رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حرب أهلية وفساد سياسي: قراءة في مستقبل الانتخابات الإثيوبية المقبلة

الميليشيات الأمهرية
الميليشيات الأمهرية - أرشيفية

هدأت وتيرة الحرب الأخيرة في غرب منطقة التيجراي في شمالي إثيوبيا بعد أيام من تقدم القوات التابعة لجبهة تحرير التيجراي لاحتلال المناطق التي ترى أنها تابعة لعرقية التيجراي، وسبق أن احتلتها الميليشيات الأمهرية الموالية لرئيس الوزراء أبي أحمد خلال الحرب التي اندلعت ما بين عامي 2020 و2022.

الهدوء الأخير في وتيرة المعارك الأخيرة ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة الانفجارية التي ستدوي في سماء أديس أبابا في يونيو 2026، حيث الموعد المحدد نهائياً لإجراء الانتخابات التشريعية المؤجلة منذ خمس سنوات تقريباً، خاصة في مناطق التيجراي، إذ كان من المفترض أن يتم إجراء الانتخابات في عام 2021 كاملة، إلا أن ظروف الحرب والظروف التي تلتها دفعت الحكومة الإثيوبية مرارًا وتكرارًا إلى تأجيل الانتخابات أكثر من مرة.

من المفترض أن تجري الانتخابات العامة الإثيوبية في الأول من يونيو 2026 لانتخاب 473 مقعدًا من أصل 547 مقعدًا، حيث يتم الانتخاب لمدة خمس سنوات، وتجري الانتخابات بنظام الفائز الأول، ومن المفترض أن يقوم المجلس المنتخب باختيار الحكومة ورئيس الوزراء.

الميليشيات الأمهرية  - أرشيفية 
الميليشيات الأمهرية  - أرشيفية 

لماذا تلك الانتخابات؟

تعد الانتخابات المقبلة نقطة محورية في التاريخ السياسي الإثيوبي الحديث، حيث ستكون تلك الانتخابات بمثابة عملية تصويت علنية على سياسات رئيس الوزراء أبي أحمد، كما ستعد أول انتخابات حقيقية سيتم إجراؤها في عهد أبي أحمد الذي تولى السلطة في عام 2018، فالانتخابات الماضية التي جرت في عام 2021 تم إجراؤها تحت ظروف الحرب في منطقة التيجراي، كما أنها لم تشمل كافة المناطق في البلاد، كما أقدمت الأحزاب الرئيسية في منطقة أوروميا والأوجادين بمقاطعة تلك الانتخابات، وهو الأمر الذي أخرج الانتخابات الماضية بصورة غير مرضية ومحرجة للنظام السياسي داخلياً وخارجياً.

واستكمالًا للنقطة السابقة، تعد تلك الانتخابات أيضًا اختبارًا حقيقيًا لحزب الازدهار الحاكم الذي أسسه أبي أحمد في عام 2018 خلفًا للجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية، ولم يخض الحزب الجديد أية اختبارات انتخابية حقيقية، لذا فالانتخابات المقبلة إذا تم إجراؤها وفق مناخ سياسي سليم، تكون بمثابة اختبار فعلي لقوة الحزب على الأرض.

وبالإضافة إلى ما سبق، يمكن ذكر بعض السياقات المهمة التي سيتم من خلالها إجراء الانتخابات المقبلة في إثيوبيا، وهي كالتالي:

أولًا: الأزمة في إقليم التيجراي

 تعود أزمة التيجراي إلى عام 2018 حين تم اختيار أبي أحمد رئيس الوزراء، وفقدان جبهة تحرير التيجراي التي كانت تحكم إثيوبيا خلال عهد ميليس زيناوي نفوذها التاريخي، مما زاد من وطأة الأمر حين تم حل الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية وتشكيل حزب الازدهار، والذي عُد ضربة سياسية قاصمة لجبهة تحرير التيجراي وقتها، مما دفع إلى تزايد المناوشات السياسية بين أبي أحمد وجبهة تحرير التيجراي حتى تفاقمت الأمور مع إلغاء الانتخابات عام 2020 بسبب جائحة كورونا، ووقتها اعتبرت الجبهة أن تأجيل الانتخابات وتمديد عمر الحكومة مخالفة دستورية، مما دفع الجبهة وقتها إلى إجراء انتخابات أحادية في الإقليم لم تعترف بها الحكومة، وفي المقابل لم تعترف الجبهة بالحكومة الإثيوبية، الأمر الذي تفجر عسكرياً في نوفمبر 2020 باجتياح القوات الفيدرالية الإثيوبية مدينة ميكلي عاصمة الإقليم للإطاحة بحكم الجبهة، لكن سرعان ما استعادته الجبهة وطاردت القوات الحكومية واستعادت مدينة ميكلي في يونيو 2021، واستمر القتال بين الطرفين حتى أكتوبر 2022 حين تم التوقيع على اتفاق بريتوريا.

ومنذ ذلك التاريخ لا تزال الأزمة مشتعلة بين الطرفين حتى تجددت مرة أخرى في يناير 2026، واستمرت المعارك لمدة أيام قليلة حتى تم ضبط الأوضاع والسيطرة على الأمر.

جبهة التيجراي - أرشيفية 
جبهة التيجراي - أرشيفية 

ثانيًا: أزمة ميليشيات فانو

 تعد أزمة ميليشيات فانو من أبرز امتدادات حرب التيجراي، فتلك الميليشيات قاتلت بجوار القوات الفيدرالية ثم انقلبت عليها لقبولها اتفاق بريتوريا، ودخلت في صراع مسلح ودامٍ مع السلطات في أديس أبابا من ديسمبر 2023 إلى ديسمبر 2025، وتشكل تلك الميليشيات حالياً صداعاً مزمناً في رأس السلطة في إثيوبيا.

ثالثًا: أزمة الضغوط الأمريكي

تواجه إثيوبيا حاليًا ضغوطًا أمريكية مزدوجة، حيث قطعت الخارجية الأمريكية العديد من المساعدات التنموية للجانب الإثيوبي خلال الفترة الأخيرة بسبب عمليات الفساد التي تشوب عملية توزيع المساعدات وإعادة استخدامها في مجالات الحرب والتسليح، ومؤخرًا تزايدت الضغوط الأمريكية فيما يخص سد النهضة ومحاولة الوساطة فيما يخص التوصل إلى اتفاق ملزم بخصوص تشغيل سد النهضة.

تقييم الأوضاع الأمنية

خلال حضوره أعمال الدورة العاشرة لمجلس نواب الشعب الإثيوبي، صرح رئيس الوزراء أبي أحمد أن أجهزة إنفاذ القانون في البلاد ما زالت تقيم الأوضاع الأمنية المحلية في البلاد وإعداد خريطة أمنية شاملة على مستوى البلاد، وذلك في إطار الاستعدادات للانتخابات الوطنية المقبلة، حيث تم نشر ما يقارب 88 ألف جامع بيانات في 19650 مركز اقتراع على مستوى البلاد لجمع المعلومات وتقديمها للمؤسسات الأمنية لإعادة تحليلها وتحديد المخاطر المحتملة، وذلك من أجل الوصول إلى عملية انتخابية آمنة ومنظمة.

جبهة التيجراي - أرشيفية 
جبهة التيجراي - أرشيفية 

وفي نفس السياق رفض أبي أحمد أية محاولات لتأجيل الانتخابات أو تشكيل حكومة انتقالية دون إجراء الانتخابات، كما دعا جميع الأحزاب إلى المشاركة في العملية الانتخابية المقبلة والمنافسة على المقاعد.

وجدير بالذكر أن الأزمة الأمنية الأخيرة في إقليم التيجراي يمكن إدخالها في سياق الانتخابات المقبلة، فعلى مدار العام الماضي تقريبًا سعى أبي أحمد وحزب الازدهار إلى تفكيك هيمنة جبهة تحرير التيجراي المسيطرة على إقليم التيجراي من خلال تفعيل الانشقاقات داخل الجبهة، مثل زعيمها السابق غيتاشو رضا الذي يشغل حاليًا مستشارًا لأبي أحمد، كما تم العمل على انشقاق العديد من قوات دفاع التيجراي وتأسيس قوة سلام التيجراي الموالية للحكومة الفيدرالية في أديس أبابا.

ولعل السياسات الإثيوبية الرامية إلى تفكيك جبهة تحرير التيجراي وقوات دفاعها هي ما دفعها إلى شن حرب خاطفة ضد القوات الفيدرالية والقوات الموالية لها في غرب التيجراي من أجل إيقاف تلك التدخلات ووضع حد لها.

الميليشيات الأمهرية - أرشيفية 
الميليشيات الأمهرية - أرشيفية 

مستقبل الانتخابات المقبلة

مؤخرًا برزت العديد من التحليلات التي لا تستبشر خيرًا بنتائج وسياقات الانتخابات المقبلة، فعلى سبيل المثال، بيزونه ييمينو المحاضر في العلوم السياسية المقارنة بجامعة كوينز بلفاست بأيرلندا، في مقالة منشورة له نهاية ديسمبر 2025، أكد أن الحكومة الإثيوبية لا تزال تميل إلى قمع المعارضة واعتقال أعضائها، وأنها تسعى إلى تسويد الانتخابات لصالح الحزب الحاكم، فعلى سبيل المثال في الانتخابات الماضية عام 2021 كان من المفترض إجراؤها في عام 2020، إلا أن الحكومة أجلتها مرارًا تحت ذريعة وباء كورونا، وعند إجرائها في عام 2021 حصد حزب الازدهار على 97% من المقاعد تقريبًا.

الميليشيات الأمهرية - أرشيفية 
الميليشيات الأمهرية - أرشيفية 

أكد ييمينو أن إثيوبيا تعاني من انعدام تكافؤ الفرص الانتخابية، حيث تشهد بعض المناطق منافسة حقيقية في حين نجد أن مناطق أخرى تخضع للسيطرة الحكومية التامة، كما أن البلاد تتبع نظامًا انتخابيًا يعزز من سيطرة الحزب الحاكم ويحرم بقية الأحزاب، وهو نظام الفائز الأول، فعلى سبيل المثال في الانتخابات الماضية حصد حزب الازدهار على 90% من الأصوات، ولكنه في المقابل حصل على 97% من المقاعد، وفي المقابل حصلت جماعات معارضة مثل بالديراس وإيزيما على 32% من الأصوات، لكنها في المقابل لم تحصل على أية أصوات في مجلس نواب الشعب، لذا يطالب ييمينو بضرورة تحول النظام الانتخابي في إثيوبيا إلى نظام التمثيل النسبي الذي يتيح عدالة نسبية بين نسب التصويت ونسبة عدد المقاعد في مجلس نواب الشعب.

ختامًا:

 تبدو الانتخابات التشريعية الإثيوبية المقبلة في يونيو 2026 اختبارًا مصيريًا ليس فقط لمستقبل حكومة أبي أحمد، بل لبقاء الدولة الإثيوبية نفسها داخل حدود الاستقرار السياسي. فبين هشاشة الوضع الأمني في التيجراي، واستمرار تهديد ميليشيات فانو، وتصاعد الضغوط الأمريكية المرتبطة بالفساد وسد النهضة، تتحول العملية الانتخابية من استحقاق دستوري إلى معركة بقاء للنظام الحاكم. وإذا لم تُجرَ الانتخابات في مناخ سياسي متوازن يضمن الحد الأدنى من تكافؤ الفرص، ويكبح أدوات القمع والتلاعب، فإن نتائجها ستظل محل تشكيك داخلي وخارجي، وقد تفتح الباب أمام موجة جديدة من العنف الأهلي والانقسامات العرقية، بما يجعل من يونيو 2026 نقطة فاصلة بين محاولة إنقاذ الدولة الإثيوبية أو الدخول في مرحلة أطول وأكثر تعقيدًا من التفكك والصراع.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء