رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

معركة التأشيرة: احتجاجات أسترالية واسعة ضد زيارة هرتسوغ إلى سيدني

احتجاجات ضد زيارة
احتجاجات ضد زيارة الرئيس الإسرائيلي في استراليا

تشهد المدن الأسترالية حاليًا موجة من الاحتجاجات الرافضة لزيارة الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ إلى سيدني خلال الفترة من 8 فبراير إلى 12 فبراير القادم، حيث طالبت الاحتجاجات الأسترالية بضرورة اعتقال واحتجاز الرئيس الإسرائيلي بتهم متعلقة بارتكاب جرائم إبادة إنسانية في قطاع غزة خلال الفترة الأخيرة، وهو ما رفضته السلطات الأسترالية.

تأتي زيارة هرتسوغ إلى سيدني في محاولة منه لتأبين ضحايا الاعتداءات التي شهدها شاطئ بوندي في 14 ديسمبر 2015، والتي راح ضحيتها 16 يهوديًا أثناء احتفالاتهم بعيد حانوكا اليهودي. وتعد حادثة شاطئ بوندي الأسترالي من أبرز القضايا التي استغلتها إسرائيل والمنظمات اليهودية الصهيونية العالمية في الترويج لقضايا معاداة السامية، واتهام عولمة الانتفاضة الفلسطينية بالتسبب في زيادة موجات الكراهية لليهود في المجتمعات الغربية.

الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ
الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ

معارضة يهودية لزيارة هرتسوغ

تقود الجاليات العربية والإسلامية الاحتجاجات المناهضة لزيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا. ووفق العديد من المصادر، ومنها الإسرائيلية (جيروزاليم بوست)، فإن أغلب دعاة الاحتجاج ينتمون إلى  أنصار حزب الله اللبناني في أستراليا.

مما يثير الجدل والاستغراب في التظاهرات المناهضة لزيارة هرتسوغ هو تقدم العديد من المنظمات الصهيونية لتلك الاحتجاجات، مثل المجلس اليهودي الأسترالي The Jewish Council Of Australia الذي تأسس في عام 2024 لمناهضة السياسات الإسرائيلية بشكل عام، والتحركات الصهيونية بشكل خاص. وفي هذا السياق أيضًا، انبرت جمعيات يهودية أخرى مثل جمعية الحوار اليهودية وجمعية العمل اليهودية.

يعد انتشار العديد من الجمعيات اليهودية المناهضة للصهيونية في أستراليا بمثابة طعنة في خاصرة اللوبي اليهودي الصهيوني في كانبرا، مثل مجلس العلاقات الأسترالي الإسرائيلي اليهودي (AIJAC) الذي يحاول خلال الفترة الماضية تبرير زيارة هرتسوغ ونفي التهم عن إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة إنسانية خلال الحرب الأخيرة في غزة.

اتهامات بالتحالف مع حزب الله

اتهمت ميل غرين، الكاتبة في جيروزاليم بوست، في تقريرها المنشور بتاريخ 3 فبراير 2026، "المجلس اليهودي الأسترالي" بالتحالف مع حزب الله وشبكات جماعة الإخوان المسلمين في أستراليا، ومحاولة التأثير على الحكومة الأسترالية من أجل رفض منح الرئيس يتسحاق هرتسوغ تأشيرة دخول البلاد.

وتشير غرين إلى أن تحركات المجلس الأسترالي اليهودي تتماشى تمامًا مع تحركات الجمعيات والمنظمات المعادية لإسرائيل، كما وقع المجلس المشار إليه بيانًا مشتركًا مع كل من "المجلس الوطني للأئمة الأسترالي" ومؤسسة هند رجب البلجيكية الموالية لحزب الله، يدعو فيه المدعية العامة الأسترالية ميشيل رولاند ووزير الداخلية توني بريك إلى منع دخول هرتسوغ البلاد، والقيام بتحقيق جنائي معه بموجب القانون الأسترالي.

عناصر حزب الله - أرشيفية 
عناصر حزب الله - أرشيفية 

يشير تقرير جيروزاليم بوست إلى أن المجلس الوطني للأئمة الأسترالي هو جمعية إخوانية يترأسها الشيخ إبراهيم أبو محمد، العضو في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي كان يترأسه الشيخ يوسف القرضاوي في قطر. كما أن الشيخ أبو محمد كانت له سابقة فتوى في مارس 2025 يطالب فيها بتسليح وتمويل حركة حماس، كما أصدر فتوى للجهاد ضد إسرائيل وأعوانها.

أما مؤسسة هند رجب البلجيكية فيترأسها حاليًا دياب أبو جهجة، الذي نشر مقالًا في عام 2003 في صحيفة نيويورك تايمز ادعى فيه انتماءه لحزب الله، وأنه تلقى تدريبات عسكرية، لذا تم إدراج اسم دياب أبو جهجة على قوائم حظر السفر إلى الولايات المتحدة.

وتعد مؤسسة هند رجب "المسماة على اسم طفلة فلسطينية استشهدت في يناير 2024 على يد قوات الجيش الإسرائيلي وهي في عمر السادسة" من أبرز المؤسسات المدنية التي تلاحق جنود الجيش الإسرائيلي، وكذلك المسؤولين عن الجرائم التي تم ارتكابها في قطاع غزة.

تمجيد المقاومة الفلسطينية

بالتوازي مع أعمال المجلس الأسترالي اليهودي، قامت جمعية الحوار اليهودية (JCA) باتخاذ العديد من الإجراءات القانونية ضد الرئيس هرتسوغ، وذلك بالتعاون مع منظمة فلسطينية في أستراليا تدعى "شبكة مناصرة فلسطين". كما اتخذت الجمعية موقفًا إيجابيًا من عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، حيث اعتبرت هجوم حماس في ذلك التوقيت بمثابة عمل من أعمال المقاومة المشروعة. ومنذ السابع من أكتوبر كان لجمعية الحوار اليهودية دورًا كبيرًا في تزايد الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل وعدوانها على قطاع غزة.

المقاومة الفلسطينية - أرشيفية
المقاومة الفلسطينية - أرشيفية

رفض تحقيقات معاداة السامية

ومن أبرز الجمعيات اليهودية المناهضة للصهيونية في أستراليا جمعية العمل اليهودي (JCA)، التي تأسست في عام 2024 على يد المحامية سارة شوارتز والأكاديمي ماكس كايزر. ونجحت تلك الجمعية في معارضة إجراء تحقيق برلماني أسترالي فيما يتعلق بمعاداة السامية، إلا أنه في النهاية أقدمت الحكومة على إجراء التحقيق. وتدعم الجمعية جميع المطالبات المتعلقة بمطالبة رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز وحكومته بإلغاء الزيارة المقررة للرئيس الإسرائيلي. ومن المفترض أن تنظم جمعية العمل اليهودية تظاهرات حاشدة في 9 فبراير المقبل اعتراضًا على زيارة هرتسوغ.

اتهامات بالانتماء إلى التيار اليساري

في محاولة لتبرير موجة الانتقادات اليهودية للدولة الإسرائيلية والصهيونية، لجأت العديد من المنظمات الموالية لإسرائيل مثل مجلس العلاقات الأسترالي الإسرائيلي اليهودي إلى اتهام المنظمات اليهودية المعادية لإسرائيل بأنها منظمات يسارية تقدمية شيوعية، وأنها قلة قليلة لا تمثل المجتمع اليهودي في إسرائيل.

دلالات المعارضة اليهودية لإسرائيل

تحمل المعارضة اليهودية في أستراليا للسياسات الإسرائيلية العديد من الدلالات الكبرى، والتي قد تؤثر في المستقبل على العديد من السرديات الإسرائيلية، ومنها على سبيل المثال:

أولًا: تقويض أركان معاداة السامية

 تعد معاداة السامية من أبرز القضايا التي تلج من خلالها إسرائيل في المجتمعات الغربية، حيث تحث المنظمات الصهيونية على اتخاذ الحكومات الغربية العديد من السياسات التي من شأنها مكافحة معاداة الصهيونية، وفي المقابل تعزيز المصالح الإسرائيلية. وعادة ما توصم إسرائيل ومنظماتها العديد من الحركات الاحتجاجية المعارضة لها في أستراليا والدول الغربية على أنها معاداة للسامية، لذا فإن نشاط المنظمات اليهودية المعادية لإسرائيل من شأنه تقويض أركان تهم معاداة السامية التي كانت توجهها إسرائيل لخصومها في الدول الغربية.

ثانيًا: إضعاف اللوبي اليهودي في الدول الغربية

نشاط المنظمات اليهودية المعادية لإسرائيل من شأنه إحداث انقسامات داخل المجتمعات اليهودية في الدول الغربية وأستراليا، كما أيضًا من شأنه إرباك جهود ما يسمى اللوبي الصهيوني في الدول الغربية وإضعاف تأثيره.

ثالثًا: كسر السردية الإسرائيلية للصراع في فلسطين

 عادة ما توصف إسرائيل الصراع في فلسطين على أنه حرب بين دولة ديمقراطية متحضرة وبين جماعات وعصابات مسلحة إرهابية، إلا أن شذوذ صوت يهودي يمجد أعمال المقاومة الفلسطينية من شأنه كسر سردية إسرائيل فيما يخص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بإلقاء الضوء الحقيقي على أهداف ومبادئ المقاومة الفلسطينية، وإيصال صوت المقاومة إلى كافة المجتمعات الغربية، وذلك من الباب الملكي وهو صوت اليهود المناهضون للسياسات الصهيونية.

العدوان على قطاع غزة - أرشيفية
العدوان على قطاع غزة - أرشيفية

رابعًا: تعزيز مواقف الحكومات الغربية في مواجهة إسرائيل

 خلال الحرب الأخيرة، وتحديدًا في سبتمبر 2025، اعترفت أستراليا بفلسطين رفقة العديد من الدول الغربية مثل بريطانيا وفرنسا والعديد من الدول الأوروبية. ولعل بروز صوت يهودي قوي في تلك الدول يناهض الصهيونية وينادي بأحقية الفلسطينيين في إقامة دولتهم من شأنه تعزيز مواقف تلك الدول في مواجهة إسرائيل وإدانة أفعالها، وأخيرًا الاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية.

ختامًا:

 تكشف الاحتجاجات المناهضة لزيارة يتسحاق هرتسوغ إلى أستراليا عن تحوّل لافت في طبيعة الصراع داخل المجتمعات الغربية، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على الجاليات العربية والإسلامية في مقابل اللوبي الصهيوني التقليدي، بل امتدت لتشمل انقسامات داخلية داخل المكوّن اليهودي ذاته. ويُظهر صعود منظمات يهودية مناهضة للصهيونية أن سردية “معاداة السامية” لم تعد سلاحًا مضمون الفاعلية كما كان في السابق، وأن الخطاب الحقوقي المتعلق بالحرب في غزة بدأ يفرض نفسه حتى من داخل الدوائر التي طالما اعتُبرت حاضنة سياسية لإسرائيل. ومع اتساع هذه التصدعات، تبدو إسرائيل أمام تحدٍ جديد لا يرتبط فقط بميدان الحرب، بل بمعركة الشرعية الأخلاقية والسياسية في قلب العواصم الغربية، وهو ما قد ينعكس تدريجيًا على سياسات الحكومات تجاهها، وعلى مستقبل السردية الإسرائيلية في الرأي العام العالمي.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء