رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المحرقة خارج الذاكرة: كيف أصبحت الهولوكوست عبئًا على السياسة الإسرائيلية؟

متحف الهولوكوست -
متحف الهولوكوست - أرشيفية

تُخلِّد إسرائيل والمجتمع اليهودي عبر العالم ذكرى المحرقة التي وقعت أحداثها قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية يوم 27 يناير من كل عام، وهو اليوم الذي أقدمت فيه قوات الجيش الأحمر السوفيتي، بقيادة الجنرال جوكوف، على اقتحام معسكر أوشفيتز في بولندا عام 1945، وهو المعسكر الذي استُخدم كسجن ومعتقل كبير لجميع العناصر والجماعات المعادية للنازية، مثل اليهود والبولنديين والسلاف والغجر وغيرهم.

في عام 2005 نجحت إسرائيل، رفقة المجتمعات والجمعيات اليهودية في غرب أوروبا، في الضغط على الجمعية العامة للأمم المتحدة لجعل يوم اقتحام جوكوف لأوشفيتز يومًا للاحتفال بذكرى الهولوكوست، وعلى مدار العقود الماضية لعبت إسرائيل على استغلال ذكرى المحرقة لابتزاز المجتمعات والحكومات في غرب أوروبا من أجل الحصول أولًا على التعويضات اللازمة من ناحية، وأيضًا الضغط على تلك الحكومات لاتخاذ سياسات مؤيدة لإسرائيل ومناهضة لأعدائها.

رغم مركزية قضية الهولوكوست في السياسة والتاريخ الإسرائيليين، فإن الهولوكوست كانت دافعًا لتوطين اليهود في فلسطين، كما كانت دافعًا لإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، كما أنها كانت إحدى مرتكزات السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه أوروبا خلال العقود الثمانية الماضية.

ورغم مركزية تلك القضية، إلا أن الممارسات الإسرائيلية الحالية تشير إلى وجود تناقضات إسرائيلية في التعامل مع الهولوكوست، سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى العلاقات الخارجية، خاصة العلاقات الإسرائيلية الأوروبية.

تناقضات داخلية

كما ذكرنا سابقًا، كانت الهولوكوست سببًا في دفع وتيرة الهجرات اليهودية خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وأثنائها وبعدها، وكانت السبب الرئيس في تفكيك المجتمعات اليهودية في شرق أوروبا وإعادة توطينها من جديد في فلسطين التاريخية، وعلى مدار التاريخ الإسرائيلي شكَّل الناجون من المحرقة أيقونة وطنية في الداخل الإسرائيلي، والعديد من الزعماء اليهود دائمًا ما يستذكرون تاريخهم في معسكرات الاعتقال الألمانية.

كما دأبت إسرائيل على حثّ الصناعة السينمائية في هوليوود على تخليد ذكريات المحرقة، مثل فيلم قائمة شندلر للمخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرغ، والذي حاز على جائزة الأوسكار مرات عديدة، منها مرتين عن فيلم قائمة شندلر كأفضل فيلم وأفضل مخرج، وفي وقت لاحق عام 2006 تبرع المخرج الأمريكي بمبلغ مليون دولار لصالح إسرائيل دعمًا للمجهود العسكري الإسرائيلي خلال الحرب الإسرائيلية اللبنانية عام 2006.

ورغم أهمية ضحايا الهولوكوست في السردية الإسرائيلية الخاصة بإقامة الدولة، إلا أن ثمة تقارير صادرة عن مؤسسات إعلامية إسرائيلية تفيد بمعاناة الناجين من الهولوكوست من سوء أوضاعهم الصحية، رغم تجاوزهم سن التسعين، وأن النظام الصحي في إسرائيل بات لا يُعير اهتمامًا للخدمات الصحية المقدمة لهم.

كشفت صحيفة جيروزاليم بوست أن منظمة "لمعانام" غير الربحية، والمعنية بتقديم الخدمات الطبية للناجين من المحرقة، لا يتلقون العلاج الطبي بسبب عوائق الوصول إلى تلك الخدمات، ونقص التكنولوجيا، وظروف معيشتهم البائسة.

ويشير تقرير المنظمة إلى أن إسرائيل بها حاليًا 115 ألف ناجٍ من المحرقة، منهم 28% طريحو الفراش، ويعيش الكثير منهم في منازل تفتقر إلى المصاعد الكهربائية، وهو ما يؤثر سلبًا على حالتهم الصحية العامة، نظرًا لكونهم طاعنين في السن (متوسط أعمارهم 86 عامًا تقريبًا)، وغير قادرين على استخدام درج السلالم.

ويشير التقرير أيضًا إلى أن الناجين الذين يقطنون المناطق الشمالية والجنوبية معاناتهم أكبر، إذ يندر وجود الأطباء في تلك المناطق، حيث تبلغ نسبة الأطباء فيها حوالي 2.7 لكل ألف مواطن تقريبًا، في حين أن نسبة الأطباء في المناطق المركزية تبلغ حوالي 5.5 لكل ألف مواطن، هذا فضلًا عن معاناة الناجين في المناطق الشمالية في الولوج إلى الملاجئ الآمنة خلال الحرب الأخيرة مع حزب الله، إذ وجد هؤلاء صعوبة في الانتقال إلى المراكز الآمنة حال إطلاق الحزب صواريخه باتجاه شمال إسرائيل.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان

تناقضات خارجية

وعلى غرار التناقضات الداخلية المتمثلة في الإهمال الطبي لضحايا المحرقة، تسير السياسة الخارجية الإسرائيلية في اتجاه معاكس لذكرى المحرقة الإسرائيلية، الأمر الذي يقوض أركان السردية الإسرائيلية ويعزز من الجهود الرامية إلى إنكارها والتقليل من شأنها عالميًا.

فبالأمس شهدت القدس مؤتمرًا دوليًا حول المحرقة ومعاداة السامية، تمت دعوة العديد من الأحزاب الأوروبية القومية المتطرفة إليه، والتي ينتمي خطها السياسي والفكري إلى الأفكار النازية والفاشية التي انتشرت في أوروبا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، والتي تُتهم بأنها المتسببة في الهولوكوست.

لم يكن المؤتمر الأخير هو السابقة الأولى في التعاون مع أحزاب أوروبية مناهضة للسامية ومفتخرة بقتل اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، ففي دولة المجر، على سبيل المثال، نجد تعاونًا متزايدًا بين حكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، والذي يُصنَّف على أنه يميني قومي متطرف مؤيد للنازية، ووصل هذا التعاون بين الطرفين إلى أبعد الحدود، إذ غضت إسرائيل الطرف عن الملاحقات القانونية والسياسية التي يشنها أوربان تجاه الملياردير الإسرائيلي المجري جورج سوروس، والذي يُعد من أبرز الداعمين لدولة إسرائيل، ويأتي هذا الغضّ للطرف الإسرائيلي في مقابل انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية مذكرة التوقيف التي طالت نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامهما بارتكاب جرائم إبادة إنسانية في قطاع غزة.

 جورج سوروس
 جورج سوروس

بالإضافة إلى التعاون مع المجر، تحاول تل أبيب مدّ تواصلها وعلاقاتها أيضًا مع حكومات يمينية متطرفة أخرى في شرق أوروبا، مثل بولندا وسلوفاكيا والتشيك، وتأتي الرغبة الإسرائيلية في التعاون مع تلك الدول من أجل منع أية تحركات معادية لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، كقرارات المقاطعة التجارية التي فرضتها بعض دول الاتحاد تجاه المنتجات الإسرائيلية التي يتم تصنيعها داخل المستوطنات في الضفة الغربية.

واصلت إسرائيل الشطط والغلو في التعاون مع الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا حينما تعاون يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء، مع حزب البديل الألماني، وهو أحد الأحزاب الألمانية الوريثة للحزب النازي القديم، إذ تصدر يائير نتنياهو حملة دعائية للحزب للتوعية بمخاطر الهجرة من الدول الإسلامية إلى أوروبا، وتحديدًا ألمانيا.

وختامًا:

 يبدو أن قضية الهولوكوست تفقد بريقها يومًا بعد يوم في السياق السياسي الإسرائيلي، سواء كان ذلك داخليًا أو خارجيًا، ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب، أبرزها سياسات رئيس الوزراء الحالي نتنياهو الرامية إلى انتهاج نمط براجماتي متطرف في إدارة العلاقات الخارجية لإسرائيل، إذ يرمي نتنياهو إلى تحقيق أكبر مصالح وقتية راهنة دون النظر إلى هوية الجهة المقابلة ومعتقداتها، وهي سياسة قد تحمل المزيد من العواقب خلال الفترة المقبلة على الأمن الإسرائيلي، فإن تخلصت تلك القوى من الخطر المشترك، وهو ما تسميه بالخطر الإسلامي، فإن الدائرة ستدور على اليهود بلا أدنى شك.

يوآف غالانت
يوآف غالانت

كما توجد نقطة أخرى، وهي الابتعاد الزمني الواضح عن فترة الهولوكوست، فأغلب الأجيال الحالية، سواء في إسرائيل أو في أوروبا، لم تعاصر تلك المرحلة، وكأنها دُفنت مع أصحابها من الطرفين، وبالتالي انخفض أثر الدعاية النفسية الخاصة بالهولوكوست، سواء في المجتمعات الغربية أو الإسرائيلية، فمتوسط عمر الناجين من المحرقة حاليًا 86 عامًا، ومن المحتمل أن يتناقص عدد الناجين من المحرقة خلال السنوات القليلة المقبلة بشكل درامي بفعل عامل الوفاة، وبالتالي سينخفض تأثيرها بشكل كبير جدًا خلال السنوات العشر المقبلة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء