهابات والنزالات والصراعات والهلاك.
بعيداً عن الأدب.. هل تملك "تخصصاً" في المطبخ يجمع العائلة عليه؟ وهل تدخل المطبخ للمساعدة أم بدافع "الفضول الرقابي" فقط؟...
مطبخي هو غرفتي ومائدته فراشي الذي استلقي عليه، وأوانيه أقلامي وأفكاري اللتي ستملأ الورق وينتظرها القراء بفارغ الصبر.
عندما يُرفع الآذان وأنت لا تزال خلف مكتبك (أو في طريقك للمنزل).. ما هي أول فكرة تخطر في بالك؟ وما هو أول شيء تتناوله؟
أتناول التمر والماء البارد بعد صيام طويل والعقل منشغل بتلك العادة السيىة فتتبعها ببضع لقمات من الطعام سريعًا حتى تصل إلى غايتك المنشودة وعي كوب الشاي ثم تتبعها بلفافة من التبغ (السجائر) وأرتمي ميتًا في فراشي أبي الحراك .
ما هي الصورة "الأبيض وأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟ وكيف تحاول استعادتها لأبنائك وأحفادك اليوم؟
لقد عشت حياة متنقلة بعض الشيء والتقيت بكثير من الشعوب وازداد ترحالي وكثرت تنقلاتي في سنواتي الاخيرة خاصة!، ولكل بقعة طعمها وأجوائها الرمضانية الخاصة والمختلفة باختلاف المكان والثقافة والتاريخ.
أذكر رمضان في الخليج وبقصر ساعات صيامه وقلة صعوباته نظرًا لتسهيل أهله وتيسير أمر الصيام على الخلق والناس في هذا الشهر الفضيل من تقليل ساعات العمل وتوفير كل التسهيلات لجعل الأمر يسيرًا مطاق على الصائمين والأفراد، ثم على الصعيد الآخر ( السودان ) بخشونة طبعه وبيئته الشرسة وحرارة شمسه الحارقة اللتي تمنع الذهن التفكير وتشل الحركة وتفقد الوعي حقا!، وطول ساعات نهاره وجفاف ووعورة الحياة هناك.
وللعطش والظمأ ألم يصعب وصفه، كان لرمضان في السودان مشقة لا تعدلها مشقة، لقد كان جهادًا وليس صيامًا وفقط!، ولمصر جوها الرمضاني المميز والمختلف من جميع النواحي.
أما رمضان في مصر هو عالم غير ذلك العالم الذي تعيشه، نهاره كليلاه والناس لا ينامون! الأنوار والأضواء اللامعة، التهاليل والأناشيد، لعب الأطفال وفرحهم ولهوهم، أصوات الباعة المتجولين التي لا تنقطع !، حركة الجمهور المستمرة والقرآن في المآذن والاذاعات، أنس وصحب و مزح وضحك في المقاهي ورائحة وطعم الشاي ومزاجهة للفريد والأبخرة وأدخنة الشيشة والتبغ في الأجواء، كما كان لي عدة قفزات لمحطات أوروبية ومعاناة الصيام في بلد دون إسلام ووصف حال المسلمين وتعاستهم وشقاءهم بصيامهم الممتد والطويل دون محسوبيات لهم وتقدير بل تجاهل وامتعاض وعدم تقبل مجتمعاتهم المحيطة لذلك الأمر ومحاربته ربما.
بعيداً عن أوراقك الخاصة.. ما هي السورة القرآنية أو النص الأدبي الذي تمنحك قراءته في رمضان طاقة نفسية خاصة
أعشق سورة ( يس ) قراءة وسماعًا، هي صانعة المعجزات وتذهب الضيق والابتلاءات، وعندما أصل بها إلى قول الله تعالى :( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) حتى أجتهد في ترديد الآية وتكرارها عشرات المرات دون أن اكل أو امل وبدون توقف ولقد كان لي الخلاص والنجدة في امور حياتية كثيرة ومفصلية بفضل هذه الاية الكريمة.
ما هو الموقف البسيط الذي صادفك في نهار رمضان (في الشارع أو العمل) وعلمك درساً في الحياة لم تجده في أمهات الكتب أو اللوائح الإدارية؟
إن لرمضان حس روحاني مميز وخاص ولا تخلو تجاربه من أقدار إلهية ومعجزات ربانية حذثت لي ولغيري وأكيد قد حدثت لملايين المسلمين حولي ولسوف تحدث بكل تأكيد وأذكر منها الكثير وفي تجارب شخصية أو فردية إيمانًا وصدقًا بقدرة الخالق العظيم، أنعمنا بفضل هذا الشهر الفضيل، كفارة للذنوب تطهير للنفوس وتهذيب للأفىدة.




