رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سارة السهيل: في رمضان أكتب ليلا.. والمطبخ يشبه الأديب| حوار

الكاتبة والباحثة
الكاتبة والباحثة الأردنية سارة السهيل

*سورة الضحى؛ كلما قرأتها أشعر وكأنها رسالة طمأنينة

*المائدة ليست منصة خطاب… بل مساحة محبة

 

تسترجع طفولتها، وتعود بفانوس رمضان ليضيء المشهد كله، جدتها غرست فيها الإيمان، وأم علمتها الامتنان، وذكريات لا تزال تسكنها حتى اليوم، هي الأديبة التي لا تخلع قلمها تماماً، لكنها تعرف كيف تتحول على مائدة الإفطار إلى إنسانة بسيطة تؤمن بأن المحبة أهم من الآراء، وتطبخ كما تكتب، بكرمٍ وشغف، وتمنح الأطفال أولوية الفرح، لأنها تؤمن أن الذكريات تُصنع حول المائدة كما تُصنع بين دفتي كتاب، وفي هذا الحوار تفتح لنا الكاتبة الأردنية وعضو اتحاد الكُتاب العراقيين واتحاد الكُتّاب الأردني “سارة السهيل”، قلبها في حوار خاص لـ “إيجبتك”، وإليكم نص الحوار:

في البداية.. نريد التعرف على طقوس حضرتك في الكتابة والروحانيات خلال شهر رمضان؟ 

رمضان بالنسبة لي ليس مجرد شهر في التقويم، بل حالة روحية كاملة. كأن الزمن نفسه يبطئ قليلاً ليمنح الروح فرصة أن تسمع صوتها بوضوح.

وطقوسي في الكتابة خلال رمضان تتغير قليلاً، إذ تصبح الكتابة أكثر هدوءاً وتأملاً. أكتب غالباً في الليل، بعد الإفطار والتراويح، حين يسكن البيت، ويصبح العالم أكثر شفافية، وكأن الكلمات تنزل بهدوء مثل المطر.

أما الصلاة، فأنا أصلي غالباً في المنزل، لدى زاوية صغيرة في البيت أحب أن أسميها “ركن السكينة”، هناك مصحف، وبعض الكتب، وضوء خافت، وأحياناً وردة. أشعر أن تلك الزاوية تتحول في رمضان إلى مساحة بين الأرض والسماء، حيث يصبح الدعاء أكثر صدقاً، والإنسان أكثر قرباً من نفسه ومن خالقه.

عند عودتك إلى المنزل في نهار رمضان.. كيف تخلع الأديب أو الشاعر؟ وهل تفرض قوانينك الخاصة نفسها على مائدة الإفطار أم أن “ديمقراطية البيت” هي الغالبة؟

الحقيقة أن الأديب لا يستطيع أن يخلع نفسه بسهولة، مثلما يخلع معطفه عند باب البيت، والكتابة تسكنك حتى عندما تحاول الهروب منها، لكنني أحاول، عندما أدخل البيت، أن أترك قليلاً من “جدية الكاتبة” خارج الباب، وأدخل كإنسانة عادية تحب الضحك والحديث مع من تحب.

أما على مائدة الإفطار، فالديمقراطية هي الحاكمة، وفي النهاية، المائدة ليست منصة خطاب، بل مساحة محبة، أحياناً أقول رأياً، أو أقترح شيئاً صحياً، لكن القرار النهائي غالباً يكون للجماعة… فحتى الكاتبة يجب أن تتعلم أحياناً فن الصمت أمام طبق محشي لذيذ!

والشخصية العشرية هي الشخصية المتنوعة التي تعرف أن لكل مقام مقال، وتعيش الحياة بتفاصيلها وأجوائها ولا تتقمص دورا واحداً فقط، وأظن أن هذا يشرح شيئًا عن طبعي… فأنا شخصية عشرية عدة شخصيات وتركيبات في إنسان واحد، أنا مع أصدقائي مرحة جدا ومع الأطفال حنونة جدا، وفي العمل جدية وصارمة وفي البيت مرحة، وفي الشارع ملتزمة ومع الطيبين أطيب منهم أعطي الناس حقوقها، ولا أقبل أن يؤخذ حقي الآن أبدا (تعلمت ) .

تحدي المطبخ: بعيداً عن الأدب. هل تملك “تخصصاً” في المطبخ يجمع العائلة عليه؟ وهل تدخل المطبخ للمساعدة أم بدافع “الفضول الرقابي” فقط؟

الحقيقة أن كثيرين يتفاجؤون عندما يعرفون أنني طباخة ماهرة، ربما لأن صورة الكاتبة في أذهان الناس مرتبطة دائماً بالكتب والأوراق أكثر من القدور والملاعق، لكنني أؤمن أن الطبخ والكتابة ينتميان إلى العائلة الروحية نفسها؛ فكلاهما فعل حب، وكلاهما يحتاج خيالاً وذوقاً وصبراً.

لكنني بصراحة لا أدخل المطبخ يومياً، ولا أعيش فيه كما يفعل الطهاة المحترفون. حياتي مزدحمة بالكثير من الالتزامات: الكتابة، والندوات الثقافية، والمؤتمرات، والعمل العام والتطوعي، إضافة إلى بعض الأعمال الاستثمارية، فضلاً عن الحياة الاجتماعية التي أحرص ألا أهملها أبداً. فالعائلة والأصدقاء والواجبات الاجتماعية من أفراح وتعازٍ ومناسبات جزء أساسي من حياتي، وقد تربينا في بيوت العائلات على أن الإنسان يجب أن يبقى قريباً من الناس، حاضراً في سرائهم وضرائهم.

لهذا ربما لا أدخل المطبخ كثيراً، لكن عندما أدخله تكون المناسبة عادةً مميزة، وغالباً من أجل أشخاص أحبهم جداً، ففي تقاليدنا العربية، إكرام الضيف لا يكتمل إلا عندما تطبخ له بيديك، وكأنك تقول له أنت لست ضيفاً… أنت من أهل البيت. ولهذا أحب أن أعد الطعام بيدي لمن هم قريبون من قلبي.

أنا أحب الطعام الغني بالنكهة والبهارات، الطعام الذي يحمل شخصية واضحة، ربما لأنني أؤمن أن الطعام مثل الإنسان، كلما كان فيه كرم أكثر كان أجمل، وهناك مقولة قديمة أحبها: “كريم اليد كريم النفس”، وأنا أعتقد أن النفس الكريمة تظهر حتى في المطبخ. عندما يطبخ الإنسان بفرح وكرم، يشعر الطعام بذلك ويخرج أجمل.

أطبخ أطباقاً من مطابخ متعددة؛ من المطبخ العراقي مثل الدولمة والبرياني العراقي، ومن المطبخ الأردني والمشرقي مثل المحاشي وورق العنب والكوسا، وأحب أيضاً تجربة النكهات الهندية والصينية، كما أحب صواني الفرن مثل الكفتة وبعض الأطباق العراقية التقليدية، ولا أميل إلى الحوم أبدا .

لكن إذا كان لي “تخصص” حقيقي، فهو الحلويات، أحب أن أبدع في الكيكات والتشيز كيك والكاتوهات المزينة، حتى يظن البعض أنها قادمة من محل حلويات فاخر. وأحياناً أصنع البقلاوة في البيت، وأعد المربيات والمخللات والزيتون والمقدوس، المطبخ بالنسبة لي مساحة إبداع لا تقل جمالاً عن الكتابة.

وأجمل لحظة ليست في أثناء الطهي، بل عندما تجتمع العائلة حول المائدة، أنا أحب دعوة الناس إلى بيتي كثيراً، ويسعدني أن يمتلئ البيت بالأصدقاء والأقارب. وفي رمضان تحديداً تصبح المائدة مساحة دفء إنساني أكثر من كونها مجرد طعام.

ولدى قاعدة صغيرة في البيت هي الأطفال لهم الأولوية دائماً. أحب أن يكونوا أول من يتذوق الطعام، لأن فرحتهم الصادقة هي أجمل نقد يمكن أن يحصل عليه أي طاهٍ، وربما لهذا أقول دائماً إن المطبخ يشبه الأدب، نحن لا نطبخ الطعام فقط… بل نطبخ الذكريات أيضاً.

دينامو اليوم: من هو الشخص (الجندي المجهول) الذي يعتبر “بوصلة” يومك الرمضاني، وتلجأ إليه حين تشتد ضغوط العمل مع الصيام؟

بصراحة، قد تبدو إجابتي مختلفة قليلاً عما يتوقعه الناس، كثيرون لديهم شخص يعودون إليه حين تضيق الأمور، لكنني مع مرور السنوات اكتشفت أن البوصلة الحقيقية في حياتي أصبحت في داخلي.

قبل أي شيء، أول ملجأ لي هو الله -سبحانه- وتعالى. أول فكرة تخطر في بالي دائماً هي الله. إذا حدث أمر جميل أول ما أقوله هو الحمد لله. وإذا حدث أمر صعب أقول أيضاً الحمد لله… لأنني أؤمن أن في كل اختبار رسالة أو درساً أو تنبيهاً لطريق أفضل.

أنا أتحدث مع الله كثيراً، وأشكو له، أعتذر له أحياناً، وأطلب منه أن يرشدني للصواب، هذه اللحظات من الحوار الداخلي مع الخالق تعيد ترتيب قلبي قبل أن تعيد ترتيباً يومي.

بعد ذلك أعود إلى نفسي، أجلس مع ذاتي وأراجع حياتي، ماذا فعلت من خير؟ وأين أخطأت؟ ماذا يمكن أن أصلح؟ وكيف يمكن أن أكون أفضل غداً؟ أراجع الماضي القريب والبعيد، وأرتب أفكاري وخططي وكأنني أعقد اجتماعاً هادئاً مع نفسي.

ربما لأن كثيراً من الناس يلجؤون إليّ عندما يحتاجون النصيحة أو السند، أصبحت مع الوقت سنداً لنفسي أيضاً، وهذا لا أقوله من باب القوة الظاهرية، بل من باب الصدق مع الحياة. إذا كان كثيرون يتكئون عليك، فعليك أن تتعلم كيف تتكئ على روحك أيضاً، فعليا أجد في نفسي سندا نستطيع الاتكاء عليه بسهولة. لكن إن ظهر شخص ذو ثقة ومسؤولية وضمير لا مانع أن ألجأ إليه لكن هؤلاء الأشخاص نادرون في هذا الزمن 

وطبعاً أنا إنسانة مثل أي إنسان؛ قد أحزن أو أتعب أو أشعر بالإحباط أحياناً. لكن هذا الشعور لا يبقى طويلاً عندي. ربما يأخذ دقائق، أو ساعات، وأحياناً أياماً إذا كان الظرف صعباً… لكنه لا يستقر في قلبي. يمرّ ويذوب، فورا، لأنني أملك يقيناً عميقاً بالله، ومن كثر يقيني بالله لم يخب الله ظني به، فكان دوما عونا لي وسندا يقف معي، ويعاقب من يحاول أن يؤذيني “بالعراقي بيقولولها عندي (حوبة) يعني بمعنى اللي بيؤذيني بينأذى”، بمعنى أن الله ينصف المظلوم، وأنا أشعر دائماً أن الله يقف معي، ليس لشيء سوى؛ لأن الإنسان يجب أن يكون صادقاً في قلبه (القلب أساس الاستقامة). 

وأنا أكرر دائماً اليقين بالله نعمة عظيمة. عندما يكون الإنسان واثقاً أن الله معه في كل خطوة، يصبح الطريق وإن كان صعباً مضيئاً من الداخل، لذلك يمكنني أن أقول إن بوصلة يومي الرمضاني هي ثلاثية بسيطة: “الله أولاً… ثم الصمت مع النفس… ثم الإيمان بأن الخير في النهاية هو الطريق الوحيد الذي يستحق أن نسير فيه”.

لحظة المغرب: عندما يُرفع الآذان وأنت لا تزال خلف مكتبك (أو في طريقك للمنزل. ما هي أول فكرة تخطر في بالك؟ وما هو أول شيء تتناوله؟

لحظة الأذان في رمضان بالنسبة لي لحظة مهيبة ومليئة بالامتنان، أول ما يخطر في بالي دائماً هو الشكر لله، وقبل أن أتناول أي شيء، أحب أن آخذ لحظة دعاء. أحياناً يكون الجميع قد شرب الماء وأنا ما زلت أدعو وأحمد الله، وأفكر في نعمته علينا.

في تلك اللحظة أيضاً كثيراً ما أفكر في الآخرين. أتساءل كيف يفطر الصائمون في أماكن بعيدة أو فقيرة؟ هل يجدون ما يفطرون عليه؟ هل صيامهم أطول منا؟ هذه الأسئلة ترافقني منذ الطفولة، ربما لأن والدتي – أطال الله في عمرها – كانت تزرع فينا هذا الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. كانت تقول لي وأنا صغيرة عند كل لقمة تذكري أن هناك أطفالاً في العالم لا يجدون ما يأكلونه. فكبرت هذه الفكرة معي، وصار الطعام دائماً مرتبطاً في ذهني بالامتنان وبالتفكير في من هم أقل حظاً، ولهذا ربما تعودت منذ الصغر أن أتذكر الآخرين عندما أكل.

أما ما أتناوله عند الإفطار، فبصراحة أنا لا أشعر بالجوع كثيراً بقدر ما أشعر بالعطش. لأنني من الأشخاص الذين يشربون الماء بكثرة، ولذلك يكون أول ما أبدأ به عادة الماء والعصائر والسوائل. بالنسبة لي فقدان الماء خلال الصيام هو أصعب جزء.

بعد ذلك إذا كانت هناك شوربة أتناول قليلاً منها، ثم شيئاً خفيفاً. لكنني أعترف أنني من عشاق الحلويات أكثر من الأطعمة الثقيلة. أحياناً أدخل مباشرة إلى قطعة حلوى أحبها، ثم بعد ذلك أشرب قهوتي أو الشاي بهدوء، وبشكل عام إفطاري يكون بسيطاً وخفيفاً، يغلب عليه الماء والعصير والشاي والقهوة، مع شيء من الحلوى التي أحبها كثيراً. وربما لهذا أقول مازحة إن علاقتي مع الحلويات أقوى قليلاً من علاقتي مع الأطباق الرئيسية!، لكن يبقى أجمل ما في تلك اللحظة ليس الطعام نفسه، بل الإحساس بالنعمة… وبأن الإنسان يجب أن يتذكر دائماً من لا يملكون ما نملكه.

ساعة السكينة: بعيداً عن أوراقك الخاصة. ما هي السورة القرآنية أو النص الأدبي الذي تمنحك قراءته في رمضان طاقة نفسية خاصة؟

أنا أحب القرآن كله، وكل سورة فيه قريبة من قلبي، لكن هناك سوراً أشعر أن لها وقعاً خاصاً في روحي، من أكثر السور التي تلامسني بعمق سورة الضحى، كلما قرأتها أشعر وكأنها رسالة طمأنينة للإنسان في لحظات ضعفه أو قلقه؛ الآيات:

«والضحى، والليل إذا سجى، ما ودعك ربك، وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيما، فآوى ووجدك ضالا، فهدى ووجدك عائلا فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث»، هذه الكلمات تلامسني بشكل شخصي جداً، أعرف أنها نزلت خطاباً للنبي عليه الصلاة والسلام، لكنها تحمل في داخلي معنى أوسع أن الله لا يترك عباده، وأن الإنسان مهما مرّ بظروف صعبة فالله معه، ويهيئ له الطريق.

كذلك أحب كثيراً سورة الرحمن؛ تكرار الآية «فبأي آلاء ربكما تكذبان» يشبه جرساً روحياً يوقظ القلب ليعيد تذكير الإنسان بالنعم التي قد ينساها وسط ضجيج الحياة، وأحب أيضاً سورة يس، ولدي علاقة جميلة مع السور القصيرة؛ لأنها سهلة الحفظ والترديد، وكأنها ترافق الإنسان طوال يومه.

أما من ناحية القراءة الأدبية، فأنا أميل في رمضان إلى الروايات التاريخية التي تحمل قصصاً إنسانية عميقة؛ قصص الوفاء والإخلاص والحب والتحدي. أحب الكتب التي تجمع بين توثيق التاريخ وبين سرد الحياة الإنسانية في تفاصيلها. ومن الروايات القريبة إلى قلبي مثلاً رواية «فتاة غسان ورواية سمرقند»، لأنها من النوع الذي يمزج التاريخ بالبعد الإنساني والعاطفي.

وأعتقد أن أجواء رمضان تساعد كثيراً على قراءة هذا النوع من الأدب، لأن الإنسان يكون في حالة تأمل وهدوء تجعله أقرب لفهم المعاني العميقة في النصوص.

أما الكتابة نفسها بالنسبة لي، فهي أيضاً نوع من العمل الخيّر. عندما يكتب الإنسان، فهو يمنح جزءاً من وقته وتجاربه وأفكاره للآخرين. أنا أؤمن أن الكلمة قد تكون صدقة أيضاً. حين نكتب للأطفال أو للكبار، ونحاول أن نزرع فيهم فكرة جميلة، أو نساعدهم على رؤية الحياة بطريقة أفضل، فنحن في الحقيقة نشاركهم شيئاً من عصارة التجربة الإنسانية.

لهذا أرى أن القراءة والكتابة في رمضان ليستا مجرد نشاط ثقافي، بل جزء من رحلة روحية يحاول فيها الإنسان أن يكون أكثر قرباً من الخير… وأكثر قرباً من نفسه.

موقف إنساني: ما هو الموقف البسيط الذي صادفك في نهار رمضان (في الشارع أو العمل) وعلمك درساً في الحياة لم تجده في أمهات الكتب أو اللوائح الإدارية؟

أذكر مرة أنني رأيت عاملاً بسيطاً في الشارع قبل أذان المغرب بدقائق، وكان يحمل كيساً صغيراً فيه بضع تمرات فقط، واقترب منه طفل كان يبدو عليه التعب، ففتح الرجل الكيس، وأعطاه نصف ما فيه دون تردد، ذلك المشهد الصغير علّمني درساً لا تكتبه الكتب: أن الكرم الحقيقي لا يُقاس بما نملك، بل بما نحن مستعدون أن نمنحه للآخرين.

وربما لهذا أحب رمضان كثيراً… لأنه يعيد تذكير الإنسان بحقيقته الأولى: أننا جميعاً عابرون في هذا العالم، لكن أثر الرحمة هو الشيء الوحيد الذي يبقى، لكن الحقيقة أيضاً أن الإنسان لا يتعلم الدروس الإنسانية في رمضان فقط. الحياة كلها مدرسة مفتوحة. نحن نتعلم في كل يوم، وفي كل شهر، وفي كل لحظة من حياتنا. نتعلم من الخير كيف نكبره ونحافظ عليه، ونتعلم من الشر كيف نقاومه ونحاربه. نتعلم من الطيبين كيف نضيف إلى طيبتهم طيبة، فنشجعهم ونثني عليهم، ونسير على خطاهم، بل نحاول أن نكون أفضل.

وفي المقابل نتعلم أيضاً كيف نواجه الشر، ليس بالكراهية، بل بمحاولة إصلاحه إن استطعنا، وبأن نكون نموذجاً أفضل للأجيال القادمة. فالإنسان، في النهاية، لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش ليترك أثراً، وليكون قدوة صغيرة في حياة الآخرين، ولهذا أؤمن أن الحياة كلها سلسلة من الدروس… ونحن، إن أحسنا الإصغاء، سنتعلم منها كل يوم شيئاً جديداً.

فانوس زمان: ما هي الصورة التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟ وكيف تحاول استعادتها لجيل اليوم في كتاباتك؟

رمضان بالنسبة لي كان منذ طفولتي موعدًا أنتظره من عام إلى عام، وما زلت حتى هذا اليوم أحمل ذات المشاعر تجاهه، فهو أحبّ أشهر السنة إلى قلبي، لأنه شهر الحب والخير والرحمة والطاعة ولأنه يجمع الأسرة والعائلة والأصحاب والأصدقاء، ويعيد وصل من غابوا عنا طويلًا عبر الدعوات الرمضانية، سواء على الإفطار أو السحور. الأجواء العائلية في رمضان تتكاثر، والناس يلتقون في موعد واحد، على مائدة واحدة، في دفء واحد، وهذا يمنحني سعادة كبيرة، فأنا أحب الناس، وأحب العائلة، وأحب الأسرة، وأحب الضيف، وأحب أن نلتئم جميعًا معًا: أنا وأصدقائي وأحبابي وزملائي وكل الناس، حتى الذين لا أعرفهم، أحب أن نجتمع على مائدة الطعام. فرمضان كان وما زال بالنسبة لي جميلًا جدًا.

وأنا صغيرة لا أذكر أنني كان لدي فانوس، لكن حين كبرت صرت أشتري لنفسي فانوسًا، ويهديني الناس فوانيس، خاصة في مصر، في القاهرة، حيث العادات الجميلة المصريون يحافظون على التقاليد المتوارثة الحميدة. أصدقائي في مصر دائمًا يشترون لي فوانيس جميلة وزاهية وملونة ومضيئة ويهدونني إياها، فأشعر بسعادة كبيرة، إذ إن الإنسان يحب الهدايا صغيرا أم كبيرا فأنا بداخلي طفلة لن تكبر أبدا، وسبحان الله، جمعت منها أنواعًا وأشكالًا مختلفة في بيتي، وكل عام يزداد التنوع. ويرسلون لي زينة رمضان وسلال رمضان حتى ولو أنا في الأردن أو في أي بلد يرسلونها إلي مع البريد السريع وشركات الشحن هل تصدقين هذا؟ كم أنا محظوظة بأصدقائي المصريين، ومع الزينة الجديدة التي ظهرت مؤخرًا، أشعر بالبهجة، و يهدونني عروسة تغني “حالو يا حالو رمضان كريم يا حالو”، وترقص وتضيء، أفرح بها من كل قلبي 

أما في طفولتي في رمضان كنت أذهب إلى المسجد مع أختي لأصلي التراويح هناك، وكنت أرتدي ملابس صلاة للأطفال على شكل ميكي ماوس، وكان ذلك شيئًا جميلًا، فيه فكاهة لطيفة تغيّر الأجواء. كنا نصلي التراويح طوال الوقت في جامع صلاح الدين بجانب البيت. كنا نسكن في منطقة الدوار الرابع بجانب رئاسة الوزراء والسفارة الكويتية، وكانت العائلات من حولنا عائلات أصيلة قديمة، وليست حديثة النعمة، بل عائلات عريقة، ولهذا كان الجيران يحبون بعضهم بعضًا، وكانت كل أم في المنطقة، أمًّا للجميع.

كنت أحب أن ألعب كثيرًا في حديقة بيتنا، وأتمشى خارج المنزل قبل الإفطار. أنا البنت رقم سبعة في البيت، أصغرهن، فلم يكن لدي من ألعب معه سوى القطط والحيوانات الأليفة والطيور، لأن زيارات الأصدقاء كانت مرة واحدة في الأسبوع، يوم الخميس فقط. أما باقي الأيام، فكانت للعب في الحديقة، والمذاكرة، ومشاهدة الكرتون، والجلوس مع الأهل، والنوم. كان لدي بلاي ستيشن أهداني إياه صديق والدي، لكن والدتي أعطته هدية لآخرين؛ لأنها أرادت أن ألعب في الطبيعة وألا أجلس أمام الشاشات. جدتي اشترت لي دراجة، لكنها كانت تخاف علي كثيرًا، فلم تسمح لي باستخدامها خوفًا من أن أقع وأتأذى. كانت أجواء رمضان مليئة بالسعادة، وأنا صغيرة كنت أصوم يوم الاثنين من كل أسبوع ليس فقط في رمضان، ولا أعرف لماذا توقفت عن هذه العادة.

كانت أجواء رمضان في طفولتي جميلة وسعيدة، ومليئة بتلك البراءة هل تتخيلين أنني لا أشعر أبدا أن شيء تغير فأنا ما زلت تلك الطفلة، وكنت أنتظر رمضان من عام إلى عام، وأعيش أيامه وكأنها عيد طويل للروح.

كنت أنتظر فوازير رمضان، وأحرص على مشاهدتها، فقد كانت جزءاً من طقوس الشهر التي لا تكتمل بدونه. وكنت أيضاً أحب أن أشاهد قبل الإفطار مسلسلات أردنية للفنان زهير النوباني والفنانة قمر الصفدي وفنانين جميلين، وكنت أستمتع كثيراً بمتابعة أعمالهم.

وطبعاً الفوازير المصرية لا يُعلى عليها؛ لا يمكن أن تضاهيها أي فوازير في الدنيا، فهي كانت تحمل سحراً خاصاً وجمالاً استثنائياً ما زال عالقاً في الذاكرة.

ومن أجمل اللحظات التي كنت أنتظرها كل يوم لحظة اجتماع العائلة حول مائدة الإفطار، كنا نلتف جميعاً حول السفرة وننتظر الأذان، وعندما يصدح صوته يبدأ الجميع بالدعاء ثم بشرب الماء والإفطار. كانت تلك اللحظات مليئة بالسكينة وبمعنى المشاركة العائلية الدافئة.

وبعد صلاة التراويح كنت أعود إلى البيت، وأحاول أن أقرأ القرآن حتى وقت متأخر من الليل. كانت والدتي أطال الله في عمرها تقول لي: ارجعي نامي لأنه بكرة عندك مدرسة.

لكن جدتي توفيقة، التي أحبها كثيراً، وما زلت متعلقة بها إلى اليوم، رحمها الله، كانت هي التي أخذت بيدي إلى عالم الروحانيات. كانت تعلمني أن أؤمن بالغيبيات، وأن أصلياً، وكانت تحكي لي قصص الأنبياء، وتغرس في داخلي الإيمان والسكينة.

وعندما كانت والدتي تقول لي أمي، كانت جدتي تقول لي: لا، لا… الذي يفعل الخير، أو يقرأ القرآن لن يقوم متعباً. المتعب حقاً هو من يضيع وقته على التلفاز أو على الألعاب، أو على الجيمز، لأنه يضيع وقته على الفاضي، ولذلك يقوم متعباً، أما الذي يقضي وقته بالصلاة أو بالقرآن أو بالعمل المفيد أو بالعمل الخير، فلن يقوم متعباً، بل سينشط وقوة.

هكذا كانت تعلمني اليقين بالله والثقة بالله، وكانت تقول لي إن هذا هو جوهر الروحانية. لقد زرعت في داخلي هذا اليقين منذ طفولتي، وكانت تقول لي أيضاً إن هناك الصالحة وهي ملاك ترى الناس، وترى أعمالهم الطيبة والحلوة، وكانت تعلمني أن الصالحة ترى ما نفعل وتكتب أعمالنا لتعطيها لله، ولهذا كنت دائماً أراقب نفسي منذ صغري، بسبب تلك الكلمات والتربية التي زرعتها جدتي في داخلي.

رمضان بالنسبة لي جميل بكل حالاته وأحواله، وفانوس رمضان، بالنسبة لي، رمز للفرح والنور، وأتمنى أن يضيء كل عام في بيوت الناس في كل العالم بالمحبة والفرح والسعادة والتوفيق، وكما أتمنى الخير لنفسي أتمنّاه للجميع.

وكل عام وأنتم بألف خير، وأسأل الله أن تعود كل القيم الجميلة التي تعلمناها في ديننا الحنيف، وفي سنة رسولنا الكريم إلى أطفالنا؛ قيم المحبة والعطاء والتسامح، وكل القيم الإنسانية النبيلة.

 

ما الذي دفعك للكتابة للأطفال على وجه التحديد؟

ولعل هذا ما دفعني أيضاً إلى الكتابة للأطفال عن رمضان، فلدي قصة بعنوان “رمضان وصل” وقصة أخرى بعنوان “رمضان جانا”، وهي قصص للأطفال تتحدث عن طقوس رمضان وقيمه وسلوكياته الجميلة اجتماع الأسرة والعائلة حول الطعام، والروحانيات، ومساعدة الآخرين، وحب الخير.

كما تتحدث عن السؤال عن الجيران، خاصة كبار السن، وعن بر الوالدين وصلة الرحم، فهذه القصص تحمل الكثير من العبر والقيم، وتحاول أن تنقل للأطفال أيضاً تلك الأجواء الجميلة والبرّاقة التي تجعلهم يحبون هذا العالم الروحاني الدافئ الذي اسمه رمضان.

في كتاباتي للأطفال أحاول أن أعيد تلك الروح فكرة أن رمضان ليس فقط صياماً عن الطعام، بل صيام عن القسوة والأنانية والغربة الداخلية والحقد والحسد والغيرة والشر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء